أرشيف المقالات

شاعرنا العالمي

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 10 - شاعرنا العالمي أبو العتاهية للأستاذ عبد المتعال الصعيدي حماقاته: روى صاحب الأغاني عن الحسن بن علي قال: حدثنا محمد أبن القاسم قال: حدثني إسماعيل بن عبد الله الكوفي قال: حدثني عمروس صاحب الطعام، وكان جار أبي العتاهية قال: كان أبو العتاهية من أقل الناس معرفة، سمعت بشراً المريسي يقول له: يا أبا إسحاق لا تصل خلف فلان جارك وإمام مسجدكم فانه مشبه، قال: كلا إنه قرأ بنا البارحة في الصلاة (قل هو الله أحد)، وإذا هو يظن أن المشبه لا يقرأ قل هو الله أحد وقد ذكرنا عن مخارق فيما سبق ما جرى لأبي العتاهية معه حينما دعاه فغناه وشرب معه ثم أمر غلامه فكسر كل ما بين أيديهم من النبيذ وآلته والملاهي، قال مخارق: فظننت أنها بعض حماقاته، فانصرفت وما لقيته زماناً، ثم تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرتين وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها، وأقامها مقام القميص، وثقب أخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل، فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغم عليه والوحشة لعشرته، وضحكت والله ضحكاً ما ضحكت مثله قط، فقال: من أي شيء تضحك؟ فقلت: أسخن الله عينك هذا أي شيء هو؟ من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء والزهاد والصحابة والمجانين؟ انزع عنك هذا يا سخين العين، فكأنه استحيا مني؛ ثم بلغني أنه جلس حجاماً، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره، ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنيه، فأتيته عائداً، فخرج إلي رسوله يقول: إن دخلت إلي جددت لي حزناً، وتاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به وذكر بشر بن المعتمر أنه قال يوماً لأبي العتاهية: بلغني أنك لما نسكت جلست تحجم اليتامى والفقراء للسبيل، أكذلك كان؟ قال: نعم، قال له: فما أردت بذلك؟ قال: أردت أن أضع نفسي حسبما رفعتني الدنيا ليسقط عنها الكبر، وأكتسب بما فعلته الثواب، وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصة، فقال له بشر: دعني من تذليل نفسك بالحجامة، فانه ليس بحجة لك أن تؤديها وتصلحها بما لعلك تفسد به أمر غيرك، أحب أن تخبرني هل كنت تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحجمه إلى إخراج الدم؟ قال: لا، قال: هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كل واحد منهم إلى أن يخرجه على قدر طبعه مما إذا زادت فيه أو نقصة منه ضر المحجوم؟ قال: لا، قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين قالوا وإنه من أجل هذا وأشباهه غلب عليه هذا اللقب (أبو العتاهية) وقد أخبر ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال: كني بأبي العتاهية أن كان يحب الشهرة والمجون والتعته.
وأخبر محمد بن موسى بن حماد قال: قال المهدي يوماً لأبي العتاهية أنت إنسان متحذلق معته، فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته وسارت له في الناس، قال: ويقال للرجل المتحذلق عتاهية، كما يقال للرجل الطويل شناجية، ويقال أبو عتاهية بإسقاط الألف واللام ومن المحتمل عندي أن يكون تلقيته بذلك من أجل ابنه عتاهية الذي روينا عنه فيما سبق بعض أخبار أبيه، وأن تلك الأمور التي نسب إليه من أجلها هذا الحمق كان يتحامق بها لأغراض له فيها، وقد تحمل الأغراض بعض ذوي العقول على هذا التحامق فلا يكون لهم منه بد، كما قال الشافعي رحمه الله وقد جرى بينه وبين بعض من صحبه مجانة: وأنزلني طولُ النوى دارَ غربة ...
إذا شئت لاقيتُ امرأ لا أشاكلهْ أحامقه حتى يقال سجية ...
ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله ويمكن أن يكون من تلك الأغراض التي حملت أبا العتاهية على ذلك اتقاء ما كان يدبر له من ضروب الكيد، ومحاولة الإيقاع به، وأخذه بتهمة الزندقة وما إليها، فان ظهوره بهذا المظهر يهون من أمره، ويجعله امرأ لا يخاف شره ويؤيد هذا ما رواه أبو الفرج قال: أخبرني محمد بن الصولي قال: حدثنا أبو ذكوان قال: حدثنا العباس بن رستم قال: كان حمدويه صاحب الزنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية ففزع من ذلك وقعد حجاماً وإذا كان خوفه من حمدويه هو الذي حمله على أن يحترف هذه الحرفة التي ليست من شأنه، لا ما تظاهر به من إرادة تذليل نفسه، فيمكننا أن نحمل على ذلك كل تلك الحماقات التي تؤثر عنه، ونخرجها على ذلك التحامق الذي يقصد به مداراة أهل الظلم والحمق وقد كان أبو العتاهية يعتمد في هذه الحياة المضطربة التي عاش فيها على ضروب من الحيلة كان يجيد تمثيلها، ولولاها لطاحت رقبته فيمن طاحت رقابهم ممن لم تساعفهم الحيلة في تلك البيئة، ولأبي العتاهية في ذلك نوادر لطيفة كان يتوصل بها إلى ما يعجز عنه غيره، ويحوز بها القبول لدى أرباب الحل والعقد في عصره من رجاله ونسائه، ولنختم هذا الفصل بتلك النادرة الظريفة من نوادره ذكر أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي أن أبا العتاهية لما ألح في أمر عتبة لأول دخوله بغداد ولم ينل منها شيئاً، وجدها يوماً قد جلست في أصحاب الجوهر، فمضى فلبس ثياب راهب، ودفع ثيابه إلى إنسان كان معه، وسأل عن رجل كبير من أهل السوق، فدل على شيخ صائغ، فجاء إليه فقال: إني قد رغبت في الإسلام على يدي هذه المرأة، فقام معه وجمع جماعة من أهل السوق وجاءها فقال: إن الله قد ساق إليك أجراً، هذا راهب قد رغب في الإسلام على يديك، فقالت هاتوه، فدنا منها فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، وقطع الزنار ودنا فقبل يدها، فلما فعل ذلك رفعت البرنس فعرفته، فقالت نَحُّوهُ لعنه الله، فقالوا لا تلعنيه فقد أسلم، فقالت إنما فعلت ذلك لقذره، فعرضوا عليه كسوة فقال ليس لي حاجة إلى هذه، وإنما أردت أن أشرف بولائها، فالحمد الله الذي من علي بحضوركم، وجلس فجعلوا يعلمونه الحمد وصلى معهم العصر، وهو في ذاك بين يديها ينظر إليها لا تقدر له على حيلة عبد المتعال الصعيدي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢