أرشيف المقالات

مصر وقت الفتح الفاطمي

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 والعوامل التي مهدت لهذا الفتح للأستاذ محمد عبد الله عنان كانت مصر وقت الفتح الفاطمي، فريسة هينة للفاتح؛ بيد أنها لم تكن كذلك قبل الفتح الفاطمي بنصف قرن فقط.
وقد ثابت للفاطميين مذ شادوا ملكهم في إفريقية، نية في غزوها وامتلاكها، فغزوها أكثر من مرة، واستولوا على بعض نواحيها، ولكنهم ارتدوا عندئذ أمام جند الخلافة وجند مصر؛ ذلك أن مصر لم تكن فريسة هينة، وكان يشرف على مصايرها باسم الخلافة جماعة من الجند والزعماء الأقوياء ينظمون مواردها وقواها الدفاعية حين الخطر الداهم؛ وكان الفاطميون من جهة أخرى يغالبون في المغرب خطر الانتقاض المستمر، ويقوم ملكهم الفتي على بركان يضطرم بعناصر الخروج والثورة، حتى لقد كادت دولتهم الناشئة تنهار في المهد تحت ضربات القبائل البربرية الخصيمة وذلك في عهد ثاني خلفائهم القائم بأمر لله.
على أن الخلافة العباسية التي استطاعت في فوره من القوة في عهد المكتفي بالله أن تسحق الدولة الطولونية وأن تسترد مصر منها، لم تستطع أن توطد سلطانها الفعلي في مصر، وإن كانت قد استعادت سلطانها السياسي والديني فيها، وكان الزعماء الأقوياء الذين يحكمونها باسم الخلافة مثل تكين الخزري، وذكا الرومي، وابن كيغلغ، وابن طغج، يتمتعون بكثير من الاستقلال، وربما نزع بعضهم إلى انتزاعها من يد الخلافة كما فعل أحمد بن طولون من قبل، وكما فعل محمد بن طغج (الأخشيد) فيما بعد، وكانت هذه النزعة الاستقلالية، ذاتها عاملاً في ضعف سلطان الخلافة في مصر، وفي المباعدة بينها وبين مصر، وقلة اهتمامها بشؤون هذا القطر النائي ومصايره؛ ولكنها كانت من جهة أخرى عاملاً في حرص أولئك الحكام والزعماء الطامحين على الدفاع عن مصر وحمايتها من غارات المعتدين عليها والمتطلعين إلى امتلاكها.
وكان جل اهتمامهم في ذلك على جند مصر ذاته، ولكن الشعب المصري لم يكن يعطف دائماً على أولئك الحكام الأجانب خصوصاً ومعظمهم من الفرس أو الترك المستعمرين، فكان الزعماء المحليون ينزعون دائماً إلى منافستهم ومناوأتهم، وكان الجند كثير التمرد والثورة، يتبرم بأطماع أولئك الزعماء وجشعهم في استخلاص أرزاقه؛ فكان تعاقب الولاة ومنافساتهم في تلك الفترة، وثورات الجند المتكررة، واضطراب الشؤون العامة، وفقدان الأمن، وغلبة الفوضى؛ هذه كلها تزيد مصر ضعفاً على ضعفها، وتدفعها إلى التطلع إلى مصير أفضل من هذا المصير وبينما كانت الدولة العباسية تجوز مرحلة اضطراب وضعف، كانت دولة خصيمة فتية هي الدولة الفاطمية تسير مسرعة إلى النماء والتوطد؛ وكانت القبائل البربرية التي شدت أزر الفاطميين، وأقامت ملكهم فوق ملك الأغالبة، تحتفظ في هذا القفر بخشونتها وبأسها بعيدة عن تلك العوامل الرخوة التي تحمل عناصر الهرم والفناء إلى دول ومجتمعات يغمرها تيار الحضر والنعماء والترف؛ ولم تكن المعركة الهائلة التي اضطرمت مدى حين بين الدولة الفتية وبين القبائل الخصيمة، وكادت تسحقها في المهد، إلا لتذكى فيها رغبة الحياة وعزم النضال؛ وقد خرجت من المعركة ظافرة قوية، ولكنها أدركت في نفس الوقت فداحة الخطر الذي يهددها من تمرد أولئك الخوارج الأشداء؛ ومع أن الفاطميين استطاعوا فيما بعد أن يدوخوا قبائل المغرب كله وأن ينفذوا بفتوحاتهم في المغرب الأقصى حتى المحيط، فأنهم لم يطمئنوا إلى البقاء في تلك الوهاد الوعرة، ولم يعتبروا أنهم وصلوا بإقامة ملكهم في أفريقية إلى ذروة الأماني والغايات كانت مصر تلوح لهم خلال هذا القفر النائي درة خضراء؛ وكانت مصر في نظرهم هي ميدان المعركة الحاسمة التي يضطرمون لخوضها مع الدولة العباسية - خصيمتهم السياسية والمذهبية - وقد حاولوا خوضها منذ الساعة الأولى، فزحفوا على مصر أكثر من مرة كما قدمنا، وكما سنفصل بعد؛ ولكن فرصة الظفر لم تكن قد سنحت بعد، واستطاعت مصر بجندها وجند الخلافة أن ترد الغزاة، وشغل الغزاة مدى حين بما يهددهم في أفريقية ذاتها من خطر الانتفاض والفناء.
وفي تلك الفترة تطورت الحوادث في مصر وسارت إلى مرحلة جديدة من الاستقرار في ظل الخلافة أيضاً؛ وانتهت المنافسات والثورات العسكرية المتكررة بفوز محمد بن طغج الأخشيد بولاية مصر للمرة الثانية في سنة 323هـ (935م) من قبل الخليفة القاهر؛ وكان قد وليها لأول مرة قبل ذلك بعامين ولكنه لم يدخلها ولم تطل ولايته أكثر من شهر؛ فلما وليها من قبل القاهر سار إليها من دمشق في قواته، فتعرض له أحمد بن كيغلغ حاكم مصر وقتئذ وحاول رده عن ولايتها بقوة السيف؛ ذلك لأن ابن كيغلغ كان من أولئك الزعماء الأقوياء الذين يطمحون إلى الاستقلال بمصر؛ ولكن ابن طغج هزمه ودخل مصر ظافراً وتقلد ولايتها، وأنعم عليه الخليفة بلقب الأخشيد أو (ملك الملوك) وكان الأخشيد أميراً طموحاً، وافر الذكاء والشجاعة والعزم، فلم تقف همته عند استخلاص الولاية لنفسه على الشام ومصر؛ ولكنه رأى أن ينشئ فيهما لنفسه دولة مستقلة في ظل الخلافة، وأسرة ملوكية يتوارث السلطان من بعده، على مثل ما انتهى إليه ابن طولون بإنشاء الدولة الطولونية.
وهكذا قامت بمصر دولة جديدة هي الدولة الأخشيدية؛ واستقرت الأحوال بمصر في ظل الدولة الجديدة، وانتظمت قواتها الدفاعية، واستطاعت أن ترد الغزاة الفاطميين كرة أخرى (سنة 332هـ) وسطعت الدولة الأخشيدية بمصر مدى حين، وكادت تتنافس في القوة والبهاء دولة بني العباس ذاتها، ولاح مدى حين أن أمل الفاطميين في فتح مصر قد خبا.
ولكن قوة الدولة الجديدة كانت ترجع بالأخص إلى أهمية منشئها الأخشيد وإلى قوة خلاله؛ فلما توفي الأخشيد (سنة 334)، وخلفه ولده أنوجور على مصر والشام ثم أخوه علي بن الأخشيد (سنة 349)، وآل تدبير الأمور في عهدهما إلى كافور الأخشيدي خادم أبيهما، أخذ صرح الدولة الجديدة في التصدع؛ ولما توفي علي بن الأخشيد، انتزع كافور الإمارة لنفسه (سنة 355)؛ وقبض هذا الأسود الخصي مدى حين على مصاير مصر والشام؛ ومع أنه كان كثير الدهاء والعزم، فإنه لم يستطع لأن يحول دون تسرب العوامل المعنوية والاجتماعية الهدامة التي كانت تقضم أسس الدولة الأخشيدية، ولم تطل ولايته مع ذلك أكثر من عامين؛ وخلفه في الإمارة صبي حفيد للأخشيد هو أحمد بن علي بن الأخشيد، وتولى تدبير الأمور وزير مصر القوي جعفر بن الفرات؛ ولكن الأمور كانت قد ساءت يومئذ، فكثرت الأزمات واضطربت أحوال الجند والشعب، وظهرت امارات الذبول والهرم على الدولة الأخشيدية ولاح لها شبح الفناء جاثماً في الأفق وشغلت الدولة الفاطمية في تلك الفترة بشؤونها الخاصة، فلم تعاود كرة الهجوم على مصر منذ سنة 332هـ؛ ومع ذلك فقد لبثت ترقب سير الحوادث في مصر بمنتهى العناية؛ وكانت تعتمد في تنفيذ مشروعها على الشعب المصري ذاته وعلى زعمائه الناقمين على بني الأخشيد، وعلى تمرد الجند الساخط لانتقاص أعطيته؛ وقد كان فريق من أولئك الجند هم الذين دعوا الفاطميين إلى غزو مصر وقت أن غادرها ابن كيغلغ منهزماً أمام الأخشيد لسحق الدولة الأخشيدية.
ولما توفي كافور، واضطربت أحوال الدولة، وتعارضت الآراء في مسألة الولاية والحكم، وكثر التنافس على السلطة، وقلت أعطية الجند، كتب بعض زعمائه إلى الخليفة الفاطمي المعز لدين الله يدعوه إلى فتح مصر؛ واشترك في هذه الدعوة رجل من أكابر رجال الدولة في عهد كافور، هو يعقوب بن كلس؛ وكان الوزير جعفر بن الفرات قد قبض عليه عقب وفاة كافور وزجه إلى السجن وصادر أمواله فما زال يسعى حتى أفرج عنه؛ وفر من مصر إلى المغرب ودعا المعز إلى فتح مصر، ووصف له خصبها وغناها، وضعفها واضطرب أحوالها؛ وقد كان لابن كلس هذا فيما بعد أعظم شأن في الدولة الفاطمية بمصر في عهد المعز وولده العزيز وقد رأى الفاطميون في موت كافور خاتمة لذلك الاستقرار الذي تمتعت به مصر في عهد بني الأخشيد، ولم يفتهم أن يلاحظوا عوامل الانحلال والوهن التي سرت سراعاً إلى قوى مصر المادية والمعنوية.
والواقع أن مصر كانت تعاني من تقلب الزعماء والدول أسوأ الآثار في مواردها وفي نظمها الاجتماعية وأحوالها المعنوية، وكانت تلك القوة التي تسبغها الزعامة المؤقتة على مركزها خلباً، وكان الشعب مطية المتغلب يسوقه إلى الحرب والسلام طبق أهوائه، ويستنفد موارده وأرزاقه في بذخه ومشاريعه، وكانت العاطفة القومية تتبرم بهذه السيادة الأجنبية التي تمثلها قصور لا تصطبغ بصبغة قوية من العروبة أو الزعامة الدينية، كذلك كانت الأزمات الاقتصادية الخطيرة التي تنتهي غالباً بالغلاء والوباء تفعل فعلها في إذكاء عواطف السخط والاستكانة واليأس؛ وقد كانت مصر وقت الفتح الفاطمي (سنة 358هـ) تعاني مصائب الغلاء والوباء، ويقال إنها فقدت من أبنائها في تلك المحنة زهاء ستمائة ألف وكان ذلك بلا ريب عاملاً في إضعاف قواها الدفاعية وفي زهدها في النضال والمقاومة.
أضف إلى ذلك كله ما كانت تعانيه مصر يومئذ من ضروب الانحلال والفساد الاجتماعي الشامل؛ وقد انتهت إلينا في ذلك رواية إذا صحت فإنها تمثل ما كان لتلك الظاهرة يومئذ من أهمية في إذكاء همة لفاطميين لفتح مصر؛ وخلاصة هذه الرواية أن أم الأمراء (زوجة الخليفة المعز) أرسلت إلى مصر صبية للبيع فعرضها وكيلها في السوق وطلب فيها ألف دينار، فأقبلت إليه امرأة أنيقة فتية على حمار وساومته في ثمنها واشترتها منه بستمائة دينار، وعلم الوكيل أن هذه السيدة الأنيقة هي ابنة الأخشيد محمد بن طغج وأنها اشترت الصبية لتستمتع بها لأنها تهوى الصبايا الحسان، فلما عاد إلى المغرب حدث المعز لدين الله بأمرها، فدعا المعز شيوخ القبائل، وروى الوكيل لهم حادث الصبية، وعندئذ قال المعز: يا إخواننا انهضوا إلى مصر فلن يحول بينكم وبينها شئ، فان القوم قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتع بها، فقد ضعفت نفوس رجالهم وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم وفي هذه الأقوال التي ينسب قولها عن مصر للمعز لدين الله صورة بارزة لما يسود المجتمع المترف الرخو من عناصر الهدم.
وقد كان هذا شأن المجتمع المصري في خاتمة كل فترة من النهوض والقوة: ففي نهاية الدولة الطولونية انتهى المجتمع المصري، بعد فترة قصيرة من الفتوة والبهاء والقوة، إلى نوع من الانحلال والتفكك مهد لسقوط الدولة الطولونية وعود السيادة العباسية؛ وقد كان هذا شأنه في خاتمة الدولة الأخشيدية التي سطعت في عهد مؤسسها لمدى قصير فقط.
وقد نشأت الدولة الفاطمية وترعرعت في قفار المغرب، في مهاد البساطة والخشونة والفتوة؛ وانتهت في هذا الوقت الذي أزمع الخليفة الفاطمي فيه فتح مصر، إلى ذروة القوة والفتوة والرجولة إذا صح التعبير.
وإليك رواية عن المعز تقدم إلينا صورة قوية مؤثرة عن تلك الروح الخشنة الوثابة التي امتازت بها الدولة الفاطمية في تلك الفترة من حياتها: استدعى المعز في يوم بارد إلى قصره بالمنصورية عدة من شيوخ كتامة، وأمر بإدخالهم إليه من باب خاص، فإذا هو في مجلس مربع كبير مفروش باللبود وحوله كساء وعليه جبة وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب وبين يديه دواة وكتب؛ فقال يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء، وإنها الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر والقباء، كما يفعل، أرباب الدنيا، ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم، واحتجبت عنكم؛ وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلا بما لا بد لي منه من دنياكم وبما خصني الله به من إمامتكم؛ وإني مشغول بكتب ترد علي من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي؛ وإني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون أرواحكم ويعمر بلادكم ويذل أعدائكم ويقمع أضدادكم، فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثلما أفعله، ولا تظهروا التكبر فينزع الله النعمة عنكم وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من ورائكم ممن لا يصل إلي كتحنني عليكم ليتصل في الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثر منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحائزكم، فحسب الرجال الواحد الواحدة؛ ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم.
واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به، رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب بكم؛ انهضوا رحمكم الله ونصركم (للبحث بقية) محمد عبد الله عنان (النقل ممنوع)

شارك الخبر

المرئيات-١