أرشيف المقالات

النهضة التركية الأخيرة

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للدكتور عبد الوهاب عزام المرأة: ومما أخذه على الكماليين خطتهم في تربية النساء، فقد أخذوا بيد المرأة التركية، ربة الدار الطاهرة، وأم الأشبال الباسلة، فقادوها إلى المراقص، والملاهي، ومجالس السمر أخذاً بسنن أوربا؛ وسموا هذا تحريراً للمرأة وإنصافاً لها وإعظاما، واعترافاً بقدرها، كأن المرأة لا تكون حرة إلا إذا هجرت الدار، وعمرت المراقص، وأهملت أطفالها لتجالس سمارها، وتركت سكينة الدار وسعادة الأسرة، إلى ضوضاء الملاهي ونزاع المحافل! لست آخذ على الكماليين أنهم تركوا المرأة تغشى المراقص اختياراً، ولم يردوها إلى الدار قسراً، بل آخذ عليهم أنهم هم دعوها إلى ذلك، وحرضوها عليه، وزينوه لها، بل ألزموها به بعض الإلزام حين نظروا شزراً إلى الموظفين الذي لا يأخذون زوجاتهم بإتباع السنن الجديدة، ويريدونهن على مسايرة النهضة النسوية، ويروضونهن على أفانين المعيشة الأوربية فعل الكماليون هذا تقليدا لأوربا وتقرباً إليها، واستحياء من الاستمساك بآداب لا يعرفها الغربيون، والإبقاء على سنن ينكرها السادة الأوربيون.
ثم زادوا تقرباً حين أباحوا تزوج المسلمة من غير المسلم، وقد عاشت المرأة التركية حقبا ترى واجبها أن تربي أشبالها للدفاع عن قومها ودينها، وحماية تأريخ الإسلام والترك، وترى نفسها أعز وأرفع من أن يلي أمرها غير مسلم؛ وكانت هذه الكبرياء عصمة لها ولقومها في المحن التي انتابتهم، والفتن المحيطة بهم، وفي هذا النزاع، نزاع الحياة والموت الثائر بين الشرق والغرب.
فذهبت هذه (النهضة) بكبريائها، ومحت ما أورثها الإسلام والتاريخ من عزة وأباء وأتم الكماليون إعظام المرأة وتحريرها بأن فتحوا دوراً للبغايا فسايروا بعض الأمم الأوربية، وشاركوا مصر الإسلامية في وصمة العار، وسمة الخزي، التي تحاول اليوم أن تمحوها عن جبينها.
وقد بلغ من اعتدادهم بما فعلوا، وافتخارهم بما اقترفوا ما تبين عنه القصة الآتية: حدثني من لا أرتاب في صدقه قال: كنت على ظهر سفينة من عابرات المحيط، ذاهباً إلى المؤتمر البرلماني في البرازيل، وكان على السفينة جماعة من ممثلي الدول يؤمون المؤتمر، وكان فيهم مندوبو الحكومة التركية، فجلسنا مرة نتحدث، وذهب ب الحديث مذاهب حتى قال مندوب تركي مفتخراً متبجحاً: لقد أنفقنا كذا وكذا في بناء دور فخمة رائعة للبغاء (وذكر مقداراً من المال عظيماً جداً، لا أذكره الآن) قال محدثي: فلما قام صاحبنا نظر مندوبو الدول الأوربية بعضهم إلى بعض ساخرين متعجبين يقولون: ماذا يريد أن يقول هذا الرجل؟ لا يحسبني أحد مجادلا في سفور المرأة واحتجابها فيقولون فيم يجادل هذا الجاهل؟ لقد سبقته المدنية مراحل كثيرة فجدال الناس اليوم في اللبس والعرى.
لا يقولون أحد هذا فأني لست أنكر على المرأة أن تأخذ طريقها طليقة رشيدة، تصرف أمورها وتقوم بقسطها في الأمور العامة والخاصة على قدر ما تمكنها أعمال الدار والقيام على الأسرة.
ولست أنكر أن الإسلام منح المرأة من الحقوق ما لم تظفر به نساء أمم في أوربا حتى اليوم.
لا أنكر هذا ولا أجادل فيه، ولكني أظن بالمرأة أن تنزل عن عرشها في أسرتها لتتبذل في الطرق والمسارح والمراقص، وأشفق عليها أن يخدعها الرجال لحاجات في أنفسهم فيزينوا لها كل ما تنزع إليه مآربهم، ثم يكذبون فيذكرون الحرية والحق والإصلاح والكرامة ونحو هذا من الكلمات الكاذبة الخادعة، الثائرة الرائجة في هذا العصر.
أيها الناس لا تخدعوا أنفسكم ولا تجحدوا أن لهو المدينة الحاضرة يدور معظمه حول جسم المرأة في الطريق والمرقص والمسرح وشاطئ البحر.
وحسب المرأة ذلاً وهواناً أن تكون ألعوبة الرجال حيثما شاءوا وكيف شاءوا.
وبعد هذا أمر لا يعالج بكلمات، ولا ينفد بيانه في صفحات، فحسبي أن أتناوله مجملاً موجزاً لا معدداً مناهج النهضة التركية الأخيرة ويقتضي المقام هنا كلمة موجز عن نساء مصر: تغيرت المرأة المصرية في السنين الأخيرة تغيراً عظيماً.
وبعض هذا التغير خير لا مراء فيه، فقد تعلمت وبصرت بمناهج الحياة، وهذا صلاح وخير؛ ولكن ما يسمى النهضة النسائية في مصر تشوبه شيات من الضلال، وألوان من أفن الرأي وخدعة الهوى، ويلتبس الخير والشر في كثير من جوانبها: في مصر جماعة تتكلم عن نساء مصر كل حين، وتدعى أنها تنطق بآلام المرأة المصرية وآمالها، وهي على ذلك لا تمثل إلا جماعة من النساء هن أقرب إلى أوربا من مصر، وأشبه بالأجنبيات منهن بالمصريات.
وأما المرأة المصرية كما نراها وكما نود أن نراها فلا تمثلها هذه الجماعة إلا بزعمها؛ هي جماعة كثيرة القول والعمل في الجوانب اليسيرة البراقة التي لا تكلفها إلا الكلام والاجتماع من حين إلى حين، وأما جوانب الإصلاح العسيرة التي تقتضي كد الفكر واليد وهجر الراحة والرفاهية: جوانب الإصلاح الخلقي والديني التي تحول بين الناس وبين كثير من رغائب المدنية الاوربية، فليس للجماعة غرام بها، ولا صبر عليها.
لا ريب أن للجماعة أعمالاً مشكورة في تربية الفقيرات والحدب عليهن، ولكن أبرز أعمالها أن تجمع الشواب من بنات الأسر الراقية للغناء والرقص وإمتاع النظارة بظروب من المناظر وهلم جرا.
يضربن بذلك للمرأة المصرية أسوأ الأمثال، ويدعونها إلى شر الخطط، ويحطمن في ساعات ما وطدته الأمة في أجيال كثيراً ما سألت أصحابي: لماذا لا تدعو هذه الجماعة إلى طريقة خلقية رشيدة، أو سنة دينية حميدة؟ لماذا لا يطلبن - مثلاً - أن يكون للنساء الحق في غشيان المساجد أحياناً ليوعظن ويعلمن ما منح الإسلام المرأة من حق، وما فرض عليها من واجب؟ وقد اطلعت في عدد الرسالة الأخيرة على كلمة للأستاذ أحمد أمين (حول المسجد) أخفف عن نفسي بنقل شذرة منها، قال (بل لم لا يكون المسجد معهداً للمرأة كما يجب أن يكون معهداً للرجل.
فيخصص مسجد كل حي وقتاً لنساء الحي تعلم فيه المرأة واجباتها الدينية والاجتماعية، وتفقه فيه في دينها ودنياها، وترشد فيه إلى طرق إسعاد البيت، وتثار همتها إلى العطف والإحسان وتنظيمهما.
فالمرأة الآن محرومة من غذائها الروحي والديني لأنها بعيدة من المسجد، حرمت منه من غير حق، وهو سلوتها في الأزمات، وهو منهل عواطفها وغذاء روحها.
لقد حرمت المرأة من المسجد فحرم أبناؤها وبناتها من العاطفة الدينية.
لأن الأم - غالباً - هي مصدر هذا الإيحاء، وإذا انحرفت مرة فلم تجد المسجد يهديها ويعزيها، جمحت وغوت.
فهي الآن بين بيت وملهى ولا مسجد بينهما يذهب ملل البيت ويكسر من حدة الملاهي)
فليت شعري ما رأي سيداتنا في هذا الكلام؟ أليس الاهتمام بالمساجد في حالنا الحاضرة أولى من الأهتمام بالمؤتمرات التي يحرصن عليها ويحاولن فيها أن يسبقن نساء أوربا؟ أذكر أن وفداً من سيداتنا المصريات ذهب إلى مؤتمر نسائي كان في رومية - فيما أذكر - فهل تدري فيما تكلم الوفد؟ تكلم في (حقوق الطفل غير الشرعي)!! وأنا أترك القارئ لنفسه هنا يبدي ما يشاء ويقول ما يريد في هذا الموضوع.
وفي هذا العام ذهب وفد للمشاركة في مؤتمر نسائي اجتمع في اسطنبول، فنادين باسم المرأة المصرية أنهن راضيات مغتبطات بما اختطه الكماليون للمرأة التركية، وبكل ما فعله الكماليون.
وتطوعت زعيمتهن فقالت للغازي مصطفى كمال باشا: إنك تسميت (أتاتورك) وأنا اسميك (أتاشرق) وليس يهمني هنا أنها منحت الغازي لقباً لا معنى له في اللغة التركية، فأن معنى أتاتورك: التركي الاب، فمعنى (أتاشرق) على هذا القياس الشرق الأب وهو كلام لا معنى له.
ليس يهمني هذا الغلط اللغوي ولكني أقول إن الوفد النسائي ما كان يبين عن آراء المرأة المصرية، ومعظم المصريين من نساء ورجال لا يرضون مذاهب الكماليين في المرأة ولا غيرها.
ومعظم الشرقيين لا يرضون لأنفسهم مذاهب الكماليين، بل معظم الترك لا يرضونها، فان كانت الزعيمة أرادت أن تقول إن الغازي صار بعمله أباً للشرق كله، فهى أبوة لا يعترف بها الشرق، وهي (أبوة غير شرعية) والكلام فيها كالكلام في الطفل غير الشرعي لست، يعلم الله، أحاول بهذا توهين المساعي النسائية في مصر، ولا تهوين أمرها على الناس، ولا الزراية على أحد من المتصديات لها، وما أريد لهن إلا الكرامة والرشد، والنجح والظفر، ولكن علينا أن ننصح ما استطعنا وأن نبين الرشد والغي جهدنا، وأن ننادي بالرأي صريحاً في غير محاباة ولا مراءاة؛ فليس من الخير للأمة أن يدهن الناس في أمورها، وان يسلموا للضلال زمامها، وللفوضى قيادها؛ وليس من البر بالنساء المصريات أن ندعهن سائرات على غير هدى، فلا نعاونهن بالنصيحة المخلصة، ونسددهن بالرأي الصريح، فنخذلهن ونقعد عن نصرتهن بالفعل وبالقول، والله يهيئ لنا من امرنا رشداً (له بقية) عبد الوهاب عزام

شارك الخبر

المرئيات-١