أرشيف المقالات

محاورات أفلاطون

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 24 - محاورات أفلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود فلو لاحظ شخص أن (أ) أطول من (ب) بمقدار رأس، وأن ب أصغر بمقدار رأس، فسترفض أن تسلم له بهذا، وستزعم بقوة أنك لا تعني إلا أن الأكبر أكبر بالكبر، وبسببه، وأن الأصغر ليس أصغر إلا بالصغر، وبسببه، وهكذا تجنب نفسك خطر القول بأن الأكبر أكبر، وأن الأصغر أصغر، بمقياس الرأس، الذي هو هو في كلتا الحالتين، وستجنب نفسك كذلك ما في افتراض أن الرجل الأكبر أكبر بسبب الرأس الذي هو صغير، من سخف فظيع.
ألم تكن لتخشى ذلك؟ فقال سيبيس ضاحكا: كنت لأخشاه حقا وكنت تخشى، بنفس الطريقة، أن تقول إن عشرة تزيد على ثمانية بأثنين، وبسببها، ولكنك كنت تقول إنها تزيد عليها بالعدد، وبسببه، أو أن ذراعين يزيدان على ذراع واحد بنصف بل هما يزيدان عليه بالكبر - ذلك ما كنت تقوله لأن الخطر بذاته موجود في كلتا الحالتين. قال: جد صحيح - ثم ألم تكن لتحذر من التأكيد بأن إضافة واحد إلى واحد، أو قسمة واحد، هي سبب اثنين، وكنت لتقسم أمام الملأ بأنك لا تدري طريقة يجيء بها أي شخص إلى الوجود، إلا مشاطرته لجوهره الأصلي، فينتج أن سبب الاثنين الأوحد هو - في حدود ما تعلمه أنت - مشاطرة الأثنينية، فهذه المشاطرة هي طريقة عمل أثنين كما أن مشاطرة الواحد هي طريقة عمل الواحد؛ وكنت ستقول إني مطرح ألغاز القسمة والإضافة جانبا - فقد تجيب عنها رؤوس أبلغ من رأسي حكمة، وما دمت كما أنا عديم الخبرة، أفزع من ظلي كما يذهب المثل، فلست أقوى على أن أتناول بالهدم مبدأ ذا أساس مكين.
فإن هاجمك في ذلك مهاجم، لم تحفل به، أو أجبته حتى ترى إن كانت النتائج الناجمة متفقا بعضها مع بعض أولا، فإن طلب إليك بعد ذلك أن تتناول هذا المبدأ بالشرح، مضيت تزعم مبدأ أسمي، فأسمى المبادئ السامية، حتى تجد لنفسك مكمنا، ولكنك لم تكن لتخلط في تدليلك بين المبدأ والنتائج، كما فعل الأرستيون على الأقل إذا أردت أن تستكشف الوجود الحقيقي.
لا لأن هذا الخلط كان سيتبين لهؤلاء الذين لا يعنيهم الأمر إطلاقاً ولا يفكرون فيه، فلديهم من الذكاء ما يكفي أن يجعلهم يغتبطون بأنفسهم غبطة عظيمة، مهما يكن ما تحويه أفكارهم من عناء كبير، ولكني أعتقد أنك فاعل كما أقول إن كنت فيلسوفا. فقال سيمياس وسيبيس في صوت واحد: إن ما تقوله لحق بالغ اشكراتس - نعم يا فيدون، وليس يدهشني منهما هذا التسليم، فكل إنسان له من الفكر أدنى حدوده ليقر بما في تدليل سقراط من وضوح عجيب. فيدون - يقينا يا اشكراتس، بلى، وهو إحساسنا أيضاً، نحن الذين نصغي الآن لروايتك ولم نكن من الرفاق، ولكن ما الذي أعقب هذا؟ فيدون - بعد أن سلموا بهذا كله، ووافقوا على وجود المثل، وعلى مساهمة سائر الأشياء فيها، تلك الأشياء التي اشتقت أسماؤها من تلك المثل، قال سقراط ما يأتي، إن كنت مصيبا فيما أتذكر: تلك هي طريقتك في الحديث، ومع ذلك فحين تقول إن سمياس أكبر من سقراط وأصغر من فيدون، ألست بذلك تضيف إلى سمياس الكبر والصغر معا؟ - نعم إني أفعل ذلك - ولكنك على رغم هذا تسلم بأن سمياس لا يزيد في الحقيقة عن سقراط بسبب أنه سمياس، كما قد يدل عليه ظاهر العبارة، ولكنه يزيد عليه بسبب ما له من حجم.
فليس يزيد سمياس على سقراط لأنه سمياس أكثر مما يزيد عليه لأن سقراط هو سقراط، إنما بسبب الزيادة أن فيه صغرا حينما يقرن إلى كبر سمياس؟ - حقاً - وإذا كان فيدون يربي عليه حجما، فليس ذلك لأن فيدون هو فيدون، بل سببه أن في فيدون كبرا بالنسبة إلى سمياس الذي هو أصغر بالمقارنة؟ - هذا حق - وإن فسمياس يقال عنه إنه كبير كما يقال عنه إنه صغير لأنه في موقف وسط بينهما، فهو يزيد بكبره على صغر أحدهما، وهو يسمح لكبر الآخر أن يزيد على صغره.
ثم أضاف ضاحكا: ما أشبهني فيما أقول بكتاب، ولكني أعتقد أن ما أقوله حق فوافق سمياس على هذا - والسبب في هذا القول مني هو رغبتي في أن تروا معي أنه ليس الكبر المطلق وحده هو الذي يستحيل عليه أن يكون كبيرا وصغيرا في آن واحد، بل إن ما فينا من كبر، وكذلك ما في المحسات، لن يقبل كذلك الصغير بتاتا، ولن يرضى أن يربي عليه، وسيحدث بدلا من هذا أحد شيئين - إما أن الأكبر سيزول أو يتراجع أمام ضده، وهو الأصغر، أو أنه سيتلاشى بازدياد الأصغر، لكنه لو قبل أو سلم بالصغر فلن يتغير ذلك منه، كما أني لا أزال كما كنت تماما الشخص الصغير بذاته مع كوني قد تلقيت الصغير وقبلته حينما قرنت إلى سمياس.
فكما أنه يستحيل قطعا على مثال الكبير أن يتنازل ليكون أو ليصير صغيرا، كما يستحيل على أي ضد آخر كما هو، أن يكون أو يصير ضد نفسه ابدا، فهو إما أن يزول أو يمحى أثناء التغير أجاب سيبيس: هذا عين ما أرتئيه فلما أن سمع ذلك أحد الرفاق، ولست أذكر على التحقيق من هو، قال: بحق السماء، أليس هذا هو النقيض تماما لما سبق التسليم به - ذلك أن من الأكبر جاء الأصغر، ومن الأصغر جاء الأكبر، وإن الأضداد إنما تولدت من أضداد، فأحسبكم الآن منكرين هذا إنكارا قاطعا. فمال سقراط نحو المتكلم برأسه منصتا، ثم قال: تعجبني جرأتك في تذكيرنا بهذا، ولكنك لم تلاحظ أن هنالك اختلافا بين الحالتين، فقد كنا نتحدث فيما سلف عن الأضداد في المحسوسات، أما الآن فحديثنا عن الضد في الجوهر الذي يستحيل عليه - كما هو مقطوع به - أن يكون على خلاف مع نفسه سواء أكان هذا الضد فينا أو في الطبيعة.
إذن فقد كنا يا صديقي نتحدث عن الأشياء التي تكون الأضداد فطرية فيها، والتي سميت تبعا لها، أما الآن فنحن إنما نتكلم عن الأضداد التي تكون فطرية فيها (في الأشياء) والتي تخلع اسمها عليها، فلن تقبل قط هذه الأَضداد الجوهرية، فيما نعتقد، التوليد أو الخروج بعضها من بعض.
وهنا التفت إلى سيبيس وقال: هل أدخل اعتراض صاحبنا شيئا من الحيرة في نفسك يا سيبيس؟ فأجاب سيبيس: لم أشعر بذلك، ولكني لا أنكر أني أوشك أن أحس الارتباك فقال سقراط: إذن فنحن بعد هذا كله متفقون على أن الضد لن يكون مضادا لنفسه بأية حال؟ فأجاب: إننا في هذا على اتفاق تام - ولكن اسمح لي أن أطلب إليك مرة ثانية أن تنظر إلى المسألة من وجهة أخرى، لترى إن كنت متفقا معي: أهنالك شيء تسميه بالحرارة وشيء آخر تطلق عليه اسم البرودة؟ - يقينا - ولكن أهما النار والثلج ذاتهما؟ - كلا، بغير شك - ليست الحرارة هي النار، ولا البرودة هي الثلج؟ - لا - ولكنك لن تتردد في التسليم بأنه إذ يكون الثلج تحت تأثير الحرارة، كما سبق القول، فلن يلبثا ثلجا وحرارة، بل كلما ازدادت الحرارة، تراجع الثلج أو أدركه الفناء؟ أجاب: جد صحيح (يتبع) زكي نجيب محمود

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣