أرشيف المقالات

مأساة الآثار المصرية

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
8 اكتشفت أخيرا عدة حوادث جديدة تسربت فيها آثار مصرية إلى الخارج بطرق غير مشروعة، ومن ذلك مجموعات ثمينة من أوراق البردي المصري القديمة ظهرت في لندن وبرلين.
ولتسرب آثارنا القديمة، أو بعبارة أخرى لسرقة آثارنا، حديث قديم مؤثر، فليس بين بلاد الأرض بلد نكب في آثاره كما نكبت مصر؛ ونكبتنا في آثارنا فادحة مضاعفة، لأن القدر شاء أن تتلقى مصر من أجيالها الغابرة المجيدة أقدم تراث أثري وأنفسه، ولأن هذا التراث مازال مطمع أنظار المتربصين من الهواة والعلماء.
. ليس بين متاحف العواصم الأوربية الكبرى متحف لا يضم بين أبهائه مجموعة كبيرة من آثارنا المصرية؛ ففي لندن وباريس ورومة وفينا وبرلين وغيرها أقسام خاصة للآثار المصرية، ومن هذه الأقسام ما لا يقل كثيرا في ضخامته وتنوعه عن متحفنا المصري؛ هذا عدا المتاحف الامريكية، وعدا المجموعات الخاصة التي تسربت إلى أيدي الهواة. وإن المصري الذي يتاح له أن يزور هذه المتاحف ويرى كل هذا التراث المصري المنهوب يزين هذه الأبهاء الشاسعة كلها لتأخذه دهشة يمازجها الألم والحسرة لفداحة الخطب الذي نزل بتراثنا الأثرى. ومن الحقائق المؤلمة أن تكون مصر هي أول مسؤول عن هذا الخطب، وأن تحمل فيه اكثر تبعة؛ فهي التي أسلمت تراثها الأثرى منذ أواخر القرن الماضي إلى طائفة من البعثات الأجنبية تعمل في أرضنا باسم العلم والاستكشاف الاثري، ولكنها لم تكن دائما حريصة على مبادئ العلم ونزاهة العلم، ولم تكن بالأخص جديرة دائما بالثقة التي وضعت فيها، فلم ترع حرمة الأمانة والذمة، بل كانت تتربص دائما لما تعثر عليه من آثارنا، فتهرب منه إلى بلادها بمختلف الوسائل ما استطاعت، ثم تعود فتتقسم ما تعف عنه من البقية الباقية مع حكومتنا وتفوز دائما في ذلك بالنصيب الأوفر. ومصر هي التي وضعت لنفسها تلك اللائحة السخيفة التي تسمح للبعثات الأجنبية والمكتشفين الأجانب باقتسام آثارنا المكتشفة معنا؛ ومصر هي التي تقصر في ح مناطقها الأثرية؛ ومصر هي التي تسلم إدارة مصلحة الآثار والمتاحف المصرية إلى الأجانب، وهي التي لا تسمح لأولئك الأجانب بأن يعتقدوا أن هذا الأشراف على آثارنا ميراث لهم يدخل في منطقة نفوذهم وحقوقهم في بلادنا. لقد وقعت حوادث مثيرة في انتهاب الآثار المصرية كانت حرية أن تنبه الحكومة المصرية إلى خطورة هذا التقصير المؤلم؛ منها حادث تمثال الملكة نفرتيتي الذي يعتبر اجمل قطعة آثار في مصر القديمة، والذي استطاع عالم ألماني أن يستلبه بوسائل غير شريفة مازالت وصمة في جبين العلم الألماني؛ ومنها حادث أوراق البردي التي وجدت منذ أعوام في الفيوم وتسربت إلى متحف برلين ووجد أنها من انفس ما وجد من أوراق البردي القديمة، لأنها تحتوي على نصوص كاملة لبعض كتب ماني الفيلسوف الفارسي وصاحب المذهب المشهور؛ ومنها حادث أوراق البردي الأخيرة التي ظهرت في لندن؛ ومنها كثير غير ذلك مما لم يذع أمره. كل ذلك ونحن سكوت؛ نشهد هذا الانتهاب لآثارنا تحت ستار العلم والبحث لا ساخطين، ولكن مستسلمين؛ وإذا اهتمت حكومتنا فكل مظاهر اهتمامها أن تدعو لجنة الآثار لبحث الأمر، كما فعلت أخيرا؛ ثم يطوى أمر اللجنة وأمر الآثار. الواقع أنها مأساة، ومأساة أليمة لا تحتمل السكوت بعد؛ فإذا كانت مصر تحرص على آثارها حقا، وإذا كانت تريد أن تعتبر بالحوادث وأن تعمل لصون تراثها الاثري، فعليها أن تبادر قبل كل شيء إلى إلغاء هذه اللائحة الأثرية العتيقة التي تنص على اقتسام الآثار، وهو نص لا نظن له نظيرا في أي بلد متمدين يحرص على تراثه القومي، وان تستبدل بها لائحة جديدة تناسب روح العصر، وتكفل نصوصها المشددة صون الآثار المكتشفة وبقائها في مواطنها؛ وعليها بالأخص أن تحرم المباحث الأثرية على البعثات الأجنبية بعد أن أثبتت الحوادث منذ نصف قرن أن هذه البعثات هي أساس الشر، وأنها لم ترع حقوق الأمانة التي ألقيت إليها؛ ولتكن المباحث الأثرية في المستقبل مهمة حكومية أو مهمة جامعية تتولاها الحكومة أو الجامعة المصرية بمعاونة بعض الخبراء الأجانب الذين يعملون بإشراف الحكومة مدى حين، حتى يجيء الوقت الذي يستطيع الأخصائيون المصريون فيه أن يستأثروا بالبحث عن كنوز بلادهم، وهو فيما نعتقد غير بعيد. وليترك ولاة الأمر تلك النظرية العتيقة التي ترى في الأجانب وحدهم الأهلية لإجراء المباحث الأثرية، فقد دلت الاكتشافات الأثرية الباهرة التي وفق إليها الأساتذة المصريون في منطقة الأهرام وفي بعض مناطق الوجه القبلي بإشراف الجامعة المصرية على خطأ هذه النظرية المجحفة، وعلى أن الشباب المصري إذا مهدت له سبيل الدرس والتخصص استطاع أن يضطلع بجلائل البحوث والمهام. وليعمل ولاة الأمر أخيرا على انتزاع مصلحة الآثار والمتاحف المصرية من تلك الأيدي الأجنبية التي ما زال تراثنا يبدد في ظلها، ولتسلمها إلى الأيدي المصرية، فهي ابر بتراثها القومي واكفل بصونه وحمايته من عدوان الطامحين والمتربصين. (ع)

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١