أرشيف المقالات

هل تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني؟ أو الحقيقة

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 هي العكس؟ بقلم صالح بن علي الحامد العلوي اطلعت في العدد الحادي والتسعين من (الرسالة) الغراء على مقالين أحدهما للأستاذ أمين الخولي، والآخر للأستاذ علي الطنطاوي؛ وكلا المقالين دائر على مقال آخر قد نشرته الرسالة عن الإمام الأوزاعي للأديب الفاضل عبد القادر الجاعوني ولم يستثر كتابتي من هذا ولا ذاك شيء إلا نقطة واحدة طرقها الثلاثة وكانوا فيها جد مختلفين، وكادت بل شاءت الرسالة أن تساهم في المعمعة ولكن بإيجاز وإيماء.
والنقطة المختلف فيها هي ما جعلته عنواناً لأسطري هذه وهي: هل تأثر الفقه الإسلامي بالقوانين الرومانية أم الحقيقة هي العكس؛ إذ تعرض الكاتب الجاعوني فيما كتبه عن الأوزاعي لقولة كولد زهير يتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني وقال: (إن كان هذا صحيحاً فأحر بالأوزاعي أن يكون آخر المتأثرين به لأنه من أبعد الفقهاء عن الرأي ومن أقربهم إلى اتباع الكتاب والسنة، والكتاب والسنة ابعد الأشياء عن التأثر بالفقه الروماني) فكان الأستاذ الخولي فيما كتبه مؤيداً لرأي تأثر الفقه الإسلامي بغيره، وكان الأستاذ علي الطنطاوي في مقاله منكراً كل الإنكار أن يكون الفقه الإسلامي مأخوذا من الفقه الروماني، وتشاء الرسالة أن تعلق عليه بان هناك فرقاً شديداً بين التأثر والأخذ وعلى تسليم صحة الفرق بين التأثر والأخذ فمحصل كلام الأستاذ الطنطاوي إنكارهما معاً والجزم بان ذلك في زمن العلم خرافة من الخرافات هذه هي وجهات نظر هؤلاء الكتاب.
ومهما قلنا بالفرق بين الأخذ والتأثر فكلا المعنيين بجريان إلى مدى واحد، وهو أن يكون في أصل الفقه الإسلامي ومزاجه شيء من الفقه الروماني.
غير أنه على الأول بوجه مباشر، وعلى الثاني بواسطة الثقافة كما يقول الأستاذ الخولي وموضوع مناقشتي الآن هو ما ارتآه الأستاذ أمين الخولي - من تأييد دعوى كولدزهير بأن الفقه الإسلامي متأثر بالفقه الروماني.
وقد كنت في غنية عن كتابة هذه الأسطر لو كان الأستاذ علي الطنطاوي - الذي أؤيده الآن - أسهب في الموضوع ووفاه حقه من البسط والتدليل، لكنه على قوة حجته نحا في الموضوع منحي الإيجاز والاختصار، وذاك ما حملني على أن أعود - على بعد الدار - للفت أنظار قراء الرسالة للموضوع مرة اخرى، وبما أن مثار مناقشتي إنما هو ما كتبه الأستاذ الخولي أذكرأولاًما قاله في هذا الصدد قال: (.
.
ومع عدم تعصبي للقول بهذا التأثر ومع القصد في بيانه فإني أرى هذا الاستدلال على عدم تأثر الأوزاعي غير مقبول من الوجهة الاجتماعية والنفسية، فإن متبع الكتاب والسنة لابد له من أن يفهمهما أو يتبين مراميهما وأغراضهما وعللهما وحكمهما، ولكل شخص في هذا الفهم والتبين عقله الخاص وشخصيته الخاصة ومنهجه الخاص، وذلك كله من أشد ما يكون تأثراً بالثقافة والبيئة، فلا غرابة في أن يتأثر منهم الفاهم للكتاب والسنة المتبع لهما تأثراً جلياً بعوامل تثقيفه وظروف حياته كما تأثر بذلك تفسير القرآن في كل الأزمنة، بل كما تأثر بذلك فهم العقائد وأصول الدين ذاتها تأثراً لا يسعنا إنكاره، ولا قيمة لحرصنا على هذا الإنكار لأننا بذلك نقاوم سنن الله في خلقه)
وقبل كل شيء نقول إن الإسلام في ذاته جاء خارقاً لقاعدة البيئة والثقافة، إذ قام النبي محمد ﷺ، وهو النبي الأمي الذي نشأ من ابعد الناس عن يطلع على قانون روماني أو حكمة منقولة، وأتى بهذا الدين الأقدس مناقضاً كل التناقضات لما عليه قومه، مبايناً لهم في عاداتهم وعقائدهم إذ وجد في وسط بعيد عن العلم، ودرج في بيئة كلها شرك، وجو كله خرافات وأوهام، وبينما هو في هذا المحيط المشبع بالشرك والجاهلية إذا هو ينهض بدين كله حكمة، ونور يسفه الشرك وينبذ الخرافات، ويدعو إلى شريعة سمحة بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ورداً على زعم التأثر نقول: إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد، واستقيت من ينبوع واحد، هو النبي محمد ﷺ، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جميع الجزيرة العربية إلى العراق وأطراف الشام، ولم يلحق الشارع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى إلا وقد تركنا على المحجة البيضاء، وهيأ لنا شريعة كاملة وقانوناً ربانياً منظما يصلح لأن يطبق على أي جيل، وعلي أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء بعده شيئاً قط إلا تصنيفه ونقله، غير أنهم فيما لم يجدوا فيه نصاً صريحاً يطبقونه على قواعده الأساسية.
والنصوص الفقهية كلها صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي، أما الأغلب منها فمن الحديث والسنة، وبعضها عن الكتاب مفسراً بالسنة، فكيف يكون لكل شخص فيها فهمه الخاص وشخصيته الخاصة ومنهجه أو عقله الخاص، متأثراً بالثقافة والبيئة كما يقول الأستاذ الخولي؟ إن الكلام الصريح لا يحمل معنى غير ما يتبادر لذهن سامعه، فإذا قلت مثلاً: لا تكذب فليس معناه إلا لا تخبر بغير الواقع، سواء كان ذلك في القرن الأول للهجرة أو في يومنا هذا في القرن الرابع عشر، وسواء أكان السامع متأثرا بثقافة عربية أو رومانية أو صينية فلن يستطيع بعامل ثقافته وظرف حياته أن يزيد في معناها شيئاً، وأرى أننا لو نقلنا خطبة رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع مثلاً ونشرناها اليوم لما فهم منها من يعرف مدلولات الكلام العربي من مثقفي اليوم إلا ما فهمه عشرات الألوف من المسلمين حينما خطبهم رسول الله صلى عليه وآله وسلم في ذلك الموقف الرهيب قبل ثلاثة عشر قرناً ونصف ولا يجوز أن يقاس الفقه بالتفسير، إذ لا يقاس بكتاب الله شيء لبلاغته وأسلوبه العجز، مع عمق معانيه وبعد أغراضه التي لا يستطيع حصرها واكتناهها فهم أو فكر، وهذه فيه من أعظم الدلالات على إعجازه، فهو لا يزال على الأحقاب والأجيال ينفحنا بمعانيه ومراميه بما يشرح الصدور ويقوي الإيمان على أن الاختلاف في تفسيره وهو ما يراه الكاتب من تأثير البيئات - ليس إلا لا يجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية مما تاه لبعضه المفسرون الأولون، فجاء الزمن يفسره، فكان هذا من دلائل نبوته ﷺ ثم إن الفقه الروماني الحديث على الرغم أنه اختفى ثم اكتشف لم يظهر ولم يعمل به إلا في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد الميلاد.
أما قبل الحادي عشر فإنه لم يكن معروفاً حتى عند الرومان أنفسهم ولاشك أن الفقه الإسلامي قد قرر وصنف قبل ظهوره بقرون، فكيف يكون متأثراً بشيء لما يوجد بعد؟ وما قيمة زعم تأثر الفقهاء بالقوانين الرومانية إذا كان مصنفو الفقهاء وأئمتهم، ومنهم مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي الخ درسوا وألفوا وصنفوا قبل أن توجد أو تعرف القوانين الرومانية للرومان أنفسهم؟ أليست هذه مهزلة مضحكة؟ وفحوى هذا كله أنه محال أن يكون الفقه الإسلامي متأثراً بالفقه الروماني فضلاً عن أن يكون مأخوذاً منه، وسنبين بالبراهين القاطعة أن القوانين الرومانية هي المتأثرة به الفقه الروماني هو المأخوذ من الفقه الإسلامي وإذا سقط احتمال تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني، فإذا كان هناك تشابه بينهما فالمرجح بل المحقق أن الفقه الروماني هو الذي أخذ مباشرة عن الفقه الإسلامي.
وقد كتب أحد علماء العلويين الحضارمة مقالاً في هذا الموضوع وفاه حقه بعنوان: من أين أخذ الإفرنج قوانينهم، نشرته مجلة النهضة الحضرمية قال فيه ما ملخصه: إن دعوى اختفاء الفقه الروماني ثم ظهوره بعد ستة قرون أكذوبة لا مرية فيها، وقد كان الفقه الروماني معروفاً، وهو أشبه شيء بالفصول المضحكة.
أنظر تاريخ الدولة الرومانية للعالم جيبون الجزء 4 صفحة 527، وذكر أمثلة من معاملاتهم ثم قال: يمثل هذه المحاكات القاسية كانت تجري الأحكام لغاية القرن الحادي عشر، ولم تتبدل إلا في الثاني عشر أو الثالث عشر.
وقد قال ابن تيمية في القول الصحيح: (إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون لهم من يقضي بينهم بشرع المسلمين إذ لم يكن لهم شرع عام يحكم به بين الناس، وليس في الإنجيل حكم عام، بل عامته الأمر بالزهد) فكيف يصح أن ينسب هذا الفقه المشابه للفقه الإسلامي الحكيم بزعمهم إلى أمة معروفة، ولها فقه شائع معروف، وكله قسوة وهمجية؟ وكيف يسوغ عقلاً لأمة عظيمة أن يضيع عليها فقهها جملة، ويبقى غائباً عنها طيلة قرون عديدة ثم يعود إلى الظهور؟ هل يصح هذا إلا إذا صح أن تضيع عن أمة عاداتها وأخلاقها ودينها جملة؟ ثم إن حكاية اختفائها وبروزها في القرن الحادي عشر لم يقل بها غير هولود نيكوس سنة 1501م.
ثم راجت، انظر جيبون 4 صفحة 555، وقد اعتبرها بعض العلماء إذ ذاك غير حقيقة، فقد قال القانوني الشهير سافينيه: إن القوانين الرومانية لم تختف لأنها ظلت معمولاً بها إلى البوم من غير انقطاع اه.
ويعني بها القوانين القديمة المتقدم ذكرها.
وبهذا وذاك تدحض دعوى اختفاء الفقه الروماني ثم ظهوره.
ويتضح أن القوانين الحديثة ليست إلا حديثة الوضع، وضعها بعض علمائهم مقتبسة من الفقه الإسلامي وتبريرا لها عند العامة انتحلوا اختفاءها وظهورها كسراً لتعصبهم أما أدلة أخذ القوانين الرومانية من الفقه الإسلامي فهي: (أولاً) ما قدمنا من إقرار الإفرنج بفضل الفقه الإسلامي وإعجابهم بأحكامه، ونصلهم في بعض بلادهم قضاة يقضون به كما نقل ذلك العلامة ابن تيمية (ثانياً) إن الفقه الإسلامي، كما قدمنا، قد ألف وصنف قبل أن تبرز القوانين الرومانية الحديثة من اختفائها المزعوم، فلم يبق يد من أحد أمرين: إما أن يكون الفقه الإسلامي قد تأثر بها قبل وجودها وظهورها، وهذا محال، أو تكون هي المأخوذة عن الفقه الإسلامي، وهذا هو المعقول والمنقول (ثالثاً) ما نقله العلامة العلوي الذي اعتمدنا على ما كتبه في مقالنا هذا قال: نقل العلامة المحقق الأستاذ الجرفادقاتي الإيراني في مقالة له في هذا الموضوع من مجموعة للعالم الباحث مفضل بن رضى الفراوي الاسفارنكي (وفراوة كورة من خراسان بين شهرستان ومرو) فيها رسالة في شرائط كمال الفقه للفتوى قال: كتب أبو العباس الكركري من تلامذة بهمنيار، وهو تلميذ الشيخ الرئيس ابن سينا، في رسالته إلى مفتي مرو أحمد بن عبد الله السرخس في معنى كمال الفقه: إن أبا الوليد محمد بن عبد الله بن خيرة نقل في تعليقاته على النهاية: إن طلبة العلم من الإفرنج الذين كانوا يسافرون إلى غرناطة لطلب العلم، اهتموا كثيراً في نقل الفقه الإسلامي إلى لغتهم لعلهم يستعملونه في بلادهم لرداءة الأحكام فيها خصوصاً في المائة الرابعة والخامسة من الهجرة، فقد برعوا في اللغة العربية، ومنهم غربرت والبرت، فإنهما طلبا مساعدة العلماء لإبراز مقصودهما، وقد ساعدوهما حتى دونوا الفقه كاملاً وحوروه إلى ما يوافق بلادهما اه، وقال موسهيم الجرماني إن غربرت المذكور كان مديناً في معرفته لعرب أسبانيا ثم قال: (إن العرب ولا سيما عرب أسبانيا هم أصل وينبوع كل معرفة.
.
من القرن العاشر فصاعداً)
كما نقله الأستاذ العلوي المذكور آنفاً هذه البراهين كلها تؤيد ما قاله الأستاذ علي الطنطاوي من أن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب ألا يعتقد خلافه كل مسلم ولست أرى دعوى تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني إلا مكيدة دبرها من يريد الطعن في الإسلام بطريق غير مباشر مثل كولدزهير وأمثاله، وتلقنها عنهم منا معشر المسلمين من لم يدرك مراميهم السيئة وأغراضهم العدائية، وجعل يقررها كأنها قضية مسلمة لا تصادم عقلاً ولا ديناً؛ وعجيب جداً أن تجد هذه الفكرة لها قبولاً في مصر.
وأن تطبع وزارة الأوقاف كتاباً في الفقه على المذاهب الأربعة يأتي في مقدمته تقرير هذه الفرية التي انتحلها كولد زهير وتأييدها؛ وعجيب أن يأتي الأستاذ الخولي مستسيغاً لها بل مبرهناً ومؤيداً مطبقاً ذلك على قاعدة تأثير الثقافة والبيئة وبعد، فلم يبق مساغ لدعوى التأثر في الفقه الإسلامي، ولا مجال للريب في بطلانها، وأنها ليست إلا خرافة وفرية تلقنها بعض المسلمين، وليست إلا أغنية من تلحين مستشرقي المبشرين. سنغافورة صالح بن علي الحامد العلوي

شارك الخبر

المرئيات-١