أرشيف المقالات

مصر وماء النيل وحوادث الحبشة

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
8 للأستاذ محمد عبد الله عنان تجري الآن على حدود لحبشة حودث خطيرة، ويكشف الاستعمار الايطالي عن نياته ومطامعه نحو الحبشة شيئاً فشيئاً؛ وقد احتلت الجنود الايطالية بالفعل بعض مواقع ومراكز حبشية على مقربة من حدود السومال الايطالي، وما زالت إيطاليا تحشد قواتها في تلك الانحاء، وترخق الحبشة بمطالبها ودعاويها؛ والحبشة من جانبها تلتمس تدخل عصبة الامم، وتشهدها على هذا الاعتداء، ولكن ماذا عسى أن تفعل عصبة جنيف إزاء خطة مبيتة مدبرة تترقب إيطاليا الفاشستية الفرصة لتنفيذها منذ أعوام؟ ولقد بينا في مقال سابق أدوار هذا النضال الذي يضطرم منذ أواخر القرن الماضي بين الحبشة والاستعمالا الغربي، وكيف أن ايطاليا استاعت في وقت من الاوقات أن تفرض حمايتها على الحبشة بعد أن احتلت مصوع والارتيرية، وكيف استطاعت الحبشة لأعوام قلائل أن تحطم هذا النير الذي حاولت إيطاليا أن تضعه في عنقها، وأن تسحق الجيوش الايطالية في موقعه (عدوه) الشهيرة (سنة 1896)، وأن ترغم إيطاليا وأوربا على احترم استقلالها.
وسوف تنظر عصبة الأمم في هذا النزاع بعد أيام قلائل، ولكنا نستطيع أن نتنبأ منذ الآن أن العصبة لن تستطيع شيئاً، وأنها كما فشلت في المسألة المنشورية ورد عدوان اليابان عن الصين، ستلقي مثل هذا الفشل في حل النزاع الايطالي الحبشس، وسيكون القول الفصل للقوة المادية، فاذا استطاعت إيطاليا أن تتوغل في الحبشة فسوف تمضي في تنفيذ خطتها المرسومة لغزو الحبشة واحتلالها كلها أو بعضها، ولن ينقذ الحبشة من هذا الخطر على حرياتها واستقلالها سوى الاعتماد على نفسها وما تستطيع أن تتذرع به من وسائل المقاومة والدفاع وقد كان حرياً ان تلقى هذه الحوادث صداها في مصر وأن تثير فيها أعظم اهتمام: فبين مصر والحبشة علائق تاريخية قديمة، والشعب الحبشس تابع من الوجهة الدينية للكنيسة القبطية المصرية، وبطريرك الحبشة او زعيمها الديني مصري بعينه البطريرك المصري؛ ومن جهة اخرى فان لمصر مصالح خطيرة في الحبشة تتعلق بمياه النيل ومنابعه؛ فالنيل لأزرق الذي يمد النيل بكميات عظيمة من الماء والطمى المخصب ينبع من بحيرة تبس الحبشية التي تقع مستعمرة ارتيرية الايطالية؛ ولايطاليا في هذه المنطقة مطامع اقتصادية كبيرة.
والحبشة لا تجهل أهمية تسانا ولا خطورة المصالح الخارجية المتعلقة بمائها؛ وقد بذلت انكلتر في العهد الاخير جهوداً عظيمة لتحصل من الحبشة على امتياز بماء هذه البحيرة حفظاً لمصالحها الاقتصادية في السودان، وخشية أن تنافسها في ذلك دولة أوربية أخرى فتهدد هذه المصالح؛ وكانت الحكومة الحبشية تميل إلى منح هذا الامتياز لشركة أمريكية كبيرة، وقدذهبت بالفعل شوطاً بعيداً في هذا السبيل، وقامت هذه الشركة ببعض الأعمال والاجراءات التمهيدية في منطقة البحيرة، ولكن الحبشة آثرت في النهاية أن تستبقي إشرافها وسيطرتها على البحيرة، ولم تكن جهود السياسة البريطانية بعيدة عن هذا القرار.
وتعمل الساسة البريطانية اليوم على أن تضطلع مصر بأعباء النفقات التي تقتضيها المشاريع الخاصة بمنطقة تسانا، وقد بذلت مصر فعلاً مبالغ طائلة في هذا السبيل. كان يجدربمصر إذن أن تتبع حوادث الحبشة بمنتهى الاهتمام، وأن تقدر جميع الاحتمالات التي تترتب على نجاح إيطاليا في غزو هذه المنطقة، إذا قدر لخطتها النجاح؛ ولكن مصر ترغم بكل أسف على أن تقف من هذه الحوادث موقف المتفرج الذي لايعنيه من الأمر شيء؛ والسياسة الانكليزية تأخذ بيدها كل الامر سواء باسمها أو بأسم مصر؛ والسياسة الانكليزية تحرص على مصالحها في السودان قبل كل شيء.
وقد كان التوازن الانكليزي الايطالي في تلك المنطقة يحول دون وقوع تطورات جديدة؛ ولكن الظاهر أن إيطاليا الفاشستة استطاعت أن تتفاهم مع السياسة البريطانية، وأن تقنعها بوجوب التسليم بمطامع إيطاليا وتفوق مصالحها في المنطقة الحبشية، وهي مطامع نوهت باحترامها المعاهدة الثلاثية التي عقدت في سنة 1906 بين إيطاليا وانكلترا وفرنسا؛ وإيطاليا تقوم الآن بتنفيذ خطة مقررة لا ترى فيها انكلترا أو فرنسا ما يدعو الى الاعتراض، بل لقد تقدمت السياسة البريطانية لمعاونة الاستعمار الايطالي على التوسع، فحملت على عقد معاهدة جغبوب، والنزول لايطاليا عن بعض اراضيها، وعادت هذا العام فنزلت لايطاليا باسم مصر عن جزء من واحة العوينات الواقعة في السودان الغربي مما يلي برقة، وها هي الآن تترك ايطاليا حرة في تدبير اعتدائها غبى الاراضي الحبشية، وقد أشرنا في مقال سابق الى أن اهم عامل في وقوف السياسية البريطانية هذا الموقف هو ظهور النفوذ الاقتصادي الياباني في تلك المنطقة، وهو نفوذ تجارية بكل ما وسعت واينما ان * * كان ماء النيل وما زال اعظم قنية تحرص عليها مصر؛ ومنذ فجر التاريخ تشعر مصر بح أن حياتها تتوقف على مياه هذا النهر الخالد، وبأن كل ما حبتها به الطبيعة من النعاء والخصب إنما هو من جريانه وفيضه، وكم نكبت مصر، وعانت أهوال القحط والوباء، وفقدت من أبنائها الملايين، لان النيل لم يسعفها بوافر فيضه.
ومصر تعمل منذ اقدم العصور للفوز بأكبر قسط من هذا الغيث المبارك، وتسعى بكل ما وسعت لضبطه واستثماره، وكثيراً ما سير الفراعنة الحملات الى أعالي النيل للوقوف على أسرار هذا النهر العظيم واستقصاء منابعه والسهر على سلامة مجراه.
وكان طبيعياً أن ترث دول مصر الاسلامية هذا الاهتمام بأمر النيل؛ واي دولة لم تقدر أن النيل هو حياة مصر؟ وكانت حكومات السلاطين تعني باستقصاء كل ما يتعلق بمجرى النيل واحوال جنوبي مصر والنوبة؛ وكانت تعرف ان الحبشة تسيطر على قسم هام من منابع النيل، وكانت الحبشة تقدر من جانبها اهمية هذا الاشراف الذي يتعلق بمصالح لمصر تعرف أنها حيوية جوهرية، وتتخذ هذا الأشراف في أحيان كثيرة وسيلة لنوع من الضغط السياسي تتذرع به لتحقيق بعض مصالحها ومطالبها المعلقة على إرادة مصر؛ ذلك أن مصر كانت تسيطر على بيت المقدس وبها الاماكن النصرانية المقدسة، وتسيطر على ارواح ملايين من النصارى، وبها مركز البطريركية المرقسية التي تتبعها الحبشة من الوجهة الدينية.
ففي عصور الاضطراب او الاضطهاد حيثما يصيب المصالح النصرانية او الرعايا النصارى شيء من الظلم او الغبن، كان ملوك الحبشة يسعون لدى سلاطين مصر لرفع هذا الاضطهاد، او لتحقيق بعض المنح كأن تعاد بعض الكنائس التي هدمت، او يطلق سراح المعتقلين، او غير ذل من المطالب؛ وكان ملوك الحبشة يجدون دائماً في التلميح إلى ماء النيل وإلى منابعه الواقعة تحت إشرافهم اداة قوية لتحيقي مطالبهم، وكذلك كانت سيطرتهم على أرواح كثير من الرعايا المسلمين في بعض الولايات الحبشية عاملاً آخر من عوامل الضغط، مثلما كانت سيطرة السلاطين على أرواح الرعايا النصارى وقد انتهت إلينا بعض وثائق قديمة هامة تلقي ضوءاً على اهمية هذا التجاذب السياسي بين مصر والحبشة، ومداره ماء النيل والتنويه بخطورته واحتمال حجزه عن مصر؛ ومن ذلك وثيقة طريفة وجهت من ملك الحبشة إلى سلطان مصر سنة 847هـ (1443م)، وكان نجاشي الحبشة يومئذ (زرع يعقوب) الملقب بقسطنطين، وسلطان مصر هو الظاهر جقمق الذي تولى الملك سنة 842هـ؛ ووصلت هذه السفارة الحبشية إلى بلاط مصر في 18 رجب سنة 847هـ، على يد وقد حبشي يحمل هدية فخمة الى السلطان منها عدة كبيرة من الجواري والى والاسلحة الذهبية؛ ورسالة طويلة من النجاشي الى السلطان، ينوه فيها بما بلغه من حزمه وعدله وحسن سيرته، وبما كان من تسامح أسلافه السلاطين نحو النصارى، ويعتب عليه فيما بلغه من اضطهاد النصارى في ظل حكمه، في حين أن المسلمين في الحبشة، وهم كتلة كبيرة، يلقون كثيراً من ضروب التسامح والرعاية؛ ويشير إلى سيطرة الحبشة على ماء النيل في هذه العبارة: (وليس يخفى عليكم ولا على سلطانكم أن بحر النيل ينجر إليكم من بلادنا، ولنا الاستطاعة على أن تمنع الزيادة التي تروي بلادم من المشي إليم لأن لنا بلاداً نفتح لها أماكن فوقانية ينصرف فيها إلى أمكامن أخر قبل أن يجيء إليكم، ولا يمنعنا عن ذلك إلا تقوى الله تعالى والمشقة على عباد الله) وقد لبثت علائق مصر الاسلامية والحبشة عصوراً تدور حول هاتين النقطتين الخطيرتين: المسألة الدينية أعني معاملة مصر لرعاياها النصارى، ومعاملة الحبشة لرعاياها المسلمين، ومسألة مياه النيل؛ وانت مصر تستعمل المسألة الاولى وسيلة للضمان والتوازن في المسألة الثانية؛ وكذلك مسألة إشرافها على اكنيسة القبطية ومن ثم على تعيين المطران الحبشي؛ ومنذ القرن السابع الهجري نجد سلسلة من السفارات والمراسلات المنظمة تتبادلها مصر والحبشة، ففي عصر الظاهر بيبرس وردت مكاتبات ودية من الحبشة إلى سلطان مصر تنويهاً بحسن العلائق بينهما؛ ووردت على مصر سفراة حبشية في عصر الظاهر برقوق من الملك داود نجاشي الحبشة وهو والد قسطنطين السابق ذكره؛ وأرسل الملك الظاهر جقمق سفارة إلى الحبشة رداً على السفارة المتقدمة ولكن النجاشي استقبل رسل السلطان أسوأ استقبال، لان السلطان رد عليه رداً لم يرقه، ولم يعد بتحقيق مطالبه * * ولم تغفل مصر في العصر الحديث هذه الحقيقة الخلدة، وهي أن حياتها من النيل واليه، ومستقبلها الاقتصادي متوقف على حسن استثنارها لمائه؛ وكانت تلك الخرافات القديمة التي تحيط بمنابع النيل العليا قد اخذت تغيض شيئاً فشيئاً، وتبدو اهمية الاحاطة بهذه المناطق وإشراف مصر عليها؛ وكانت عندئذ فتوحات مصر في السودان منذ أوائل القرن الماضي، ثم فتوحاتها في بعض المناطق الحبشية، واستيلاؤها على كثير من هذه الانحاء، ووصول الحملات المصرية إلى اعالي النيل الأبيض ومناطق المطيرة وبحر الغزل، ووقوفها على كثير من أسرار النهر العظيم وطريقة جريانه ووصولها إلى منطقة تسانا في الحبشة، وسيطرتها على مجرى النيل الازرق كله.
ثم كانت البعوث الاكتشافية التي اخذت مصر بقسط وافر في إعدادها وتنظيمها لاتشاف منابع النيل، والاحاطة التامة بظروفها الجغرافية، فكانت بعوث أمين باشا (ادوارد شنتزر)، والسير سمويل بيكر، والكبتن سبيك وغيرهم في اواخر القرن الماضي؛ واكتشفت منابع النيل الاصلية في قلب افريقية، ورفع القناع الاخير عن الاساطير التي احاطت بها، وعرفت مصر من أين ياتيها كيف يسير اليها الغيث المبارك ومنذ اوائل هذا القرن تعنى الحكومة المصرية أكبر العناية بأنشاء المشاريع الهندسية الكبرى سواء في مصر او السودن، لضمان انتفاع مصر بأكبر قسط من مياه النسل، وقد انفقت مصر الى اليو في هذا السبيل عشرات الملايين؛ وان آخر هذه المشاريع مشروعا تعلية خزان أسوان، وإنشاء خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض.
وما زالت ثمت مشاريع اخرى في اعالي النيل الابيض، وفي منطقة بحيرة تسانا يراد أن تحمل مصر على القيام بها * * ولا ريب أن السياسة البريطانية تعمل من جانبها على أن ينتفع السوادن بأكبر قسط من مياه النيل، وأن تجني بريطانيا من وراء ذلك أعظم الثمار الاقتصادية، والسياسة البريطانية ما زالت تحمل مصر على غنفاق الملايين في مشاريع النيل السودانية باسم المصالح المصرية؛ وقد استطاعت بريطانيا العظمى ان تستأثر في العهد الاخير بالسيطرة على السودان، وأن تقضي فيه على كل نفوذ فعلي لمصر، والسياسة البريطانية تعترف بحقوق مصر في مياه النيل، ولكنها لا تتأخر عن الضغط على مصر ن هذه الناحية إذا اقتضت مصالحها ذلك، وقد لجأت فعلاً إلى هذا الضغط في أواخر سنة 1924 لمناسبة مقتل السردار، فانذرت مصر في بلاغها النهائي بأن حكومة السودان سترفع كل قيد وتحديد عن ري اراضي الجزيرة، او بعبارة اخرى ستطلق فيها من المياه ما شاءت دون النظر إلى حقوق مصر وحاجاتها على انه يحسن فيما يتعلق بمسألة تسانا والحبشة ان تفاهم الحكومتان المصرية والبريطانية على الوسائل التي تؤدي الى صون مصالحهما المشتركة في مياه هذه المنطقة، إذا أسفر الصراع الحالي بين إيطاليا والحبشة عن تسرب النفوذ الايطالي الى تلك المنطقة. ومن واجب الحكومة المصرية أن تتبع ادوار هذا الصراع بمنتهى الاهتمام؛ واما الشعب المصري فلا ريب انه يتتبعه بمنتهى العطق على امة صديقة تربطها بمصر علائق قديمة، وامة باسلة تعمل للذود عن حرياتها إزاء عدوان الاستعمار الغربي محمد عبد الله عنان المحامي

شارك الخبر

المرئيات-١