أرشيف المقالات

مائدة المسيح ومجاعة الشيطان

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
8 للأستاذ منصور جاب الله في ساعة العسرة، وبين تخون الظروف وطغيان الأحداث، يلتمع في آفاق الدنيا شهاب ثاقب إذ تلف العالمين ذكرى ميلاد عيسى بن مريم، يوم أهل المسيح على الأرض فأشرقت بنور ربها وحفتها الملائكة الأبرار. وسرت البشرى بمولد المسيح من أرض الميعاد إلى سائر الأمصار، فشملت الفرحة الخلائق كلها.
وانبثقت رسالة المسيح من أرض السلام تدعو للسلام. حتى إذا عصفت بسلامة الدنيا أمة من النوب والهزاهز والإحن، بقيت أفئدة من الناس تهوى إلى بيت لحم، منبت المسيح ومهاده، فهناك القداسة، وهناك الطهارة، وهناك الوئام. وفي عشية عيد الميلاد يستضيف المسيح الطاهر على مائدته القدسية أولئك الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، فهاموا في البرية جياعاً طاوين (عارين من حلل كاسين من درن) كما قال المتنبي قبل ألف عام، تتلقفهم البلدان وتترامى بهم الفيافي وتتقاذفهم السبل، يستضيف المسيح هؤلاء اللاجئين الأحرار، ومعهم أرواح الشهداء الأطهار، فأقرب ما يكون المرء إلى ذكر الكرم وقرى الضيفان حين يكون جائعاً عارياً، شريداً في الفيافي والبراري، يعضه الفقر وتمزقه الأوصاب. (إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين.
قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين)
فلم يطلبوها جحودا ولا كنوداً، وإنما أرادوها سكناً لقلوبهم واطمئناناً لعقائدهم. وإذ جأر المسيح عليه السلام بالدعاء (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك) نزلت سفرة حمراء بين غمامتين والناس قيام ينظرون حتى استوت بين أيديهم بكى المسيح وهو يقول (اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها مثلة ولا عقوبة) ثم رفع عنها الغطاء فإذا سمكة مشوية، لا حسك فيها ولا قشر عليها ولا فلوس، تسيل دسماً ودهناً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، ومن حولها صنوف من البقل والخضر جميعاً، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. وإذا بصر الناس بهذه المعجزة القدسية فوق ما رأوا من المعجزات الكبار، تعاظمهم الأمر وأخذ منهم البهر مأخذه.
وقال واحد من حواريي السيد المسيح: يا روح الله.
لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى.
فقال: يا سمكة احيي بإذن الله! فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية. ثم طارت المائدة إلى السماء والناس ينظرون في ظلها، وقيل كانت تأتيهم أربعين يوماً غبا، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء، والصغار والكبار يأكلون.
حتى إذا فاء الفيء ارتفعت، ولم يأكل منها فقير إلا غنى مدة عمره، ولا مريض إلا بريء ولم يمرض أبداً. أما بعد، فذلك حديث المائدة المقدسة، كما رواه المحدثون الثقات، أشبعت الناس من جوع، وأسبغت الطمأنينة على نفوسهم، وأسبلت السكينة على قلوبهم. لقد نزلت المائدة المقدسة على أهل فلسطين، فأشاعت بينهم الأمن والسكينة، بعد إذ طعموا منها وشبعوا.
فما بال أولئك الذين أجاعوهم ونكلوا بهم وشردوهم في آفاق الأرض، ونشروا بينهم المجاعة والمسغبة؟ إن حديث هؤلاء الجياع الطاوين ليحز في كل قلب، ويغمز على كل كبد، ويستدر من الأعين الدمع الهتون. إنها مجاعة الشيطان التي استبدلها بمائدة المسيح، وكذلك نشر على ضفة الأردن الجوع والعري. فيم يساعد أولئك الذين يقولون إنهم ورثة المسيحية الأولى، هؤلاء الغزاة الأفاقين الذين دنسوا مهد المسيح وداسوا الحرمات وانتهكوا الشعائر والأقداس؟ ألأنهم راحوا من بعد يحاكونهم بهذا المنكر الذي ارتكبوه على ضفتي القناة! ثم لأنهم جاروهم بارتكاب الموبقات وقتل الرجال والنساء والولدان؟ إلا إن المسيح الطاهر ليبرأ في أقداسه العليا من أولئك الذين يحملون اسمه ثم يعاضدون سلالة أعدائه على غزو الأرض التي فيها درج وإليها بعث.
وإن من هؤلاء العرب المعذبين في أرض بها مهد المسيح، وإن هؤلاء المصريين المعذبين في أرض هاجر إليها المسيح، إذا خاب أملهم في العدل الإنساني على الأرض لتتلع أعناقهم إلى السماء، يرقبون عدل السماء، كما تنزلت المائدة من السماء. إلا فليقل أولئك الطغاة الذين كلما خبت جذوة الحرب أعادوها جذعة وزادوها ضراماً، ألا فليقولوا ما جريرة هؤلاء البكاة في ليلة عيدهم والخطب جسام والنفس هالعة والعهد القريب؟ لقد ذاقوا أفاويق مترعة من برد السلام حين حدثوهم عنه أياماً، ثم كووهم بحر حرب تذيب المهج والجلود.
وإنهم حين تموج بالعبرات عيونهم، وحين تصدأ من الهموم قلوبهم، وحين تثخن بالجراح جسومهم، إنما يستشرفون لانبلاج صبح جديد ليس فيه عول ولا نحيب. منصور جاب الله

شارك الخبر

المرئيات-١