أرشيف المقالات

في الأدب الشرقي

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 نظرات في الأدب الفارسي منذ نشأته إلى إغارة التتار للدكتور عبد الوهاب عزام - 2 - يروي عن الرودكي أنه نظم شعراً كثيراً جداً يقدره بعضهم بألف ألف بيت.
وأنه نظم كليلة ودمنة، ولكن ليس عندنا من شعر الرودكي كله الا قطع منها نحو242 رباعية، ومن الحكايات المأثورة المشهورة عن هذا الشاعر ما ذكره نظامي العروض، أن الأمير نصر بن أحمد خرج بجيشه إلى هراة فأعجب بهوائها وثمارها، وبقى يتردد في أرجائها أربع سنين حتى ضاق العسكر ذرعاً، ولم يستطيعوا صبراً عن أوطانهم وأولادهم، فذهبوا إلى الرودكي وجعلوا له خمسة آلاف دينار على أن ينظم شعراً يشوق الأمير إلى بخارى.
فنظم قصيدة وجاء الأمير وهو يصطبح، فغناها على المزهر فما أتم الأبيات حتى نهض الأمير مسرعا إلى فرسه لا يصبر حتى يلبس حذاءه، وتوجه إلى بخارىلا يلوي على شيء، فلم يدركه الناس الا بعد فرسخين، وهناك قدم له الحذاء فلبسه. وأول هذه الأبيات: بعرى جرى موليان آيد همي ...
بعرى يا لهربان آيد همي (ما يزال يهب علينا نسيم نهر جيحون ...
وما نزال ننشق على بعد روح الأحباء)
ثم يؤثر على الرودكي شعر من نوع الدوبيت أو الرباعي.
وهو ضرب فارسي.
فهذا أول شعراء الفرس ينظم على أساليب العرب وعلى أسلوب آخر، وهذا ينبئ بما سيكون عليه الشعر الفارسي الحديث من الجمع بين الصبغتين العربية والفارسية. ثم نجد هذا الشاعر يسبق إلى نظم القصص، إذ نظم كليلة ودمنة، وهذه ميزة أخرى من مزايا الشعر الفارسي كلف بها الشعراء من بعد. توالى الشعراء من بعد الرودكي وارتقى الشعر على الزمن حتى بلغ غايته. شجع السامانيون الآداب الفارسية، ولمنصور بن نوح منهم شعر فارسي، فنبغ في أيامهم شعراء يقاربون الثلاثين، ثم شرعوا يؤلفون ويترجمون الكتب من العربية إلى الفارسية، فترجم تاريخ الطبري وتفسيره (وألف لهم بالفارسية كتاب أبي منصور والهروي في الطب) ومنه نسخة مخطوطة في فينا، وهي أقدم مخطوط فارسي (سنة 447 هـ) وألف لهم كذلك كتاب في التفسير.
فهذه الكتب الأربعة أقدم نثر فارسي بأيدينا. وأما بنو بويه فليس لهم أثر في الأدب الفارسي، وأكثر أمرائهم كانوا شعراء في العربية.
ووزيراهم ابن العميد، والصاحب من حملة لواء الأدب العربي لا الفارسي، وحسبنا أن الصاحب لم يقصده به الا شاعران فارسيان هما المنطقي والخسروي، على كثرة شعراء العربية الذين مدحوه. وكان الزياريون في طبرستان من حماة العلوم والآداب، ولكن شيخهم قابوس كان أميل إلى العربية، وقد مدحه الخسروي السرخسي من شعراء الفرس، كما اتصل بابنه منوجهر الشاعر الفارسي الذي سمى نفسه منوجهري تبعاً لسيدة.
وقد ألف كيكادس حفيد قابوس كتابه قابوس نامه بالفارسية لتربية ابنه. وكان من المتصلين بقابوس أبو علي بن سينا، وله شعر بالفارسية، وقد ألف كتابه دانش نامه علائي بعد موت قابوس، فأهداه إلى علاء الدولة أبي جعفر كاكوية في اصفهان وسماه باسمه. وكان محمود بن سبكتكين في غزنة مقصد كبار الأدباء والعلماء، وأثر عنه وعن ابنه محمد شعر فارسي.
فمن شعرائه: العنصري والأسدي، والعسجدي، والفردوسي الذي قدم له الشاهنامه، فلم يعطه محمود ماأراد فغاضبه وهجاه، وقد ألف شرف الملك من شعراء محمود كتابا في الديوان بالفارسية سماه كتاب الأصطفا.
ويقال إن اليميني من شعراء محمود أيضاً كتب تاريخ محمود بالفارسية، وكتب البيروني كتاب التفهم في النجوم بالفارسية والعربية. وفي عصر السلاجقة، ذلك العصر المديد نبغ شعراء كثيرون جداً عد منهم عدني أكثر من مائة - وأعظمهم الأنوري والخاقاني نظامي الكنجري، والأزرقي، وظهير الغارياني، وناصر خسرو والخيام، وبابا طاهر، والفصيحي، ومسعود سعد، والأديب صابر، والمعزي، وعمق البخاري، وسوزني، ونظامي العروض؛ ومن الصوفية: أبو سعد بن أبي الخير، والأنصاري، ثم مجد الدين سنائي، وفي نهاية هذا العصر فريد الدين العطار. ولا ريب أن هذا العصر أزهى عصور الشعر الفارسي. ومن المؤلفين والكتاب في هذا العصر نظام الملك الوزير مؤلف سياستنامه، والغزالي والسجزي الفرخي مؤلف ترجمان البلاغة في الشعر والصناعات البديعية، والرشيدي السمرقندي مؤلف زينت نامه في علم الشعر، ورشيد الدين وطواط مؤلف الكتاب الذائع الصيت: حدائق السحر في دقائق الشعر، والبهرامي مؤلف غاية العروضيين وكنز القافية، والأسدي مؤلف لغة الفرس، وشاهمر دامه بن أبي الخير مؤلف الموسوعة (نزهة نامه لملاني) ألفها لعلاء الدولة، وخاص بك أمير طبرستان آخر القرن الخامس، والباخرزي مؤلف دمية القصر، ومؤلف طرب نامه وهي رباعيات فارسية، وأبو المعالي محمد بن عبيد الله مؤلف كتاب بيان الأديان في آخر القرن الخامس.
ومن مؤلفي الصوفية الهجويري صاحب كشف المحجوب وهو من أقدم الكتب الصوفية، ألف في القرن الخامس. ومن المترجمين من العربية إلى الفارسية.
الجرباذقاني، ترجم تاريخ العتبي للفارسية، وجمال القرشي مترجم الصحاح، وفراهي الذي نظم قاموساً عربياً فارسياً يقرأ في مدارس إيران حتى اليوم، والزوزني الذي كتب معجما عربيا فارسيا سماه ترجمان القرآن، ونصر بن عبد الحميد مترجم كليلة ودمنة. وفي العصر القصير الذي بين السلاجقة والمغول نجد من الشعراء العطار وجلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي وغيرهم.
ونجد من المؤلفين ابن اسفنديار مؤلف تاريخ طبرستان، وفخر الدين الرازي مؤلف الاختيارات العلائية، ونصير الدين الطوسي، وشمس قيس مؤلف المعجم، ومحمد عوفي مؤلف لباب الألباب. هذه نظرة عامة غير شاملة ولا بالغة.
ترينا كيف بدأ الأدب الفارسي شعرا ونثرا، وكيف توإلى مع الدول المختلفة.
ويكفي هنا أن يقال إن لباب الألباب يحتوي على 27 ملكاً نظموا بالفارسية و43 وزيراً، و69 عالماً، ويذكر من الشعراء تسعة وثلاثين ومائة. ولأجل أن ندل على حظ الأقطار المختلفة من هذا العدد نقول: ان خراسان وهي مهد الأدب الفارسي الحديث ينالها 31 من العلماء الذين نظموا بالفارسية و55 من الشعراء.
وما وراء النهر 13 من العلماء، و22 شاعراً.
والعراق 16 من العلماء و16 من الشعراء.
وغزنة وما يليها 22 شاعراً.
فخراسان أوفرها حظاً. بعد هذا يحق لنا أن نسأل ما مميزات هذا الأدب الفارسي الإسلامي في الشعر والنثر؟ فأما الشعر فيشارك الشعر العربي في موضوعه من الهجاء والمدح والغزل والفخر والوصف (في ميل إلى المبالغة) ويمتاز بأشياء: (1) ذكر ملوك الفرس القدماء وأبطالهم مثل فريدون ورستم، وزال، وكأس جمشيد، وقد سرى هذا إلى الشعر العربي الذي نظم في بلاد الفرس كشعر بديع الزمان وأمثاله. (2) يمتاز الشعر الفارسي بميزتين عظيمتين: الشعر القصصي والشعر الصوفي. فأما الشعر القصصي فقد أولع الفرس به في كل عصر، وقد رأينا أن أبان بن عبد الحميد نظم كتاب كليلة ودمنة بالعربية، وأن الرودكي أول شعراء الفرس الكبار نظم هذا أيضاً، ومن الأدلة على ولع الفرس بالقصص قصة يوسف وزليخا، فهذه القصة مأخوذة من القرآن، ولكن شعراء العرب لم يهتموا بها، وأما الفرس فقد نظموها مراراً، نظمها من كبارهم الفردوسي وجامي.
ونظمها آخرون.
ورواية وامق وعذراء التي قيل أنها قدمت لعبد الله بن طاهر فأمر بطرحها في الماء؛ نظمها العنصري شاعر محمود الغزنوي، ثم الفصيحي في رعاية كيكادس الزياري ونظمها أربعة شعراء آخرون. وحسبنا شاهنامه الفردوسي التي حاكاها شعراء كثيرون فألفوا شاهنمات لم تنل ما نالته من القبول والصيت؛ ومن القصص المنظومة رواية خسرو وكل، وبلبل نامه لفريد الدين العطار، وسلامان وايسال لمولانا جامي وغيرها مما لا يتسع المقال لتعديدها. وأما الشعر الصوفي فقد بدأه أبو سعيد بن أبي الخير من بلدة مهنا في خراسان، وأبو عبد الله الأنصاري من هراة.
نظما فيه قطعاً ورباعيات، ولكن لم يكثر فيه التأليف الا بعد مدة طويلة، إذ نبغ طليعة فرسانه سنا، الغزنوي، ثم قفاه العطار ثم تلاه إمام الصوفية مولانا جلال الدين الرومي صاحب المثنوي الذي يسمى القرآن في اللغة الفارسية، ويقال لمؤلفه لم يكن نبيا ولكن أوتي كتاباً. ومن بعد غارات التتار نبغ لسان الغيب شمس الدين حافظ الشيرازي والشيخ عبد الرحمن الجامي الذي يعد آخر شعراء الفرس العظام. والحق أن اللغة الفارسية تبذ سائر لغات العالم بهذا النوع من الشعر النفسي الإنساني الفلسفي الذي يرتفع عن جدال المذاهب وعصبيات الأجناس، وينفذ إلى بواطن الأشياء فيرى الوحدة الإلهية المتجلية في مظاهرها العديدة.

شارك الخبر

المرئيات-١