أرشيف المقالات

سليمان العبسي في ديوانه (مع الفجر)

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 للأستاذ أحمد فخري هذا البلبل الصداح في جنائن الهوى يشدو تارة ويشكو طورا، ولكنه في كلتا الحالين لا يستطيع إلا أن (يغني) ألحان الحياة، وما الحياة أن لم تكن نشوة حب، وخفقة قلب، أو لوعة تبعثها اللهفة إلى تلك النشوة، والحنين إلى ذلك الخفقان؟ أنا أهوى الألحان نبض حياة ودموعاً.

طروبة العبرات.
. وجراحاً.

تلف بالبسمات لا نواحا ميتا.

على أموات لا عيوناً تسيل فوق الرفات أنا أهوى على رنينك عودي أن أحس اختلاجه الجلمود ولو شئت أن أطوف بك في رياض هذا الهوى - رغم صغر حجم الديوان - لطال بنا المطاف ولتحيرت والله أين أقف بك، ولكن حسبنا هذه البقة ففيها من الشذى والحسن ما يدلك على نضارة رفيقاتها وجمالهن.
ولقد رأيت معي كيف نسقها صاحبها وكيف رسم فيها من (الحضري) العف صورة لأنبل العواطف وأرقها وأعنفها وأوسعها حتى لكأن الكون كله محب وحبيب.
وهذه سمة الشاعر العبقري الذي يتصل في وجدانه بأرحب ما في العالم ويحلق بخياله إلى أعلى ما في السماوات، ينهل من معين جمالها ويرشف من خمر ثنائها ويبادلها حبا بحب، فيسكب عليها من فؤاده من ينطق الجامد منها حتى لكأن هذا الوجود كله قلب ينبض وكبد تهفو وعاطفة تتأرجح، وهو يجيد تصوير الطبيعة ولكن لا بالألفاظ الجوفاء والصور الجامدة وإنما هي في ريشته إنسان يحس ويحب، ويسعد ويتألم.
.
وستخلد الطبيعة وستخلد معها صورها الرائعة هذه.
. أنشد معي هذه الأبيات: الصخرة الغرقى بأحلامها ...
تحس مثلي وحدة قاتلة هذي خطانا لم يزل وقعها ...
وشوشة في سمعها ماثلة تسألني الصخرة يا طفلتي ...
عنك وترتد معي ذاهلة ألم نكن نرسو على شطها ...
طفلين مثل النغم الشارد في قبلة حالمة إن أضع ...
وإن تضيعي فعلي ساعدي تبارك الحب فكم أرعشت ...
يمناه.
.
قلب الحجر الجامد.
. واسمعه يرثي العندليب ويشكو مع الروض فقدانه.
. الوردة الحمراء.

يا طائري ...
تشكو إلى الأنسام أشواقها عاشت على ترجيعك الساحر ...
قد فتحت للنور إحداقها تلك شظايا قلبك الشاعر ...
تخضب بالحمرة أوراقها على دم المبدع والثائر ...
تركز أورد الربى ساقها سلها أتحلو رقصة أو يطيب ...
بعدك لحن للهوى والنسيب؟ ستهمس الوردة: أين الحبيب ...
ويهتف الغصن وما من مجيب.
. ما ضر لو غنيت حتى المغيب ...
يا شاعر الأطيار يا عندليب؟ كنت إذا ما الفجر لف الظلام ...
بالشفق الوردي.
.
فوق الربى رقرقت في سمع الزهور النيام ...
من اللحون.
.
المعجب المطربا فاستيقظ الوجد، وأج الغرام ...
في كل قلب نابض بالصبا أين الأغاريد وأين الهيام ...
إني أرى روض الهوى مجدبا أعد إلى هذا الوجود الكئيب ...
بنغمة، برد الشباب القشيب ما حطمت لغز الوجود الرهيب ...
إلا يد الفنان، يا عندليب ما ضر لو غنيت حتى المغيب؟ هذا هو حب سليمان، وهذا هو غزله.
نفس مرهفة الشعور، وعواطف كريمة يصوغها بأرق أسلوب وأمتنه، وذلك من الصعوبة بمكان! إذ لا تكاد تتيسر هذه السلاسة وهذه العذوبة في هذه القوة ألا لقليل من كبار الشعراء.

. وأما المعاني والصور الفنيةوالتجارب النفسية فما أخالك إلا معي في الإعجاب بهذا الخيال الخلاق الذي صورها فاحسن تصويرها.
ولكأنه والله حين يستعمل الكلمة يخلق لها معنى جديدا أخاذا، يزيده روعة هذا الجرس الموسيقي الساحر، هو بحق من أكثر الأدباء سيطرة على اللغة وقدرة على التلاعب بالألفاظ، حتى لكان اللغة - كما يعبرون - قد أسلمته قيادها فلحنها أنغاما طروبة افتن ما تكون في (موشحاته) المرقصة التي انفرد بها وحقق للأندلسيين ما كانوا يرنون إليه.

ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد ففي ما عرضنا الكفاية.
ولنختم حديثنا عن هذا (الغرض) بهاتين الصورتين القريبتين البعيدتين لتدرك كيف تمر الحقائق الجانحة بخيال الشاعر فيخرجها حية ناضرة مفعمة بالحرارة، مترعة بالظرافة الخفيفة الفطرية التي لم تستطع تلكم العواطف الصاخبة رغم تأججها، أن تخفي حلاوتها ومرحها: - أين حقل مائج الزهر ظروب ...
نتخطاه وقد مال الغروب؟ ونسيم الريف مغناج لعوب ...
يلمس الغيمات لمساً فتذوب! طفرت بين الشجيرات القلوب انبرت تملي على الزهر كتابا ...
من سرور.
.
وهو يفتر جوابا حسناء.
.
إن تبعدي عني فما غربا ...
صوت طروب، وثغر باسم، وصبا وخفة من فؤادي.
.
خلتها لعبا ...
حتى إذا أفهمتني أختها السببا أيقنت أن الذي غالبته غلبا! وأما المضمار الواسع الثاني، والذي استأثر بأكثر اهتمام شاعرنا الفتى فهو مضمار البطولة، مضمار الوطنية المشبوبة صبى صغير، يرتع ويلعب على ساحل الأبيض المتوسط، تدغدغه الأمواج، وتداعبه النسمات، ثم لا يلبث فجأة أن يجد الغاصب المتعسف ينهب وطنه، ويستأثر بملاعب صباه، ويشرد أهله ويسلبهم أملاكهم.
.
ويتشرد هذا الصبي مع المتشردين.
.
ويترك وطنه مع اللاجئين.
.
وفي فؤاده نار.
.
وفي عينيه دمعة أبت عليها حرارة الزفير أن تسيل.
.
هذا الصبي الملتاع يشب وتشب معه مآسي وطنه فهو أينما تلفت فعلى لواء مسلوب أو وطن موطوء، وهو أين ألقى بطرفه - فعلى نصل تغذيه (صلة) رقطاء ليت شعري بعد هذا كيف تخبو هذه الشعلة في فؤاده وكيف يلطف هذا السعير في عروقه؟ لقد صهرته النكبات أذابته النوائب، وصاغته الأعاصير نشيدا عاصفا ولحنا ملتهبا، ويهتف بالضاد ليله ونهاره، ولا يعرف مللا.
.
ولا يكاد يشغله عن مآسيه فيه مؤاس حتى ولو كان حبيبه ومالك قلبه هذا هواي.
ولن أفنى به شغفا ...
مهما استبد ومهما في دمي عصفا قد كان حسبي.
.
لولا أن لي هدفا ...
عاهدت يوما عليه النبل والشرفا حسناء.
.
قد سارت الدنيا وقد وقفا.
. شعبي تمزقه (أطماعهم) شعبا.
..
فهل تلومين ذا روح إذا غضبا؟ فما هو ألا زفرة موتور يريد الانتقام والآثار، وهو لو حبسها لأصلته سعيرا: - ما أردت القريض، إن هي إلا ...
عاصفات جنت على قيثاري ثورة.
.
لو حبست عودي عنها ...
حطمت أضلعي مع الأوتار.
. وأين لليأس في هذا القلب الثائر مكان؟ وهو كلما اشتدت به الزعازع فحسبه أن يلقي نظرة على الماضي وأن ينصت إلى دمه النقي ليتفجر بركانا يكتسح اليأس ويضيء أملا.
. لفتة يا خيال.
.
نستلهم الماضي ...
ونسكر على صدى التذكار لفتة نشهد (الجزيرة) نشوى ...
من سلاف الرسالة المعطار أنفضي الموت.
.
أنت أخصب من أن ...
تقفري من مواكب الأحرار.
وافتحي للصباح جفنك يا صخراء.
..
هذي زماجر (الثوار).
سيعود الوجود يوما إلى الرشد ...
على صوت لجك الهدار.
وسيظل يهزج حتى تتحرك الصحراء وينتفض الرمل: - وأهزج يا صحراء حتى تحركي ...
وحتى تهز الليل أنشودتي البكر كفى ألماً أن تحمل القيد أمة ...
ولا يشتكي سوط العذاب بهاجر قوافل تمضي من مهازيل أمتي ...
يسيرها ناب، ويحدو بها ظفر.
. يمر بنا التاريخ غضبان ساخرا! ...
ويمضي بنوه خاطفين، وننجر قوافل من بيض العبيد كأنما ...
على روحهم قفل، وفي سمعهم وقر إذا أنت ناشدت المروءة فيهمو ...
تملكهم من طيفك الرعب والذعر سأهزج يا صحراء ولتمض صيحتي ...
إلى كل رمس بات يرقبه الحشر.
أيغمض كف الموت جفني وليس في ...
بلادي شبر لم نحرره أو متر؟ وأي لوعة مشبوبة في هذا البيت الأخير؟ ولكنها ما إن تشتكي حتى يهدهدها الأمل ويطمئنها الشباب: شباب يغذيهم هوى، وعقيدة ...
ويجمعهم هم، ويخفرهم ثأر لنا المجد، إن نرقد عيون حماته ...
فمن دم أحفاد الحماة له مهر إذا لم نعش للرائعات من العلى ...
فلا خط في سفر الحياة لنا سطر أرى وطن الأحرار قد طال ليله.
..
غدا يشرق الصبحان: ألبعث والفجر البقية في العدد القادم أحمد الفخري

شارك الخبر

المرئيات-١