أرشيف المقالات

يوم 26يوليو

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 بمناسبة مرور شهر عليه للآنسة نعمات أحمد فؤاد ودنت ساعة الخلاص وكانت مصر بشعورها ولكن قلبها كان يهتز.
كان يخفق فرحا بقرب إعلان مولد الفجر الجديد، وكان يضطرب إشفاقا خشية أن يكون أسرف في التفاؤل والأحلام.
.
وعاشت مصر أربعة أيام تترقب وتتكهن القدر وتتطلع إلى السماء، تدعوها في صوت مختلج أن تسند وقفتها في وجه الظلم فلا ترتكس، وأن تبارك هبتها في وجه الطغيان فلا اليوم الرابع أطول يوم لأن مصر عاشته لحظة لحظة، وكان أقصر يوم لأن مصر من هول ما عانت قبله، وعظم ما نالت فيه، بدا لها كالحلم السعيد الموشى، قصير الأمد بعيد التصديق. لقد صبرت حتى شقي صبرها، واحتملت حتى ضاق ذرعها، وكابدت حتى وهى جلدها، وتجلدت حتى رماها الجاهلون ووصفوها بالجمود الذليل، ولكنها كانت تعرف أين تضرب ضربتها ومتى، كانت تدبر لها بحكمة السنين، ثم نفذتها بعزم الفراعين الجبابرة، ومضت إلى غايتها في استبسال المستميت.
ثم استمدت ربها العون فأجاب، وفوقت سهمها فأصاب، واستلهمت تاريخها فتبدد من جوها اليأس، وأشرق في أفقها الأمل، وجاشت في صدرها العزة، وسرى في كيانها الشعور بالقوة والكرامة. في 23 يوليه سنة 1952 قالت مصر (لا) مدوية كالرعد، نافذة كحكم القدر.
وفي 26 يوليه سنة 1952 أصدرت مصر أمرها فطأطأ الطغيان رأسه، وأعلنت مصر كلمتها فخفض الاستبداد صوته، وفي 26 يوليه سنة 1952 فتحت مصر بابها فخرج الظلم إلى غير رجعة.
ودهش العالم، وابتسم القدر، وسجل التاريخ، وهتفت الوطنية. في 26 يوليه سنة 1952 خرج الظلم وانكمش أعوانه متضائلين بعد أن عاثوا الفساد وأشاعوا الفوضى، وأرهقوا بالبؤس، وحرمونا من الخير، وأذلونا بالاضطهاد، وقتلوا بالعنت والكبت، واعتصروا دمائنا ليريقوها في كؤوسهم خمرا، وما حسبوا أن الله لهم بالمرصاد وأن وراء الخمر أمرا. في 26 يوليه سنة 1952 طردت مصر الظلم واكتفت بهذا فلم تنكل به كما نكل بفلذات أكبادها، لم تودع في صدرها الأثيم الرصاص الذي أودعه صدور بنيها في فلسطين ليزداد ثراءهم لقد قبض ثمن أرواحهم حين أبتاع لهم الأسلحة الفاسدة ليضاعف خزائنه.
.
كانت مصر جبارة في غضبتها، ولكنها كانت كريمة في عفوها مع القدرة، النبيلة في صفحها مع غصة المرارة من الدم المسفوح.

إن وطني صانع المعجزات، أن التاريخ القديم والحديث ليس فيه صفحة واحدة لشعب عفا عن طاغية استبد به واستهتر بكل القيم كما عفا شعب مصر. لقد بكى قلبي مع الكثيرين من قومي عندما أعلن البشير خلاص مصر من ربقة البغي والطغيان، ولكن دموعنا هذه المرة طفرت من الفرح بالنصر المبين، وطالما سكبناها في مصارع ضحايانا فما تحدرت من مآقينا حتى اختلطت في بحر الدموع والعرى بلوعات الثكالى وزفرات اليتامى، وأنين المجهودين والحيارى ومن تقطعت أنفاسهم في منتصف الطريق. اشتدي أزمة تنفرجي نعم لولا تفاقم الخطب لما نفذ الصبر، ولولا اشتداد الكرب لما انفجر الصدر، ولولا توالي لذعات الألم لما فاضت الكأس. لقد أكرهنا على أن نقدم ما نزرع ليتخموا ونجوع واغتصبوا الضرائب التي ندفعها باسم مخصصات ومرتبات يكدسونها أكواما من النضار عاما بعد عام دون أن تنقص لأنهم مكلفون مع هذا أن تتحمل تكاليف طعامهم ولباسهم ومركباتهم ونزهاتهم وأسفارهم وولائمهم وزينات أفراحهم، حتى إذا ضاقوا ذرعا بالمال كما نضيق ذرعا بالعدم بعثروه في سفاهة على الموائد الخضراء وفي الليالي الحمراء، حتى إذا طلع النهار اتخذوا سمات الصالحين فغشوا المساجد، وأداروا حبات المسبحة.
وبلغت السخرية مداها حين زعموا.

زعموا اتصال نسبهم بنبي المسلمين! ويرى الشعب هذا ويسمع به وينتظر ويتحرق ولكن البغاة الذين أغراهم صبره وغرهم حلمه، أضافوا إلى صفحاتهم السود صحائف من الغيلة وانتهاك الأعراض والعبث بدستور البلاد وقوانينها.
فخرج الاحتمال عن طاقة الإباء، وكبر الجرم حتى ضج به الحلم، وطاح معه الصبر فكان الانفجار. لقد نسينا ما فدحنا به إسماعيل من ديون، وما نكبنا به توفيق من ويلات الاستعمار، واستقبلنا منذ ستة عشر عاما الطاغية الطريد كما يستقبل الميامين الأبطال، وأملنا فيه خيرا وأحببناه حبا دنا من العبادة وحففناه بقلوبنا، ولكن تركيته غلبت عليه، فسامنا الخسف كأسلاف له من قبل، وبغى واستكبر وما درى أن الله أكبر وأن على الباغي تدور الدوائر. إن يوم 26 يوليه اجل أعيادنا خطرا وأعمقها أثرا، فيه ولدت مصر الجديدة، وفيه رفع الجيش رأس مصر المجيدة، وفيه صح الوعي من مصر الرشيدة.
وفيه دمدم قائدنا نجيب أكبر حصون البغي ليبني على أنقاضه دولتنا من جديد. إن أرواح الأبرار من أسلافنا تطوف بنا مرفرفة، ففي أرضنا فرحة وفي سمائنا تبريك. إننا سنجعل من يوم 26 يوليه سنة 1952 طلائع موكب الحياة والنور، سنجعل من هبتنا فيه بداية يقظة موصولة تصحح على هديها اوضاعنا، وتستقيم على ضوئها أمورنا، فلا نضل بعد اليوم وقد وضحت معالم الطريق. إننا سنجعل من ذكرى 26 يوليه سنة 1952 درساً بليغاً في العزة القومية نلقنه صغارنا حتى نجنبهم التجربة القاسية التي مررنا بها فما سلمنا منها إلا بمعجزة نجيبة. سنلقنهم أنه في يوم 26 يوليه أمر المصريون الفلاحون السادة الأتراك أن ينزلوا عن عرش لا يستحقونه فأذعنوا صاغرين.
ثم أمروهم أن يغادروا مصر فورا لا تشيعهم السلامة به قذفت بكبيرهم إلى البحر لعنات شعب ممرور.
وأمر قائدنا نجيب ربان الباخرة أن يطرحه على شاطئ بعيد ثم يعود إلى مصر فوراً بباخرتنا (المحروسة). سنجعل من ذكرى 26 يوليه سنة 1952 نشيدا قوميا يحفظه عنا أبناؤنا ليعرفوا حقهم فلا يفرطو فيه، ويعتزوا بوطنهم فلا ييأسوا منه مهما ران عليه الظلام والكمد، فها هو النور انبثق دفعة واحدة، وعلى غير انتظار من جوف ليل يهيم عابس حسب معه الكثيرون أن الصبح ضل طريقه، فإذا به غامر الضياء مائس النور. سلام على مصر بين أوطان العالمين وسلام على شعب مصر بين الخالدين وسلام على جيش مصر بين الغر الميامين نعمات أحمد فؤاد

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢