أرشيف المقالات

سام. .

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 للأستاذ سيد قطب ذلك الذي تلمحه على وجوه الناس في هذه الأيام، وتلمسه في أحاديثهم في كل مكان.
. سأم من كل شيء، ومن كل فكرة، ومن كل عمل، ومن كل أحد، ومن كل اتجاه.
. سأم هو مزيج من ألم قد مات! ومن يأس من الأعمال والرجال، ومن (قرف) شامل، ومن استهتار. يقلب الناس صفحات الصحف، ويمرون على العنوانات الضخمة بدون اكتراث، كأن لم يعد شيء يدعو إلى الاكتراث. هذه الردود الذاهبة إلى لندن، الآيبة إلى القاهرة وبالعكس، إنها لا تعني أحدا.
إن كل أحد يحس أنها ليست له، وليست من شأنه، وليست بشأنه، إنها أمور تعني أصحابها.
تعني الذين يهمهم (قتل الوقت) هنا أو هناك! كل أحد في هذا الشعب يعرف أن هذه الردود الذاهبة إلى لندن، الآيبة إلى القاهرة وبالعكس، ليست هي التي تخرج الإنجليز من الوادي.
كل أحد يعرف أنه وقت ضائع ذلك الذي يصرف فيها.
وأن الإنجليز يهمهم دائما أن يسوفوا انتظار لتحسن الظروف. كل أحد في هذا الشعب يعرف أن الإنجليز يعرفون، أن هناك عشرين مليونا من البشر يعيشون خلف القضبان، وأن الذين يعيشون خلف القضبان لا حق لهم في الاستقلال! ولكن أحدا لا يقول شيئا عن هذه المسألة، ولا يهم أن يفتح فمه عنها بحديث، ما فائدة أن يتكلم؟ ما جدوى أن يقول؟ سأم.
سأم.
سأم تموت منه الكلمات في الشفاه. والأزمة الاقتصادية، إن بوادرها في الأفق تلوح.
بل إنها لتجتاح الوادي.
كل شيء في الريف يهوى: القطن، الإيجارات، المعاملات، بينما تكاليف المعيشة على حالها، والغلاء آخذ بالخناق. ولكن أحدا لا يهم أن يصرخ، ولا يهم أن يستغيث، ولا يهم أن يشير بعلاج. لقد سئم الناس تكرار الصراخ وتكرار الاستغاثة وتكرار الكتابة حول النقائص والعيوب.
.
كل كلام ذاهب كصرخة في واد، ليس لها من سميع لذلك لم يعد أحد يشكو.
أنه ما فائدة الشكوى؟ ما جدوى الألم؟ سأم.
سأم.
سأم تموت منه الكلمات في الشفاه. وحكاية التطهير، لقد ألقى إليها الشعب سمعه في أول مرة.
ثم سحب اللحاف على رأسه ونام! إن كل أحد يعرف أن الأمور فيما يختص بالشعب تسير كما كانت دائما تسير.

مصالح الجماهير في دواوين الدولة لا يشعر بها أصحاب الدواوين.

ما من حاجة تقضى لأنها يجب أن تقضى؛ الموظفون في مكاتبهم لا للعمل، ولكن للاتفاق على العمل! حتى المدرسون، ورثة الأنبياء، مربو الجيل، كل جهدهم اليوم للدروس الخصوصية، ومجانية التعليم أمست سخرية، بل كارثة على رؤوس الآباء.
لقد كانوا يؤدون المصروفات المحدودة فيتعلم أبناؤهم.
أما اليوم فلا يتعلم إلا من يؤدي ضريبة الدروس الخصوصية.
هنالك عصابات من (المربين)، عصابات تفرض ضرائب معينة على الآباء، وإلا فليستمتعوا هم وأبناؤهم بتعليم المجان! ولكن أحدا في الشعب لا يتألم ولا يصرخ، كما أنه لا يحفل بحكاية التطهير.
أنه يعرف ما هنالك.
فلا داعي إلى الكلام! سأم.
سأم.
سأم تموت منه الكلمات في الشفاه. ومصر بلد مجنون والحمد لله! بلد يحاول أن يستنقذ من رمال الصحراء ومن ركام الأملاح أشبارا أو أمتارا من الأرض كل عام.
وتنفق وزارة الأشغال، ومصلحة الأملاك، ووزارة الزراعة ما تنفق من جهد ومن ومال في استنقاذ هذه الأشبار والأمتار من فم الصحراء، وردها إلى الخصوبة والعمار، ولكن هذا البلد نفسه يطمر مئات الأفدنة كل عام بالرمال والأحجار، مئات الأفدنة من أخصب بقاع هذا الوادي، يطمرها تحت الرمال والأحجار كي يحولها إلى مساكن! وهاأنذا صباح مساء أبصر مئات من الرجال يكدون اليوم بطوله ليفرشوا مساحات من الأراضي الخصبة بين المعادي والبساتين.
على خط حلوان.
يفرشونها بالرمال، ويطمرون ما عليها من زرع أخضر حي.
يدفنونه بلا شفقة ولا رحمة، لتتحول هذه الأرض الخصبة إلى مساكن لشركة المعادي! ومن قبلها حدث مثل هذا في مدينة الأوقاف، وفي الدقي وفي طريق الهرم، لقد أكلت المباني هذه المساحات الشاسعة، بينما عشرات الألوف من الأفدنة، ومئات الملايين من الأمتار المربعة من الأراضي الرملية الجافة الجميلة الصالحة للسكنى بلا ردم ولا هدم تنتظر مشروعا واحد يحيلها عمارا، مشروع كهربة خط حلوان.
. ولكن مصر بلد مجنون والحمد لله.
يجاهد جهاد المستميت لينقذ شبرا من عدم الصحراء، ويجاهد كذلك جهاد المستميت ليهب الصحراء فدانا يطمره بالرمال والأحجار. أم إنني أنا المجنون؟ لأنني لا أفهم أن في مصر مصالح، وأن في مصر شركات؟ ثم مالي لا أصمت كما يصمت الشعب في هذه الأيام؟ ألا أحس ذلك السأم الذي يرين على الوجوه؟ ألا أشعر بذلك الهم الجاثم على الصدور؟ وفي هذا الوقت بالذات يطلع علينا الأستاذ أحمد العجمي في الرسالة بهتاف حار: أين الشعر أيها الشعراء؟ الشعر! الشعر يا سيدي هتاف حياة، ودعوة حياة، وتعبير حياة. الشعر طاقة فائضة تريد لها متنفسا، وحيوية دافقة تبتغي لها مسيلا. الشعر تعبير أحرار يملكون التعبير، لا جمجمة عبيد أو أسرى خلف القضبان. الشعر انتفاضة قلب، وتحليق روح.
لا وسوسة السلاسل ولا جرجرة الأغلال. انظر يا سيدي حولك! أنظر إلى ذلك الذي تلمحه في الوجوه، وتراه في السمات. إنه مزيج من ألم قد مات، ومن يأس من الأعمال والرجال، ومن (قرف) شامل، ومن استهتار. إنه السأم.
السأم الذي تموت منه الكلمات في الشفاه! سيد قطب

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير