أرشيف المقالات

لغة المستقبل. .

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 3 - لغة المستقبل.
. للأستاذ محمد محمود زيتون تحية علمية إلى البرلمان الفيلسوف أستاذي الدكتور إبراهيم بيومي مذكور بك عميد الفلسفة الإسلامية بجامعة فؤاد الأول سابقاً، وعضو مجلس الشيوخ، وعضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية. تبين لنا في المقال السابق أن المنهج الرياضي لا يتناول غير موضوعات الرياضة البحتة بفرعيها: الحساب والهندسة.
وإلى هنا يقف المنهج الرياضي.
وتقام السدود من دونه في سائر العلوم، ومن ثم يحل محله الروح الرياضي. فالرياضي إذا اكتشف قانونا، لن تزل قدماه حتى يقنعنا بالصلة التامة بين قانونه الجديد وباقي البدهيات المسلم بها، أما الفيزيقي فأنا لا نطالبه - في حالة ما إذا سمح الله واكتشف قانوناً - بأكثر من أن يربطه بنظرية متعارف عليها، وإذن ما أثقل العبء الملقى على عاتق الرياضيين. والفيزيقي - من جهة أخرى - ببحث عن المسائل جديدة يحدها بآلات معمله ويربطها ويعدلها حسب الحاجة، أما الرياضي فإنه يتحسس السبيل إلى بصيص من موهبة الإبداع ليصور مسائل جديدة يستطيع بمنهجه أن يتدخل فيها، هذه الموهبة انفرد بها كثير من المحدثين، وبلغت أقصاها عند (أرشميدس) كما يقول كما أن (الرياضي والفيزيقي يستعملان القياس) هكذا يقول العلامة الفيلسوف (كلود برنارد وإذا كانت العمليات الحسابية تدخل في الميادين الأخرى، فإن هذه العلوم المطعمة بالرياضة، والعلوم التطبيقية أو الصناعات تختلف منهجاً لاختلافها موضوعا. أما العلوم التي تتناول الوسط بين الفيزيقا والرياضة فإنها تستخدم منهجا هو مزاج من المنهج الرياضي والمنهج التجريبي.
وذا كان مجرد الانتقال من الهندسة البحتة إلى الهندسة التحليلية كفيلاً بتغير المنهج الذي لا يعود بعد ذلك محتفظاً بخواصه البرهانية الحدسية الأولى - وكما يقول أستاذنا المرحوم المسيو (لالاند) فكيف إذا انتقلنا من ميدان إلى آخر. فالعلوم تختلف موضوعاً ومنهجاً، وليس ذلك بمانع من أن يكون سير الاختراع في جميعها واحداً لا يتغير - كما يقول (تانرى وإذا كان للرياضة أن تنفرد من حيث الموضوع بمثاليتها التي تتعالى بها على العلوم الأخرى في واقعيتها، فإن لها أن تنفرد بالمنهج البرهاني في مقابل المنهج التجريبي الذي تسلكه الفيزيقاً. في الفيزيقا نرى أكثر القوانين إن هي إلا معادلات جبرية فقد فسر (براون) الحرارة بتوزيع الذرات حسب متوالية هندسية عرفت في الوسط العلمي باسم (الحركة البراونية)، وكذلك قانون الضغط وقانون الطفو كلاهما معادلات جبرية، وكلاهما إدراك سليم للنسبة بين متغيرين، تلك النسبة التي أدركها العقل بالحدس لا بالتجربة. ومع ذلك نرى العلماء يختلفون في تفسير الظاهرة الفيزيقية اختلافاً يذهب بأحدهم شرقاً وبالآخر غرباً، فهذه ظاهرة الضوء: يفسرها (نيونون) حسب النظرية الشيئية وبربط رأيه ببدهيات ينقضها (وبجانز) و (فرنل) إذ يفسران الضوء بالتداخل والاستقطاب، ثم يأتي من بعدهم من يفسره بالنظرية الأثيرية. وفي الكيمياء، ظل العلماء ردحاً من الزمن يعتبرون العناصر عدداً يعد على الأصابع، وبتقدم البحث أوصلوها إلى أكثر من تسعين، وما كان لهم أن يصلوا إلى بمواصلة التحليل، فاستطاعوا أن يضعوا قوانين المزج والتركيب الكيميائي في صور معادلات جبرية وثيقة يعتمدها العقل. وفي العلوم الكونية جميعا، تمكن العلماء من صوغ قوانينهم في أرقام حسابية أو أشكال هندسية، وسبيلها العام إلى ذلك هو الاستقرار والتجريب ما دامت الموضوعات قابلة للمقياس والمقدار. وفي البيولوجيا خضعت ظواهرها لهذا المقياس.
يقول (بيكار (إن البحوث البيولوجية لا تقفنا على دخائل الأجهزة الداخلية، ولا يمكن أن نكون منها معادلات لها دوال على الوجه الذي نراه في عالم الفيزيقا). والواقع غير هذا، فقد تقدم علم البيولوجي تقدما ملحوظاً، وتمكن من قياس الظاهرات البيولوجية وتحليلها وتغيير ظروفها لمعرفة التغييرات الناشئة عن ذلك، وهو لم يصل إلى هذا إلا بأمرين هما: التشريح والاستدلال؛ وبهذا التحليل تمكن من معرفة تركيب الخلايا والغدد لمعرفة أثر الحياة الفيزيولوجية في الحياة السيكولوجية، وبهذا انتهى إلى معرفة خواص (الأدرينالين) ودوره الفسيولوجي، وانتهى إلى تأثيرات الجهاز العصبي بالجهاز التناسلي، وأثر الخلايا وتركيبها في السلوك العام، وانتهى إلى قوانين التنبيه الحسي العضلي، وسبيله إلى كل ذلك التجريب ثم التحليل والإحصاء والمقياس والرسم البياني والمعادلات الجبرية، وعلى ذلك يكون الروح الرياضي هو العون الوحيد على هذه المجاهدات البيولوجية. أما في السيكولوجيا، فقد اعتبرت مظاهر السلوك وقائع تكشف عن طاقة كافة هي النفس، وبتحليل هذه الوقائع وقياسها، ورد المتشابه منها إلى أصل واحد، أمكن الوصول إلى بعض القوانين. وفي العلوم الاجتماعية حاول المفكرون علاجها حسب المناهج الهندسية، دون أن يكلفوا أنفسهم مؤونة التعديل أي قانون بآخر، ومنهم من استخلص نتائج سياسية من الحكم السائرة والأمثال العامية فأخطئوا جميعاً، وسر هذا الخطأ هو محاولتهم علاج الفن على أنه علم، ومحاولتهم الحصول على فن قياسي غير معقول (مل وحاول أفلاطون قديماً - وهو تلميذ الفيثاغورية الرياضية - أن يشيد المدنية اليونانية على اعتبار أن بني الإنسان أعداد، فلم تتحقق أحلامه، ولم يندفع به الخيال كما كان يهوى. استطاع علماء الاجتماع المحدثون أن يتلافوا ما وقع فيه أفلاطون والفارابي وتوماس مور وكاميانيلا، فنظروا إلى أمور المجتمع على أنها (وقائع) في ذاتها ففسروها وجربوا عليها واتخذوا لها الإحصاءات، واستعانوا بالروح العلمية فاستبدلوا بالنسب الرياضية (روابط) سموها القوانين التي هي أشبه بالمعدن النفيس الذي كان نتيجة (انصهار) عدة عوامل في (بوتقة) المجتمع الذي وصل (مونتسكيو) إلى أغواره فألف (روح القوانين) وكما جمله (دوركيم) ميداناً للمجال الطبيعي فأنتهي إلى (الضمير العام وذلك بعد أن افترض فيه جانبية الكبيرين (لاستاتيكا) و (الديناميكا) شأنه في ذلك شأن المغناطيسية والكهربائية والميكانيكية والفلك سواء بسواء. وبإنعام النظر في الميادين الاجتماعية، توصل علماء الاقتصاد إلى نتائج لها قيمتها، وذلك باكتشاف قوانين: العرض والطلب وقانون جريشام في النقد، وقانون ريكاردو في الإبراد العقاري، وقانون مالتوس في العلاقة بين زيادة السكان ومواد المعيشة، وقانون الغلة المتناقصة، وقانون الغلة المتزايدة.
وكذلك ظهر في تاريخ الحضارة قانون القهقري الذي توصل إليه (فيكو وتقدمت النظريات الاجتماعية كثيراَ بالاستعانة بالإحصاء، وصدقت قوانينها العامة منذ اعتمدت على العناصر الثلاثة الآتية: 1 - معرفة طبيعة المجتمع معرفة مستقلة. 2 - اقتباس المنهج من صميم هذه الطبيعة الاجتماعية 3 - السماح للروح الرياضية والعلمية بتنظيم الموضوعية الاجتماعية والإشراف على وثاقه قوانينها. وقد تبادر إلى الذهن أن هذه الروح الرياضية لن تتطاول إلى الفنون، ولكن الواقع غير هذا فالشعر والموسيقى يعتمدان على الانسجام أو التناسب بين الأنغام والتفاعل بين الأنغام والتفاعيل مقدراََ كل ذلك بأعداد.
فالروح الرياضي سائد في أوزان الشعر وقوافيه، والفنون على اختلافها تستوعب جزءاََ كبيراََ من المنهج الرياضي من حيث: البداهة وموهبة الاختراع، والتقدير العددي والإلهام ولا شك بعد هذا كله في أن المنهج الرياضي هو أوثق المناهج في استقرار النتائج.
وكم ذا يود الفكر الخالص أن يحظى في شتى ميادينه بوثاقه الرياضة لولا القيود والسدود التي تعترضه وإن كان يجد ويسعى مخلصاً في التغلب عليها والوصول إلى هدفه السامي. والرياضة إذن (قاسم مشترك أعظم) بين جميع المعارف.
بل هي لغة مشتركة ووظيفتها الكبرى هي احتمال معاني الألفاظ الوجودية والتفكيرية معاً، والارتفاع بها عن المثقلات المادية، والأوشاب والأوضار التي طالما عوقت ركب المفكرين عن سعادة الدارين. والأمل اليوم معقود على (التلباني) لتكون لغة الجميع حيث تصفو النفوس، وتخلص من فراشيها، وتتحقق أحلام فيثاغورس يوم قال (العالم عدد ونغم).
وحل ينشد المحصلون إلا العدالة بين الناس ليكون في المساواة كالأعداد؟ وهل ينشد المربون إلا المحبة التي هي انسجام وتوافق كما هو الأنغام؟، وهل يكون هذا إلا بالتربية والاستقامة على نهجها، وليس بعزيز على الله أن تكون هذه (الأعداد والأنغام).

لغة المستقبل. (انتهى البحث) محمد محمود وبتوق

شارك الخبر

المرئيات-١