أرشيف المقالات

القصص

مدة قراءة المادة : 14 دقائق .
8 البعث للكاتب الفرنسي جي دي موباسان - 1 - لم يكن هناك في قرية (فيكامب) من يجهل تاريخ الأم (باتان) الحافل بألوان الشقاء.

كما لم يكن يختلف اثنان في الحكم على قسوة معاملة زوجها لها طيلة حياته اتخذها باتان زوجة له منذ عدة سنوات حين كانت في نضارة الصبا وقد حباها القدر بقسط وافر من الجمال والجاذبية.

في حين كان هو بحاراً ماهراً عملاقاً اعتاد الذهاب إلى حانة العجوز (أوبان) لتناول أربع أو خمس كؤوس من الكحول.
ولم يكن ذلك هو الحد الأعلى لملء فراغ معدته.

بل كثيراً ما أرتفع ذلك الرقم إلى ثماني أو عشر كؤوس.

ربما زادت على ذلك قليلا إذا ما كانت صفقة صيده رابحة.
وكانت ابنة أوبان هي التي تشرف بنفسها على خدمة رواد الحانة الذين أسرتهم عيناها الحالكتا السواد، وامتلكت أفئدتهم بقوامها الرائع المشوق ويوم جاء باتتا إلى تلك الحانة للمرة الأولى.

واكتفى بإطالة النظر إلى الفتاة في شوق وحنين وهو يشير إليها من طرف خفي.
وازدادت فتنتها في عينه حين ارتشف كأسه الأول.
.
فما كاد يأتي على الثانية حتى كان يلتهمها بعينيه في نشوة وشراهة.
.
واستقرت محتويات القدح الثالث في جوفه فتمتم قائلا دون أن يتم جملته (لو كان إمكانك فقط أيتها الآنسة ديزيري.
)
ومع فراغ القدح الرابع كان باتان ممسكا بثوب الفتاة وهو يحاول تقبيلها وتعددت الكؤوس.
.
واكتملت عشرا.
.
وحينئذ أرسل وبان العجوز أبنته إلى الخارج وراح هز بنفسه يشرف على خدمة البقية الباقية من زبائنه الساهرون.
كان أوبان رجلا حاذقا لا تخفى عليه خافية.

فكان يترك ابنته تنتقل برشاقتها لإغراء الزبائن حتى يستزيدوا من خمرة تاركها لها مطلق الحرية في توزيع ابتساماتها الرائعة وإرسال سهام عينيها إلى أفئدة المخمورين، وهو واثق منها كل الثقة دون أي محاولة من جانبه اكتشاف سر ذلك البري الذي في أغوارهما كلما حاولت امتحان عواطفها إزاء رجل من زبائن الحانة واصبح وجه ديزيريه مألوفا دى باتان من طول تردده على حانة أوبان.
.
فكان يراها ماثلة أمامه وهو في موكب صيده ناشرا شباكه في المياه الهادئة أو الصاخبة على حد سواء.
.
أو كان بتخيله تومئ إليه في حلكة الليل الساجي، أو تحت ضوء القمر الفضي الساهر.
.
فكان يطيل التفكير فيها.
.
وكم كان يهنا بذلك التفكير وهو جلسته عند مؤخرة المركب، ويده مستقرة على سكانه.
.
بينما ارتكزت رؤوس بحارته الأربعة على أيديهم وقد راحوا تحت تأثير نومة استسلام هادئ لذيذ بعد إجهادهم اليومي المرهق.
.
وفي كل تلك الحالات التي كان يتخيلها فيها.
.
كان يراها تبتسم إليه وهي ترفع يدها لتملأ كأسه بالرحيق الملون هامسة وهي تتأهب للابتعاد عنه: أليس ذلك هو كل ما تطلب؟ أحس أخيرا أنها أصبحت تشغل حيز تفكيره كله.
.
فلم يستطيع كبت تلك الرغبة التي كانت تلح عليه في أن يتخذها حليلة له، وطلب يدها من أبيها وأجيب باتان إلى مطلبه: فقد كان يمتلك مركباً وشباكا علاوة على منزل بالقرب من الميناء.
.
وفي حين كان أوبان العجوز لا يمتلك شيئا.
.
وتمت معدات الزفاف دون تأخير انقضت ثلاثة أيام أستيقظ بعدها باتان من الحلم الذي كان يعيش فيه، وهو يعجب كيف أنه اعتقد يوما أن تلك الفتاة ديزيريه تختلف في شيء عن غيرها من النساء.
وابتدأ ينعت نفسه بالجنون، ويعيب عليها ضعفا وخضوعها لذلك القيد الذي قيدت نفسها.
.
القيد الأبدي الذي استسلم إليه تحت تأثير الخمر.

نعم؟ لقد كان الخمر هو السبب في ذلك الزواج.

الخمر التي كان يعتقد اعتقاداً جازما أن الفتاة قد مزجتها ببعض العقاقير السحرية للإيقاع به ولم يكف باتان عن سب نفسه طوال ذلك الوقت.
.
وما كاد يصلإلى ذلك الحد من التفكير حتى ألقى فضلات التبغ المتبقية في غليونه؛ وراح ينقل أسماكه الواحدة إثر الأخرى، وهو يغمغم غاضبا وعندما بلغ منزله وجد زوجته - ابنة أوبان العجوز - قابعة هناك كعادتها.
فلم يحيها بحرف.
بل راح بكيل لها ألفاظ السباب الحادة.
.
فقابلتها الفتاة بأحد منها، إذ كانت طبيعة والدها الهمجية متأصلة فيها، وكان ذلك مما يزيد في غضب زوجها وإيلامه.
ولكن تلك الآلام لم تبلغ الذروة إلا في تلك الليلة التي اعتدى عليها فيها بالضرب وخلال السنوات العشر التي تعاقبت بعدئذ.

لم يكن هناك من حديث يدور بين أهل الميناء إلا عن تلك المعاملة القاسية التي كان يتبعها بانان مع زوجته، لا لشيء إلا لأنه كان موهوبا بالسليقة بلهجة في سبابة لم يكن هناك في فيكامب من يضارعه فيها وعاشت المرأة المسكينة في جو من الخوف والرعب عشر سنوات كاملة اعتادت أثناءها الوحدة والسكون، عشر سنوات كاملة فيها الكفاية لتجعل منها هزيلا يشبه هيكلسمكة صغيرة جافة - 2 - استيقظت امرأة فجأة ذات ليلة على صوت أنين أرياح وهمهمة ريا ح البحر.
.
فجلست على فراشها وراحت أفكارها تتجمع في نقطة واحدة حتى تركزت في ذكرى زوجها الغائب في مركبه وسط العاصفة، وقفزت من الفراش ثم هرولت نحو الميناء التي كانت قد امتلأت بجموع النساء وقد حملن في أيديهن المصابيح ينرن الطريق لرجال الذين هرعوا بدورهم إلى هناك لمحاولة نجدة من يحتاج إليهم من الصائدين.
.
وظلوا محدقين في المياه السوداء الممتدة في جلال وروعة وقد بدت أشباح مراكب الصيد الصغير وهي ترتفع وتنخفض فوق أمواج الصاخبة، ودامت العاصفة خمس عشرة ساعة وكان من نتيجة ثورة الطبيعة أن أحد عشر صائدا قدر عليهم ألا يعودوا إلى منازلهم أبداً.
وكان باتان من بينهم وقذفت الأمواج بحطام سفينة باتان (أميلي الصفراء) إلى أحضان شاطئ (سان فاليري) ولكنها لم تظهر أي أثر لجسد باتان كان من أمكن أن يكون قد أصبح طعاما للأسماك.
.
كما كان من الممكن أن يكون قد انتشل من المياه وأبحر مع منقذيه إلى حيث يقصدون وعودت المرأة نفسها أن نجا حياة الأرملة.
.
ولكنها إلى جانب ذلك لم تكن تمتنع عن استقبال سائل أو مسافر أو بحار داخل مخدعها وانقضت أربعة أعوام على اختفاء رجلها ومالت الشمس إلى المغيب.
.
وهبت نسمات باردة تنذر اقتراب الليل.
.
فزعت الأطيار إلى أوكارها.
.
في حين كانت المرأة تسير في شارع (اليهود) وقد لفت نظرها منزل قبطان عجوز.
.
كان يقف ببابه (دلال) ينادي على أثاث المنزل لبيعه.
.
وفي تلكاللحظة كان الرجل ممسكا بقفص قد استقر فيه ببغاء وهو يهتف: - ثلاثة فرنكات.
.
طائر يتكلم كرجل القانون.
.
فقط ثلاثة فرنكات وتمتمت ديزيريه لصديق كان يتأبط ذراعها: - يجب عليك شراؤه فسيكون لك نعم السمير.
إنني واثقة من أن ذك الطائر يساوي ثلاثين فرنكا ثقتي من أنك تستطيع بيعه ثانية بعشرين أو خمسة وعشرين فرنكا وارتفع صوت الدلال مرة أخرى قائلا: هيا.
.
أربعة فرنكات أيها السادة.
.
أربعة فرنكات.
.
إنه يستطيع الترتيل، فياله من أعجوبة نادرة.
وأخيرا.
.
ً.
انتقلت ملكية الببغاء وقفصه لديزيريه بعد أن دفعت ثمنه لأربعة فرنكات وخمسين سنتما وتمتمت المرأة بغضب لما رأت نقطة من الدماء تلوث يدها حين لامست رقبته وهي تضع له شيئا من الطعام في حجرتها - يا الله.
.
لم اكن أعلم أنه جريح وتوجهت إلى فراشها بعد أن وضعت للطائر شيئا من الطعام وإناء صغيرا مملوء بالماء ولم تكن أنوار الفجر الوردية قد بدت بعد، حين تعالى إلى أذني مدام باتان صوت واضح جلي يقول: - ألم تستيقظي بعد أيتها المنكودة؟ وقد رجع زوجها أخيرا.
.
فذلك الصوت صوته وتلك عادته في مناداتها إذا ما استيقظ في الصباح، وأحست برعشة تسري في عروقها فدفنت وجهها تحت الوسادة بينما راح جسدها يرتجف ارتجافا واضحا وهي تتمتم قائلة لنفسها: - يا إله السموات.
.
لقد رجع ثانية وها هو إذ.
.
يالله ومرت بضع دقائق دون أن يعكر صفو السكون الشامل صوت.
.
فأخرجت رأسها من تحت الوسادة، كانت متأكدة من وجوده بالقرب منها يرقبها وهو على أتم استعداد للانهيال بالضرب كما كان في الماضي البعيد.
.
ولكنها لم تر شيئا غير أشعة الشمس التي ابتدأت تخترق زجاج النافذة، فهمست قائلة لنفسها: - لابد أن يكون مختفيا في مكان ما وظلت تنتظر.
.
وطال انتظارها فعودها هدوئها وغمغمت: - إنني لم أره.
.
إذاً.
.
لابد أنني كنت أهيم في وادي الأحلام أغمضت عينيها مرة أخرى في اللحظة التي ارتفع فيها صوت باتان كالرعد قائلا: ألا زلت نائمة أيتها الملعونة؟ وقفزت من فراشها وقد انتابها فزع المرأة المطيعة التي ظلت أربعة أعوام كاملة وهي ترزح تحت عبء الذكرى الأليمة.
.
ذكرى العذاب الذي كان يسببه لها صوت ذلك الرجل الكريه.
.
هتفت: - ها أنا ذي يا باتان.
.
ماذا تريد؟ ولم يكن هناك من جواب وتلفتت حولها في دهشة.
.
ثم أخذت تبحث في كل مكان.
.
لكنها لم يجد أحدا.
.
وتهالكت على مقعد بالقرب منها وهي تحس بروح باتان ترفرف فوق رأسها.
.
وأخيرا تذكرت الحجرة الصغيرة الإضافية الواقعة فوق حجرة الطعام.
.
لابد أن يكون مختبئا هناك في انتظار مفاجأتها.
.
ثم.
.
ثم العودةإلى نفس الحياة القاسية التي كانت تحياها من قبل.
.
ونظرت إلى سقف الغرفة وهي تقول متسائلة - هلل أنت فوق يا باتان؟ ولم يكن هناك من جواب وتسللت إلى الخارج فأحضرت سلما تسلقته ونظرت في الحجرة الصغيرة لترى.
.
لتراه.
.
ولكنها لم تعثر عليه.
.
فجلست على الأرض وابتدأت تبكي وهي ترتعد.
ومن أسفل جاءها صوت باتان يقول: - أي جو وأي رياح.
.؟ إنني لم أتناول وجبة الصباح بعد وصرخت المرأة من أعلى من أعلى قائلة: - إنني هنا يا باتان.
.
ها أنا ذي في طريقي إليك لأعداد طعامك فلا تغضب.
.
ها أنا ذي آتية وهبطت السلم بسرعة فائقة ولكنها لم تجد أحد بانتظارها أحست بضعف مميت يغمرها من رأسها لأخمصي قدميها وفكرت في أن تهرع إلى الخارج مستغيثة حين ارتفع صوت باتان قائلا: - إنني لم أتناول طعامي بعد أيتها ال.
. كان الببغاء في قفصه يتابع كلماته، وهو يحدق فيها بعينين كجمرتين ونظرت إليه والدهشة تغمرها ثم تمتمت: - إذا.
.
إنه أنت.
وتكلم الببغاء ثانية وهو يحرك رأسه انتظري.
.
انتظري قليلا.
.
فسألقى عليك درسا لتكوني أشد كسلا منك الآن أي أحاسيس شعرت بها المرأة في تلك اللحظة؟.
لقد شعرت تماما أن الرجل الميت قد بعث مرة أخرى.
.
بعث حيا في هيئة ذلك الببغاء إذا.
.
سيعود مرة أخرى لإهانتها.
.
كما كان في الماضي وسوف لا يمر يوم بهدوء.
.
وجيرانها.
.
سيعودون حتما للهزء بها والسخرية منها أسرعت المرأة نحو القفص ففتحته وأخرجت الطائر الذي راح يدافع عن نفسه بمخالبه فيدمي يديها.
.
ولكنها لم تعبأ به.
.
وتهالكت فوقه على أرض الغرفة.
.
وراحت بكل قواها تضغط على رقبته حتى سكنت حركته لم يعد يتحرك، لم يعد يتكلم ولكنه كان مستكينا استكانة الأبد بين ذراعيها، وجمعت الريشات الخضراء المتناثرة هنا وهناك بيد مرتجفة ووضعتها مع الجسد المسجي على الأرض في لفافة صغيرة.
.
ثم هرولت إلى لخارج عارية وقذفت الحزمة الحاوية لل.

للشيء الميت في مياه البحر الهادئة.

فبدت كحزمة من البرسيم الأخضر طافيةفوق المياه الزرقاء وعادت ألي حجرتها فركعت على ركبتيها أمام قفص الطائر الميت.
.
وراحت تبكي كانت تشعرا أنها ارتكبت إثما.
.
وأثما هائلا كأكبر الجنايات وحشية.
.
فابتدأت تدعو لله أن يغفر لها! ع.
ج

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١