أرشيف المقالات

تحية للشيخ الرئيس

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 بمناسبة الاحتفال بذكراه الألفية في هذا الأسبوع، وفي بغداد عاصمة العلم القديمة، يحتفل العالم الإسلامي بالذكرى الألفية لمولد الطبيب العالم الفيلسوف أبي الحسن بن سينا واحد فنه في الشرق والغرب، ونادرة عصره في الطب والحكمة، وأحد العباقرة العالميين الذين رفعوا قواعد العلم، ونهجوا سبل المعرفة، ووصلوا ما انقطع من تسلسل الفكر الإنساني بين الفلسفة الإغريقية القديمة، والفلسفة الأوربية الحديثة. ولد أبو علي سنة 370هـ في قرية من قرى بخاري كان أبوه عاملاً عليها للأمير نوح بن منصور الساماني، ثم توفى سنة 428هـ بهمدان إحدى مدن إيران كان قد وفد إليها على الأمير علاء الدولة البويهي، فكان معظم حياته على هذه الأرض ثمانية وخمسين عاماً قضى أكثرها في الاضطراب والاغتراب والنفي والسجن والخوف والشهوة والمرض، ومع كل أولئك استطاع أن يكون يحر العلم الزاخر في وقته، وبدر العلماء الزاهر في جيله، فقرأ كل كتاب وانتفع منه، وحذق كل علم وزاد فيه، وألف مائة سفر في الطب والفلسفة والمنطق واللغة والموسيقى والرياضياتوالطبيعيات والإلهيات والأساطير؛ وكان أول عالم ظهرت في علمه الفلسفة الكلامية على أتم ما كانت من الدقة والسعة والوضوح.
ثم كان هو والبيروني الغاية التي لم يكن وراءها مذهب الفكر في القرون الوسطى: هو بدقة نظامه وبراعة فهمه، والبيروني بقوة ملاحظته وسعة علمه. ربي أبن سينا منذ الخامسة من عمره تربية علمية منظمة، فحفظ القرآن وثقف الأدب وشدا شيئاً من الحساب والفقه.
ثم سمع في محاورة أبيه لأخيه وهما شيعيان كلاماً في النفس والعقل، وإشارة إلى الفلسفة والهندسة، فصبت نفسه إلى علم ذلك.
وورد يومئذ بخاري أبو عبد الله الناقلي فأقرأه في المنطق إيساغوجي، وفي الرياضة المجسطي، فكان الأستاذ يقف عند المبادئ والظواهر، والتلميذ يغوص على المسائل فيستخرج الدقائق، ويمحص الحقائق، ويبصر المعلم بما لم يبصر.
ثم رغب في علم الطب فتلقى أصوله على أبي سهل المسيحي، واستقصى فروعه وحده حتى انتهت إليه الزعامة فيه.
كل ذلك وسنه على ما قال هو نفسه لم يتجاوز السادسة عشرة.
ثم أبرأ الأمير نوح ابن منصور من مرض برح به، فقربه إليه وأذن له بالدخول إلى دار كتبه، وكانت عامرة بنوادر الأسفار في كل علم وزمن، فوعى ما فيها من كتب الطب والفلسفة وما بعد الطبيعة على ظهر قلبه.
ثم أصابتها النار عمداً أو خطأً فلم تبقي منها على ورقة! فانفرد الشيخ المخبوءة في صدره، وكانت هذه النكبة العلمية من مزاياه على غيره! ثم توفى أبوه وضعف شأن أميره فاضطربت به الأحوال، وتدفقت عليه الأهوال، فخرج وهو في الثانية والعشرين من عمره إلى قصبة خوارزم فأقام بها يسيراً في كنف أميرها علي بن مأمون، ثم غادرها إلى جرجان فثقف بعض الناس، وألف بعض الكتب.
ثم انقلب إلى همذان فوزر لشمس الدولة بن بوية.
فلما توفى هذا الأمير وخافه ابنه تاج الدولة صرفه عن عمله، ففرغ للبحث والتأليف، وصنف في هذه الفترة أعظم كتبه.
ثم نشب الصراع بين أمير همذان وأمير أصبهان فأتهم بالدعاية إلى علاء الدولة، وطلبه تاج الدولة فاختبأ في حانوت صيدلي حتى وقعت العيون عليه فسجنه في إحدى القلاع.
فأنشأ في ذلك قصيدة منها هذا البيت: دخولي باليقين كما تراه ...
وكل الشك في أمر الخروج وظل في السجن أربعة أشهر حتى استطاع أن يفر متنكراً في زي الصوفية إلى علاء الدولة بأصبهان فأقام في حماه وادع النفس، يؤلف ويختصر، ويحاضر ويناظر، ويعترض ويجيب.
واتفق ذات ليلة أن جرى في مجلس الأمير حديث في اللغة شارك فيه ابن سينا، وكان أبو منصور الجبان حاضراً، فأنكر عليه أن يتكلم في غير علمه، فانف الشيخ من هذا الإنكار وعكف على دراسة اللغة ثلاث سنين حتى بلغ منها موضعاً جليلاً أهلهلان يؤلف فيها كتاباً سماه لسان العرب لم يؤلف مثله قبله أحد! وهكذا انقضت تلك السنين الأربع والخمسون في عمل لا يفي، وسعي لا يني، وعذاب لا يرحم وصراع لا يهادن، وحظ لا يساعد، وولوع بالنساء لا يهدأ، ونزوع إلى الشراب لا يكف، حتى وهن الجسم القوي، ووهن العزم الشديد، ونزلت بالغطاسى العظيم علة نكل عنها تدبيره وطبه! كان الشيخ الرئيس برد الله ثراه آية من آيات الله في لقانة الذهن وأصالة العقل وقوة الحافظة ونفاذ الهمة.
اكثر علمه من اجتهاده، وأنجع طبه من تجاربه، واجل كتبه من حفظه.
وكان على استبداد عقله بفكره، وطغيان علمه على فنه، صاغي القلب للدين، صافي النفس للشعر، سامي الخيال للقصص.
كان إذا أعيت عليه مسألة ذهب إلى المسجد فتوضأ وصلى وابتهل إلى الله أن يجلو عليه ما غمض ويفك له ما أشكل.
ثم كان له في الشعر العينية ومقطوعات أخرى من النمط الرفيع والنسق الفريد، وفي الأساطير (سلامان) و (حي بني يقظان) و (الطير)، وهي رموز لمعان سامية من الحكمة العالية والروحية الجميلة.
وكان في الشيخ رحمه الله صوفية لا تجري على منهاج المتصوفة: صوفية هؤلاء وجدانية تقوم على الزهد والتقشف، وتقصد إلى تصفية القلب وتطهيره؛ وصوفيته هو عقلية تبيح النعيم واللهو وترمي إلى تقوية العقل وتنويره.
وكان اعظم ما يميز الشيخ اليقين فيما يرى، والثقة فيما يقول، والإبانة فيما يكتب.
كان لا يشك إذا علم، ولا يتردد إذا فهم، ولا يتحسس إذا استبان.
وتلك طبيعة العالم لا الفيلسوف، والدارس لا يبحث، والمتبع لا المبتدع، والمؤلف لا المنشئ. هذه إثارة من حياة حافلة، وإشارة إلى مجد باذخ، وعبارة من تاريخ ضخم.
ذكرناها على هذا الإيجاز القاصر اكتفاء بما سيلقيه ذوو الاختصاص في حفلات مهرجانه من البحوث المفصلة في طبه، والخطب المطولة في فلسفته.
وإنا لنحي خاشعين من وراء الستر ذكرى الشيخ الرئيس، ونسأل الله ضارعين أن ينعم روحه في الخلد، وان يطيب ذكره في الخلود. أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١