أرشيف المقالات

بين محمد وأصحابه

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 للأستاذ أحمد الشرباصي حينما ندرس شخصية محمد صلوات الله عليه من جوانبها المختلفة، نعلم أنه المثل الأعلى الذي يتجلى لكل طامح إلى المفاخر، أو طامع في معالي الأمور؛ وما نريد حين نجلي ملامح هذه العظمة المحمدية أن نضيف إلى صاحبها شرفا جديدا، فليس بعد تكريم الله تكريم، ولكنها أنفسنا نحن التي نبحث لها عن الخير، ونطلب لها المزيد من التربية والتهذيب، وليس كالقدوة الحسنة في الإغراء على التشبه والمضاء.

وما نريد أن نغلو في شأن رسولنا كما غلا سوانا، فإننا لنعلم أولا أن الله أعلى وأكبر، وأن محمدا بشر، قيل له من قبل: (إنك ميت وإنهم ميتون).
وقيل عنه: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين). ولو أن هذه العظمة اقتصرت على شخص صاحبها، فلم يستفض نورها هنا وهناك، ولم تلق ظلالها الطيبة على هذا وذاك، لما شغلت التاريخ بهذه الصورة، ولما بقيت لها هذه الروعة الدائمة وذلك البهاء الموصول، ولقال القائل: وما نفع كنز عظيم لا ينال الناس منه خيرا؟ وما قيمة محيط واسع لا يجد الراغبون إليه سبيلا؟.

ولكن محمدا هو الذي هتف: (ما استحق الحياة من عاش لنفسه فقط).
ولذلك كانت عظمته لغيره قبل أن تكون لنفسه.
وكأنما خلق الله رسوله على عينه، وجمع له أطراف المحامد والمكارم، ليظهر فيه سر النبوة وسمو الرسالة، ثم أتاح لصفيه وحبيبه بعد ذلك أن يفيض من هذا النبع الذي لا يغيض، على من حوله ومن يأخذون عنه، والرسول حينئذ لا يستطيع أن يخلق من هؤلاء الأتباع صورا مطابقة كل المطابقة لشخصه وذاته، وإلا لصار هؤلاء الأتباع رسلا مثله؛ فليس له إلا أن يهيئ لكل واحد منهم ما يناسبه ويلائمه، فيغترف من حوض الرسول ما استطاع.
ومن هنا رأينا العظمة المتجمعة في شخص محمد صلوات الله عليه تتفرق في أشخاص أصحابه، وفي خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين بوجه خاص؛ فهذا أبو بكر مثلا يرث من رسوله نور اليقين والإيمان، ويقوى عنده هذا النور حتى يسطع فيبهر، فيصفه بالصادق المصدوق قائلا: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح إ أبي بكر على إيمان هذه الأمة)!.
وهذا عمر يرث عن رسوله حسن التدبير وعمق التفكير وصواب النظر وأصالة الرأي، حتى ليقول فيه المصطفى: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه).
وحتى يستطيع عمر إبان خلافته أن يسوس دولة ما ساسها قيصر من قبل أو شاه، وأن يجتهد في أمور الدين والدنيا، فيهديه ربه إلى فض مشكلات وحل معضلات ما كان يقتدر عليها لولا أنه تخرج من مدرسة النبوة التي تفيض بالهدى والرشاد.
وهذا عثمان يرث عن رسوله رقة الطباع ودماثة الأخلاق وشدة الحياء، حتى يستحي من نفسه وهو منفرد متجرد لاغتساله، وحتى يقول فيه الرسول: (أصدق أمتي حياء عثمان).
وإنه ليدخل على الرسول فيستحي الرسول منه، فتسأله عائشة عن سبب ذلك، فيقول: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)؟ وهذا علي يرث عن رسوله زهده وتقشفه، حتى تهون في نظره أعراض الحياة وأغراض العيش ولذائذ الدنيا، فيصرخ في وجه الدنيا قائلا: (يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوقت؟ هيهات، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيهن.
آه من طول الطريق، وقلة الزاد ووحشة السفر)
وهناك ناحية أخرى.

إن القائد يجب ألا ينفرد بالسلطان والمجد، وألا يستأثر بالرأي يستحوذ عليه، أو الثناء يستبد به.
وكم من أناس هيأت لهم الأقدار أن يبلغوا مناصب القيادة والرياسة، فخيل إليهم أنهم قد صاروا في الكون آلهة، وما من إله إلا إله واحد، فلا يقضى أمر إلا بكلمتهم، ولا يوجه مدح إلا إلى ذاتهم، ولا يسبح مسبح إلا بحمدهم وشكرانهم، وإن قلوبهم الحاقدة الحاسدة لتتميز من الغيظ وتتقطع من الغل إذا رأوا شخصا غيرهم فعل مكرمة أو استحق تمجيدا، أو بدأ نجمه في الظهور والسطوع.
وإنهم ليبذلون كل شيء لكي يقضوا على كل نابغ أو ناهض، ليضمنوا البقاء لأنفسهم، وليرضوا شهوة الأنانية المتعمقة في جذور طباعهم.
وأف لزمان تفنى الجماعة فيه ليعيش القائد، وتذل الأمة ليعز فرد على أنقاض أبنائها!. وعلى العكس من ذلك كان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام.
لقد بعث محمد عظمته في صحابته، وشاركهم فيما منحه الله من صفات وبركات، فحفظ للصغير حقه قبل الكبير، وشاور قومه في الجليل والقليل، وأعطى كلا منهم نصيبه في التحية والإكرام، وأظهر تقدير كل عامل، وأعلن شكران كل فاضل، وما من مكرمة جرت على يد صحابي إلا فرح لها الرسول، كأنها جرت على يديه، وهكذا يكون القائد الرحيب الأفق المتفتح القلب النقي الضمير الطاهر الشعور.
وها هو ذا يمجد أصحابه عامة فيقول: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه).
ويقول أيضاً: (أصحاب كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم). ثم ها هو ذا يمجد أصحابه فرادى، فيصف كل واحد منهم بوصف له جماله وبهاؤه، فأبو بكر هو الصديق، وعمر هو الفاروق، وعثمان ذو النورين، وعلي مدينة العلم، وأبن الزبير حمامة المسجد، وسعد بن أبي وقاص مجاب الدعوات، وطلحة بن عبيد الله الشهيد الذي يمشي على الأرض، وأبو عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة، وخالد بن الوليد سيف الله المسلول، وحنظلة غسيل الملائكة، وجعفر بن أبي طالب هو الطيار في الجنة ذو الجناحين؛ إلى غير ذلك من جميل الصفات ورائع النعوت. نستفيد من هذا أن الأمة يجب أن تهتدي بهدى قائدها وراعيها، حتى تتجلى مواهبه في أفرادها ونواحيها، فيصبح كل إنسان عظيما في ناحية أو عدة نواح، فتكثر الأيدي القوية العاملة؛ وأن القائد يجب ألا يكون أنانياً يستحوذ على الفضل والخير كله، بل يقدر العاملين، ويهيئ فرص النبوغ للنابغين، حتى تتبارى الكفايات وتظهر العبقريات (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)! وليس بعد أمة محمد أمة، لأنها خير أمة أخرجت للناس، وليس مثل محمد قائد أو زعيم، لأنه رحمة الله للعاملين، فلم يبق إلا المسير، فمتى يكون؟.
أحمد الشرباصي

شارك الخبر

المرئيات-١