أرشيف المقالات

الثورة المصرية

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 6 - الثورة المصرية 1919 للأستاذ أبو الفتوح عطيفة من 9 - 15 نوفمبر 1951: مسجد وكنيسة: فقد البريطانيون صوابهم وطاشت عقولهم، فأمعنوا في الإثم والعدوان.
لم يكفهم قتل العزل الأبرياء من الرجال والأطفال والنساء؛ ولم يكفهم الاعتداء على المنازل والحرمات ومصادرة الأملاك والاستيلاء على أقوات الشعب.
لم يكفهم هذا كله فضاقوا إثما ليس هناك أفضع منه، وجريمة ليس بعدها إجرام إذ اعتدوا على بيوت الله: ففي 8 نوفمبر اقتحمت قوة مسلحة بريطانية مسجد نفيشة وجعلوا يطئون بنعالهم فرشة الطاهر المعد للصلاة ثم جمعوه وحملوه إلى قطارهم الحربي بعد ما ارتكبوا من الأعمال المنكرة ما تستنكروه أفحش النفوس إفحاشا في الإجرام والوحشية وفي يوم الأحد 11 نوفمبر قامت قوة بريطانية مسلحة بمهاجمة الكنيسة المسيحية بشارع الإسكندرية أثناء الصلاة واعتدوا على من فيها، ولم يكتفوا بذلك بل تربصوا بالمصلين فلما خرجوا بعد صلاتهم انهالوا عليهم بالضرب وراحوا يطاردونهم في الشوارع. وهكذا لم تبق هناك جريمة إلا ارتكبها الإنجليز في منطقة القنال. عزبة فاروق وفايد: وعزبة فاروق هذه منطقة من مدينة الإسماعيلية وقد طلب الإنجليز إخلاءها من سكانها لأنها مثار قلق نظرا إلى موقعها المواجه للمعسكرات البريطانية والخوف من أن تتخذها كتائب التحرير وكرا تثب على القوات البرطانية، ولكن السلطات المصرية رفضت إرغام الأهالي على إخلاء العزبة فقامت قوة بريطانية في 12 نوفمبر بمحاصرة العزبة وطرد سكانها منها.
وهكذا يكون احترام البريطانيين للحريات وللملكيات. وفي فايد قام الإنجليز بهدم أربعة آلاف منزل من منازل العمال المصريين.
ولعلهم يحسبون أنهم بقيامهم بهذه الأعمال الإجرامية يطيلون بقاءهم بمصر.
ألا فليعلموا أن كل جريمة يرتكبونها إنما هي مسمار في نعش الاحتلال. كتائب التحرير: قوات قليلة العدد والعدد، ليست مزودة بالأسلحة، ولكنها مع هذا تقلق بال الإنجليز وتشغل أذهانهم.
يرهبونها إذا أقبل الليل لأنهم إذا ناموا فإن (شياطين الليل) و (الفرق الخفيفة) لا تنام، وإذا أقبل النهار لم يستطع الاطمئنان أن يصل إلى قلوب الإنجليز المسلحين فإن رجال الكتائب لا يغفلون.
إن كتائب التحرير مزودة بسلاح أقوى من جميع الأسلحة.
أنه سلاح الإيمان! وفي ليلة 13 نوفمبر هاجم ثلاثة من الفدائيين بعض المعسكرات المجاورة للسويس ونسفوا وابوراً للمياه فأطلق عليهم الإنجليز نيرانهم وسقط أحدهم شهيدا هو محمد إبراهيم جعفر، فإلى جنة الخلد: لبيك يا مصر: العرب أمة واحدة وجسم واحد، وإذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ومصر قلب العروبة النابض تناضل الممثل الأجنبي، والغاصب البريطاني، ويلقى أبناؤها من مسلمين ومسيحيين أذى وتعذيبا.
وهم في كفاحهم صابرون، ولما يلقون من عنت مستعذبون، وقد وقف العرب جميعا بجانب مصر في محنتها: ففي سوريا سقطت وزارة حسن الحكيم، أسقطها الشعب لأن رئيسها كان يريد أن يقبل مشروع الدفاع الذي عرضته عليه إنجلترا وأمريكا وفرنسا وتركيا، وقد بلغ من غضب الشعب السوري أن حسن الحكيم اضطر إلى حبس نفسه في داخل منزله خوفا على حياته. وأما المملكة العربية السعودية فقد أعلنت أنها لا تستطيع دراسة أي مقترحات للدفاع عن الشرق الأوسط قبل أن تجاب مصر إلى مطالبها كاملة. وأما لبنان فقد أرسلت حكومتها إلى مصر مذكرة تؤيد فيها موقف مصر إزاء بريطانيا، وقد اتخذ البرلمان اللبناني كذلك قرارا بتأييد مصر. واليمن أرسلت مذكرات ثلاث إلى القاهرة تؤيد مصر تأييدا مطلقا. وأما العراق فقد أرسل رئيس وزرائها إلى ممثلي حكومات إنجلترا وأمريكا وفرنسا وتركيا مذكرة هذا نصها: (إن الحالة الراهنة في مصر والقلق الذي يسود المصريين وارتقاب العرب في أقطارهم ما يجري في البلد الشقيق ومشاركتهم شعور إخوانهم سيؤدي إلى مشاكل في الشرق الأوسط ليست في مصلحة شعوبه ولا تحفظ الأمن والسلام الدولي في هذا الركن من العالم؛ فلابد من النظر في المطالب المصرية وحسم قضيتها بما يضمن حقوق مصر وسيادتها الكاملة، إذ سيتعذر في الجو الذي يسود البلاد العربية الآن البحث في المقترحات الخاصة بميثاق الدفاع عن الشرق الأوسط؛ فلابد من حل الأزمة المصرية البريطانية قبل ذلك.
على أن البت في المقترحات يحتم التشاور مع البلاد العربية!! وكذلك وقفت الهند والباكستان تؤيدان مصر فأعلنتا بلسان صحافتهما (أن استمرار وجود البريطانيين في منطقة قناة السويس وفي السودان هو في نظر المصريين اعتداء وأي اعتداء) وأن (بريطانيا باستخدامها قواها المسلحة قد ارتكبت خطأ فاحشاً قد يكلفها فقدان البقية الباقية من نفوذها المضعضع في الشرق) 13 نوفمبر 1951: احتفلت مصر بعيد الجهاد الوطني من أقصاها إلى أقصاها: ففي الإسكندرية قامت مظاهرة صامتة اشتركت فيها جميع الهيئات والطبقات، وكان عدد المشتركين يزيدون عن ربع مليون نسمة من رجال وسيدات، وكان المتظاهرون يحملون لافتات تعبر عن مشاعرهم الوطنية وعزمهم الوطيد على الجهاد والتضحية في سبيل إخراج المحتلين الغاصبين من أرض وادي النيل. وفي القاهرة احتفلت الأحزاب جميعا بعيد الجهاد: فأعلن الوفد المصري بلسان زعيمه مصطفى النحاس باشا استمساكه باستقلال وادي النيل وحريته وجلاء الغاصب عن أرض الوطن بجيشه المحتل، ووحدة الوادي تحت تاج الفاروق المفدى، وأن مصر قد أقدمت على إلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتي 1899 وهي تعلم أن في وسع الإنجليز أن يعتدوا وأن يرتكبوا ما ارتكبوه من إثم ومناكر، ولكنا مؤمنون مع هذا بأن للحرية ثمنا يجب أن تدفعه وفدية لابد من تقديمها (ودعا الشعب إلى الكفاح) فالكفاح الكفاح، والجلاء الجلاء، والصبر الصبر، والمقاومة المقاومة، فلا تردد بعد اليوم ولا مسالمة، ولكن إقدام دون إحجام، إلى الأمام إلى الأمام)
واحتفل مكرم عبيد باشا بعيد الثورة فألقى خطابا رائعا اختتمها بقوله (نحن إخوان بلادا، ولكن الأخوة الحقة هي التي تجمعنا اليوم جهادا، وقد تجمعنا غدا استشهادا، وإذا ذكرتم فاذكروا على الدوام الدرس الذي علمتنا إياه الثورة، وهو أن النار التي تحرق، هي النور الذي يشرق، فليزدهم الشيطان نارا وفجورا، ليزيدنا الله فوق نورنا نورا). واحتفل الأحرار الدستوريون بعيد الجهاد، وأعلن رئيسهم الدكتور محمد حسين هيكل باشا تأييد للحكومة في موقفها قائلا: (فلنعاهد الله والوطن على الاستعانة بكل تضحية.
.
وأن الوزارة هي المسئولة فيجب أن ننفذ أوامرها جميعا لمصلحة البلاد)
وهكذا تجلت وحدة الشعب المصري في وقوفه أمام الغاصب الأجنبي، وأن الوحدة الرائعة ستكون العامل الأكبر في انتهاء الاحتلال وتحقيق وحدة وادي النيل إن شاء الله. 14 نوفمبر 1951: إذا كان يوم نوفمبر هو عيد الجهاد فإن يوم14 نوفمبر هو عيد الشهداء، وقد احتفلت به مصر في هذا العام فكان احتفالها به أروع احتفال.
لقد سجل التاريخ هذا اليوم من أيام مصر في أبرز صفحاته. أرادت مصر أن تحيى ذكرى شهدائها الأبرار فقررت القيام بمظاهرة صامتة يشترك فيها المواطنون على اختلاف طبقاتهم وهيئاتهم وأحزابهم.
ومنذ الصباح الباكر أخذ طوفان من البشر يتجمع في ميدان الإسماعيلية ليشترك في هذه المظاهرة، وقد بلغ عدد من سار في المظاهرة نحو مليون نسمة، ومن شهدها نحو مليون آخر، فكانت أكبر مظاهرة شهدتها مصر. وقد كانت هذه المظاهرة استفتاء صادقا لشعب مصر؛ وواقعا ملموسا تراه العيون وتبصره وتلمسه وتحسه.
وزاد في روعة المظاهرة اشتراك المصريين جميعا فيها، إن لم يكن بأجسامهم فبأرواحهم وقلوبهم، وكذلك اشتراك الزعماء ووقوفهم صفا واحدا: مصطفى النحاس.
مكرم عبيد.
محمد حسين هيكل، وغيرهم. وكذلك كان سير شيخ الجامع الأزهر بجوار غبطة البطريرك والعلماء ورجال الدين المسلمين والمسيحيين، دليلا ماديا على وحدة شعب وادي النيل. وقد كانت المظاهرة صامتة ومع هذا فقد كان صمتها أقوى من قصف المدافع، وكانت اللافتات التي يحملها المتظاهرون تعبر في صدق عما تجيش به صدور شعب من معان وأماني، كان من بين هذه اللافتات ما يقول: إرادة الشعب تسحق الاستعمار - ماء النيل حرام على الإنجليز - العرب أمة واحدة - الوادي صف واحد ضد الغاصب - النيل على رقاب الإنجليز، هذا في مصر؛ ولكني أحب أن أثبت أيضاً أن الأقطار الشقيقة قد احتفلت بيوم الشهداء احتفالا رائعا أيضا؛ فعطلت المتاجر وقامت المظاهرات في دمشق وفي بغداد وفي بيروت وفي سائر البلاد العربية، وكلها تعلن تأييدها لمصر.
إن هذا اليوم لم يكن يوم مصر فقط؛ ولكنه كان يوم العروبة الصادقة. حيا الله العرب! 9 مارس 1919: اعتقل سعد وأصحابه في 8 مارس فسرى نبأ اعتقالهم في البلاد سريان البرق فشبت نيران الثورة المصرية 1919 بدأت الثورة بمظاهرات سلمية قامت في القاهرة نظمها بعض طلبة المدارس والأزهر الشريف، فأخذ يطوفون الأحياء وكانوا يسيرون بكل نظام تتقدمهم الأعلام المصرية منادين بحياة مصر والحرية، وبسقوط الحماية وطلب إعادة المنفيين. وقد تصدى رجال البوليس للمظاهرة وفرقوا شملها وقبضوا على 300 طالب وحبسوهم بالمحافظة، ونقلوهم ليلا إلى القلعة. كان يوم 9 مارس إذن بدء الثورة. وفي 10 مارس أضرب جميع طلبة المدارس الثانوية والعالية وطلبة الأزهر عن تلقي دروسهم وأعلنوا الإضراب العام وألفوا مظاهرة كبرى وشاركهم فيها أفراد الشعب، وقد سار الجميع في روعة ومهابة ينتقلون من شارع إلى شارع، مارين بدور المعتمدين السياسيين، هاتفين بحياة مصر وحريتها واستقلالها ومنادين بسقوط الحماية. وقد حدث من بعض المتظاهرين اعتداء على قطار الترام وعلى بعض المحلات المملوكة للأجانب وحطموا بعض مصابيح الشوارع.
وقد أدى هذا إلى استياء الطلبة فأذاعوا على مواطنيهم نداء طلبوا منهم فيه الإقلاع عن هذا العدوان؛ وأبدوا أسفهم لما حدث. وقد سقط في هذا اليوم أول شهيد في الثورة.
.
سقط نتيجة لطلقات نارية أطلقها الجند الإنجليز على المتظاهرين. وفي 11 مارس استمر إضراب الطلبة وأضرب عمال الترام وسائقو السيارات بل والحوذية، فتطلعت المواصلات في سائر أنحاء القاهرة، وأغلق التجار متاجرهم وتجددت المظاهرات وكثرت في جميع أنحاء المدينة. وأصدر القائد العام للقوات البريطانية قرارا بمنع المظاهرات (وكل شخص يخالف هذا الأمر يحاكم بصفة مستعجلة.) وتعقب الجند الإنجليز المتظاهرين وأطلقوا عليهم النار، وكان أول اصطدام بين الفريقين فوق جسر شبرا وفي شارع عماد الدين. على أن هذا العدوان لم يزد المتظاهرين إلا ثباتا وحماسا، وكان أروع ما شوهد في هذه المصادمات أنه إذا سقط حامل العلم في مقدمة الموكب مضرجا بدمائه برصاص الإنجليز تقدم من خلفه طالب وتسلم العلم من يد القتيل مناديا بأعلى صوته: (ليحيى الوطن! لتحيى مصر! نموت وتحيا مصر!) فيردد إخوانه هذا النداء؛ وكان هتافهم يدوي في عنان السماء فتخر له القلوب سجدا وينهمر الدمع تأثرا. وكان ثبات الطلبة وتضحياتهم في سبيل الوطن مثلا من أروع الأمثلة ودليلا من أقوى الأدلة على حب المصري لوطنه واستعذابه للتضحية في سبيله.
كان آخر هتاف للشهداء (نموت وتحيا مصر.) كان الضحايا يسقطون ولكن المظاهرة تستمر في سيرها ولا تلقى بالاً إلى العدو ولا تهتم برصاصه، وهكذا يكون الثبات وتكون التضحية.
وقد سقط في هذا اليوم ستة من الشهداء حسب بلاغ السلطة، وكان عدد المصابين واحدا وثلاثين منهم 22 إصابة بنيران البنادق. وفي هذا اليوم 11 مارس أضرب المحامون عن مزاولة أعمالهم بناء على قرار أصدره مجلس نقابتهم. ورغم إنذار السلطة ورغم استخدام القوة الغاشمة ضد المتظاهرين ظلت المظاهرات قائمة: فقامت مظاهرات في يومي 14 , 13 مارس في أنحاء القاهرة المختلفة: في الحلمية والغورية. وفي يوم الجمعة 14 مارس تجددت المظاهرات وتجدد اعتداء والظاهر وشبرا والأزهر. الجنود الإنجليز على المتظاهرين، وكان أكبر العدوان فظاعة ما وقع في حي الحسين، فبينما كان المصلون خارجين من مسجد الحسين جاءت سيارتان مدرعتان وأطلقا النيران على المصلين من غير تحقيق أو إنذار، وبلغ عدد القتلى أثنى عشر قتيلا، وأما الجرحى فبلغ عددهم أربعا وعشرين. ووقعت مظاهرتان أخريان في شارع الملكة وفي حي السيدة زينب، وقتل فيهما ثلاثة عشر قتيلا وجرح سبعة وعشرون وهكذا نجد قصة الاحتلال في مصر.
عدوان في عدوان، وإثم في إثم، ودماء تسفك دون ذنب. أبو الفتوح عطيفة

شارك الخبر

المرئيات-١