أرشيف المقالات

أندريه جيد

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 الأديب العالمي الكبير للأستاذ خالص عزمي إن فكري لا يتجه إلا إلى التنظيم، وإلى البناء.

ولكنني لا أستطيع بناء أي شئ إذا لم أختبر المواد التي أبني بها الأفكار المعترف بصحتها.

والمبادئ لا يقبلها فكري ما لم يعترف بصحتها.

وأنا بعد أعلم أن أكثر الألفاظ رنيناً أكثرها فراغاً.
.
إنني أرتاب في الخطباء من ذوي الفكر الصحيح، من الرسل الأدعياء.
ولا أنفك أهتك النقاب عن مضمون جعجعتهم (أندرية جيد) في ليلة الأربعاء العشرين من شهر شباط المنصرم: روع العالم واهتزت الأوساط الأدبية لوفاة الكاتب العالمي الكبير (أندرية جيد) وهو لا يزال جزيناً على موت الأديب الأرلندي الشهير (جورج برناردشو) وفي هذا المقال نقدم كاتبنا الكبير في صورة صحيحة خالية من الرتوش، مستوحين تلك الصورة من عالمه الذي كان يعيش فيه، ومن مقالاته ومؤلفاته التي كان ينشرها على العالم في عام 1869 ولد طفل يبدو على سيماء الذكاء وتبرق على جبينه العبقرية والدهاء.
كان يعيش كما يعيش غيره من أبناء فرنسا في ذلك العهد: فترعرع في جو يسوده عدم الاستقرار وتطفي عليه أصوات الاضطرابات، ولم تكن الحال هكذا الجو الخانق والحياة المرتبكة راح (الطفل) أندرية يواصل دراسته حتى بذ جميع لأقرانه مما أوجب اهتمام المدرسين الذين كانوا يشرفون على سير دراسته! وعندما التحق جيد بالمدرسة الثانوية لمواصلة دراسته ظهرت فكرة العبقرية التي كان يتحدث بها أساتذته أكثر وضوحاً وتركيزاً.
فقد برزت علامات النبوغ ومخايل الذكاء عليه حتى أصبح مثلاً يضرب فيه! وبقي جيد ينهل من العلوم المختلفة والآداب قديمها وحديثها ومن اللغات زمناً غير قصير، استوعب خلاله ثقافة واسعة شاملة كان بها عارفاً لفلسفة اليونان وفلسفة العصر، بالإضافة إلى ما ذكر من العلوم والآداب.
ومن الطريف الذي يذكر عن (جيد) أنه هوى الشعر ردحاً من الزمن إذ راح يجول بخياله فيه؛ فنظم قصائد تعد من القصائد الجيدة في بابها آراؤه: يعتبر (أندريه جيد) من العباقرة الذين يمكن أن نطلق عليهم (العباقرة الشواذ): إذ لا تراه إلا قلق التفكير لايعرف الاستقرار ولا يطلب الهدوء، ولم تكن هذه الحال بقصيرة العمر عنده؛ بل كانت ملازمة له بالرغم عنه: ولهذا السبب نراه يتخذ من قوله الشهير دستوراً له في الحياة حيث كان ينادي دائماً: (إن كل توكيد حتى لو صدر عني ينشئ في نفسي على الفور الجواب الذي أنكره) من قوله هذا يتبين أنه حتى على أقواله لايثبت، بل ينقضها متى شاءت إرادته لقد طلعت آراء (أندريه) ومبادئه على العالم يوم نشر أول مؤلف له.
.
المؤلف الذي أحدث ضجة في وقته وقد كان عنوان ذلك الكتاب (مذكرات أندريه والتر) وذلك في عام ذ891 إذ ذاع صيته وسطع نجمه في عالم الأدب العالمي.
.
ثم والى (أندريه) بعد مؤلفه هذا النشر ولم يكن في هذه المرة كتاباً؛ بل كان يمطر الصحف بمقالات وقصص وقصائد تحمل مبادئه وآراءه.
.
وكان هدفه من ذلك أن يدفع الشباب نحو ما يطلق عليه (بالضمير العقلي والثقافي)! وقد يكون قوله الشهير الذي سنذكره مبدأ مستقلاً بذاته وفيه يبرز (أندريه) اعتداده فيه أنه لا يكتب إلا إلى فئة قليلة هي التي تفهمه؛ وحتى تلك الفئة قد لا يتصورها جيد بتاتاً.

إذا يا ترى لمن كان يكتب - جيد) إنه يجيب على ذلك بقوله الذي تحدثنا عنه (إن الذين سيفهمونني لم يولدوا بعد، وإنني أكتب للأجيال القادمة)! ومن معتقداته أنه يرى أن عمل هذا الشخص لا يدل إلا على طريقة فاشلة من طرق اغتنام الفرص.
وهو يقول بأن مثل هذه الحالة هي الخطيئة بعينها، لأن الشخص سيخضع فكرة وآراءه للظروف التي تصطدم به ولا يحركها هو!! ولهذا فقد كان (جيد) لا يحب الناس الذين تخلقهم الصدفة والمناسبة، بل كان يحب الذين يعيشون عظاماّ ويموتون عظاماً.

لا لأن المناسبة قد أوجدت لهم تلك العظمة، بل لأنهم حقيقيون يعيشون للواقع، ولهذا كان يجل العالم الألماني الشهير (نيتشه) وكذلك الكاتب الروسي اللامع (دستوفسكي) حيث كان يعتقد فيهما أنهما من الأحرار الذين لا يقيدهم خوف أو شفقة أو حياء!! لقد قلنا إن (جيد) كان شاذاً قلق الفكر لايستقر على مبدأ حتى يخرج إلى مبدأ آخر والدليل على ذلك.
.
أنه رفع البلشفية بوصفه لها بمقالات عدة نشرها على العالم، إلى طبقة الحرية المثالية أو النظام الأكمل.
ولكنه لما دعي لزيارة روسيا وعاد منها بعد زيارته لها ذمها ذماً شديداً وقذفها قذفاً قد يصل إلى أشنع الهجاء، وهذا يدل على عدم الاستقرار الفكري الذي تحدثنا عنه! ثم هذا دليل آخر على قلق المبادئ عنده؛ وهو أنه مال إلى الرمزيين في إبان شبابه وبدأ يدعو الناس إلى اعتناق مبادئهم، ولكنه ما بين عشية وضحاها تركهم نهائياً لأنه رأى أن عنصر التشاؤم يتغلغل في نفوسهم ويكون عندهم حجاباً حالك الظلام يفصل بين أرواحهم وبين الأمل المنشود كان جيد يكره التشاؤم ويعتقد فيه الضعف، وأن الشخص الذي يتشاءم من الحياة إنما هو إنسان ضعيف الإحساس حائر الفكر، لأنه يرى في التشاؤم محاربة للواقع واحتقاراً للحياة! وكان يكره الرمزيين - أخيراً - لأنه وجد فيهم عدم توصلهم إلى مذهب ثابت حقيقي، أو عدم تملكهم الفكرة أو المبدأ الفلسفي الصحيح! نعم قد يكون له هذا الحق لو كان ثابتاً على مبدئه.
.
ولكنه راح يناقض نفسه للمرة الثالثة حيث برز هذا التناقض في صورة حبه وتقديسه لمبدأ - شوبنهور - ولشخصه، بينما نحن نعرف أن شوبنهور كان أولئك المتشائمين في الحياة! إذن لماذا كان يقدسه (جيد)؟! وكذلك نرى أنه كان يكره - هيجل - لأنه كان الشخص المفضل من قبل أصحاب المذهب الرمزي، وجلهم من الشعراء! وقد تثبت هذه النظرة على (جيد) أكثر تركيزاً في ناحية بغضه للرمزيين وكتابته في الأدب الرمزي ونظمه في الشعر الرمزي.
وكذلك نحن نعرف أن - جيد - كان واقعياً بينما نجده في نفس الوقت يكتب في الفلسفة الخيالية.
.
إذن ما هو سر هذا التناقض؟ أن سر التناقض عند (جيد) هو (العبقرية) ولا نضيف كثيراً على ذلك سوى أن تقول إن المبادئ التي دفعت (جيد) إلى الواقعيات في الأمور هي التي جعلته أقرب الأدباء العالميين إلى نفوس العرب وأكثرهم تحليلاً لمشاكلهم أسلوبه وكتبه: كان أسلوب (جيد) رائعاً جزلاً بشهادة الكثيرين، ولم يكن سبب ذلك أن جيد كان يجيد البيان في اللغة الفرنسية فحسب، بل لأنه كان يخلق التعابير الجديدة الرائعة فيصوغها بأسلوب جذاب دقيق وهو يشبه كل الشبه في لغته وأسلوبه أسلوب معالي الدكتور طه حسين باشا عميد الأدب العربي.
.
ولذلك كانت نفسيته بالنسبة للأدب والأسلوب والمعنى والبيان مطابقة لنفسية جيد الأدبية ومدى تذوقها للبيان السلس والجذل بنفس الوقت إن جيد كان يميل في أدبه إلى النثر أكثر من الشعر، وكان يعتقد فيه أنه خير من الشعر بكثير، وهذا ما أوضحه في مؤلفه المشهور (لو كانت بذرة لا تموت) وأهم ما يوصف به أسلوب جيد ويتميز به أنه رفيع السبك، يحلل الشخصية تحليلاً دقيقاً، وبصور الجانب إنساني منها ثم يصور الحالات الأليمة أبرع تصوير ولكنه مع كل هذا غامض مبهم لا يفهمه إلا من تعمق في آرائه ومعتقداته، ودرس كتبه ومقالاته درساً وافياً ولقد كان (جيد) يميل إلى كتابة القصة القصيرة أكثر من ميله إلى القصة الطويلة، ولكنه مع هذا قد قدم إلينا أكثر من قصة طويلة ولو أنها كانت خارج استعداده وميوله (كما يقولون)! إن أهم مؤلفات (جيد) هي ما كانت تدور حول النواحي القصصية والروائية: وقد تكون أشهر كتبه التي طلع بها على العالم هي: 1 - السمفونية الريفية 2 - الباب الضيق 3 - مذكرات أندريه والتر 4 - لو كانت بذرة لا تموت 5 - أوديب وتسيوس وقد فاز أندريه جيد بجائزة نوبل العالمية لفرع الآداب 1947، فاتحه إليه نظر الأدباء والمثقفين حيث راحوا يوالون درس مؤلفاته ومقالاته.

حتى أن الدكتور طه باشا حسين وتوفيق بك الحكيم كتبا عنه مقالات شاملة بينا فيها مقدرة (جيد) الأدبية ومنزلته العلمية وعلمه الفريد ولقد كتب عنه الأستاذ نزيه الحكيم وترجم له كتاب (الباب الضيق) فجاء تحفة نادرة سدت فراغاً في المكتبة العربية وجيد بعد كل هذا بيناه، صريح كل الصراحة.
حتى أنه لا يعتر به الخجل وهو يسرد قصة حياته الخاصة عن طريق مؤلفاته، ذاكرا فيها كل شئ عما قام به من مغامرات شخصية وعلاقات دارت حوادثها مع الزمن في إبان شبابه، وبصورة واضحة مع فتيات باريس اللواتي كن ينظرن إليه نظرات الإعجاب والإكبار! أو كما يقول أحد الأدباء في وصف ما قاله جيد عن حياته الخاصة (يجمل بالشباب أن يتجنبوا قراءتها)!! وجيد مع ذلك كان يكره الحب الجسدي ويعشق الروح لأنه أسمى عنده وأثبت، وشذوذه من هذه الناحية جنى عليه حتى حرمه من دخول الأكاديمية الفرنسية التي تضم أربعين شخصية خالدة هذا هو أندريه جيد الكاتب الفرنسي الشهير الذي توفى ليلة الأربعاء في العشرين من شباط بعد أن بلغ الحادية والثمانين من العمر.

قضاها في سبيل الرفع من قيم الإنسانية المعذبة بغداد خالص عزمي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣