أرشيف المقالات

في مفرق الطرق

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 للأستاذ سيد قطب (من كتاب السلام العالمي والإسلام يصدر بعد أيام.
.)
تقف الكتلة الشيوعية اليوم في جانب، وفي الجانب الآخر تقف الكتلة الرأسمالية، وتحاول كلتاهما أن تستدرج البقية الباقية من العالم إليها؛ وأن تستخدم في المجزرة موارد هذه البقية، مواردها البشرية والاقتصادية ومواقعها الإستراتيجية. فأما الكتلة الرأسمالية بقيادة أمريكا فتستخدم عدة وسائل لهذه الغاية: تستخدم أولاً عامل التخويف للرأسمالية في كل أنحاء العالم - وبخاصة العالم العربي - من الشيوعية التي تزحف يوماً بعد يوم، وتناشدهم المصلحة المشتركة بينهم وبينها؛ وتلجأ في ذلك إلى المحالفة الطبيعية بين الرأسمالية المحلية والرأسمالية العالمية. وتستخدم ثانياً الضغط المسلح في البلاد الواقعة في رقبة الاستعمار المباشر وغير المباشر، كما هو الشأن في مجموعة البلاد العربية. وتستخدم ثالثاً إغراء الدولار تحت عنوانات كثيرة، منها ذلك العنوان الجديد الذي خلف مشروع مارشال، وهو عنوان: (النقطة الرابعة) في مشروع ترومان! وهي على العموم تخاطب الطبقات الحاكمة والمستغلة، ولا تعتمد كثيراً على الجماهير الكادحة؛ لأن مصالح هذه الطبقات معلقة بانتصار الكتلة الرأسمالية، وتبذل جهوداً ضخمة في هذا السبيل دون أن تلقى بالاً إلى مطالب الشعوب القومية، لفرط ثقتها بالطبقات الحاكمة والمستغلة، ويقينها أن هذه الطبقات لا تعادي الاستعمار عداء حقيقياً في سبيل مطالب شعوبها القومية.
.
وسيظل موقفها كذلك إلى أن تتولى هذه الشعوب قضاياها بأنفسها؛ وتبرهن على أنها لا تستنيم لشعوذات المشعوذين من زعمائها وكبرائها، وأنها معتزمة أن تسبب للاستعمار وللجبهة الرأسمالية متاعب حقيقية، وتعرض مصالح هذه الجبهة وجيوشها لأخطار حقيقية.

وعندئذٍ فقط تفكر الكتلة الرأسمالية الاستعمارية في الإنصات لصيحات هذه الشعوب. إن هذه الكتلة تريد أن تضمنا إليها لتستطيع أن تجند من العرب وحدهم مليوناً - كما ورد في بعض البرقيات - ثم لتتخذ من بترولنا ومواردنا الغذائية، ومواقعنا الإستراتيجية عدة للنصر في المذبحة العالمية المنتظرة وبخاصة بعد تلك الصفعة القاسية التي أصابتها في إيران، وما تزال تترنح منها. ولقد قيل في الحرب الماضية: إن الحلفاء كانوا يطهرون حقول الألغام أحياناً في الصحراء الغربية بإطلاق الجمال والبغال فيها، فإذا عزت عليهم الجمال والبغال أطلقوا زنوج المستعمرات الأفريقية، يطهرون بأشلائهم المتطايرة حقول الألغام! وسواء صح هذا أم لم يصح، فإن وظيفة جند المستعمرات كانت دائماً هي تطهير حقول الحرب، وتمهيدها للسادة البيض، واحتمال الصدمة الأولى في المعارك الحامية. وفي الحرب الكورية الحديثة نلقى الألاي التركي الذي ذهب إلى هناك نفس المصير، وقام بنفس الدور، ولن يكون مصير المليون من الخراف العربية التي سيقدمها السادة هنا لحلفائهم الطبيعيين، إلا كمصير جند المستعمرات، ومصير الألاي التركي، في الحرب القادمة، إذا قدر لها أن تهيج! .

وأما الكتلة الشيوعية فتخاطب الجماهير الكادحة، تخاطب الملايين التي تنتج كل شيء وتجوع، تخاطب المعدات الخاوية والأجساد العارية، تخاطب الضحايا التي طال عليها الإهمال، وطال عليها الحرمان، فأصبحت تستجيب لكل من يلوح لها بالرغيف، وكل من بعدها الخلاص من الترف الفاجر الداعر الذي تزاوله على مرأى منها ومسمع فئة قليلة العدد، فاحشة الموارد، بينما الشظف الكافر السافر يجعل هذه الملايين الكادحة حطاماً، ثم يفتت ذلك الحطام! وهي تستخدم كذلك أخطاء الاستعمار وجرائمه؛ ورغبة الشعوب المستعبدة في إلقاء هذا النير عن أعناقها، والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يغتصبها الاستعمار الفاجر الآثم، بمعاونة الخونة من المستغلين في هذه البلاد، كما تستفيد من مقاومة الصليبية الغربية، والرأسمالية المحلية لكل دعوة إسلامية حقيقية، وكل عدالة اجتماعية إسلامية. وعلى أية حال فإن كلتا الكتلتين تحاول أن تلقى في روع البقية الباقية من العالم، أن ليس للبشرية كلها إلا أن تسلك طريقاً من طريقين، وأن تنضم إلى كتلة من الكتلتين، وأنه لا مفر من أن تنتصر الجبهة الغربية، أو أن تنتصر الجبهة الشرقية، ليسود السلام، وتنعم البشرية بالأمن، وتصل الإنسانية إلى استقرار؛ وأن انضمام البقية الباقية من العالم هو السبيل الوحيد لتغليب إحدى القوتين على الأخرى بصفة حاسمة، لإنهاء حالة القلق والتأرجح والاضطراب.
. فأين وجه الحق في هذه الدعوى، وأين وجه المصلحة القومية والمصلحة الإنسانية في هذا الادعاء؟ إنه ليس من مصلحتنا نحن ولا من مصلحة الإنسانية أن تغلب الآن إحدى الكتلتين على الأخرى وتمحوها من الوجود محواً؛ فنحن في دور استكمال وجودنا الطبيعي في الحياة، واستنقاذ مصالحنا المغصوبة بأيدي المستعمرين، ليس من مصلحتنا أن تهزم الجبهة الشرقية هزيمة نهائية، ولا من مصلحة الإنسانية كذلك وإن وجود هذه الكتلة بهذه القوة في هذه الفترة لهو إحدى الضمانات لنا لنستخلص هذه الحقوق يوماً بعد يوم؛ كما أنه الضمانة المؤقتة للبشرية ألا تسيطر عليها قوى الاستعمار الجائر الغاشم الظالم.
.
وإذا كان فينا من يحسن الظن بأمريكا، ويظن أن سيطرتها ستحد من شرة الاستعمار، فلينظر كيف تقف أمريكا في صف هذا الاستعمار، وكيف تمده بقوة الحديد والنار عند الاقتضاء، على أنني أعيذ البشرية أن يستبد بها الصلف الأمريكي السخيف، الذي لا يقاس إليه الصلف البريطاني ذاته في أرض المستعمرات.
إن عداوة الأمريكي للملونين عداوة كريهة بغيضة؛ وإن احتقاره للملونين لتهون إلى جانبه تعاليم النازية؛ وإن صلف الرجل الأبيض في أمريكا ليفوق كل ما كانت تتصوره الهتلرية، وويل للبشرية يوم يوقعها سوء الطالع في ربقة هذا الصلف الأمريكاني بلا قوة في الأرض تخشى ويعمل لها حساب! كذلك نحن في حاجة مؤقتة إلى وجود القوة الشيوعية في الأرض، لتخويف الطغاة والمستغلين، واسترداد حقوق الجماهير المسلوبة، في ظل هذا التخويف! وإننا لندين لوجود هذه القوة بالشيء الكثير من مشروعات العدالة الاجتماعية الضئيلة التي تحاولها السلطات في هذه البلاد، ولولا الخوف من الشيوعية ما تم منها كثير ولا قليل! ولكن هذا كله ليس معناه أنه من الخير لنا وللإنسانية أن ينتصر المعسكر الشرقي انتصاراً حاسماً كاملاً، وأن يتحقق ذلك الحلم الشيوعي الواهم، ويدين للشيوعية الجميع. إن هذا المعسكر لا ينبغي لنا الخير، ولا يطيق أن تكون لنا فيه كرامة، أنه يريدنا جنوداً له أو عبيداً، لا أن يكون لنا وجود ذاتي وكيان محترم.
ولقد دلتنا تجربة فلسطين على حقيقة ما تضمره لنا روسيا الشيوعية، لقد وقف منا موقف العداء في مجلس الأمن، كما أن أسلحة الكتلة الشيوعية لليهود هي التي وقفت في وجوهنا بفلسطين، ذلك أن روسيا كرهت أن يكون للأمة العربية كيان، وأشفقت أن تستحيل الكتلة العربية قوة حقيقية تستعصي على السيادة الشيوعية في المستقبل، فآثرت أن تتبخر كل دعاواها في حقوق الشعوب الطبيعية، وأن تخسر أساساً من أسس دعايتها ضد الاستعمار، وأن تسمح بقيام دولة إسرائيل على أساس الدين وحده - وهو أكبر ما تنكره الشيوعية - آثرت ذلك كله على تقوية الكتلة العربية، وضربتها تلك الضربة القاسية المنكرة، لتقوم إسرائيل في جنبها كالشوكة؛ تمزق وحدتها الجغرافية، وتفصل حدودها المتصلة، وتحرمها التماسك والقوة والشخصية.
إن روسيا عدوة وحدتنا وقوتنا ووجودنا الذاتي، وكل ما تلوكه ألسنة دعايتها هو مجرد أسلحة في صراعها مع الكتلة الغربية، كدعاية هذه الكتلة ضدها سواء بسواء. إنه لا بأس في نظر الشيوعية الروسية أن تأبى على الكتلة الغربية في استخدام مواردنا في الحرب ضدها.
أما أن يكون لنا كيان ذاتي، وقوة شخصية، ووجود قومي فلا! وإن دعاتها في بلادنا ليفزعون كما لو كانت قد لدغتهم أفعى، إذا سمعوا دعوة للتكتل الذي يوجد لنا شخصية قومية، إنهم لا يريدوننا إلا ذيولاً ذليلة تنعق بالشيوعية، وتؤدي لها التسهيلات الممكنة في أرضنا حين يستمر القتال! وهو وضع تأباه علينا كرامتنا، وتأباه علينا مصالحنا، بل يأباه مجرد الشعور بأننا أناس، لا سوائم ولا أشياء! والشيوعية قد يكون لها اليوم لألاء في عيون الكادحين المحرومين، الذين تصاغ دماؤهم يواقيت للنحور والصدور، ويقطر عرقهم كؤوساً للسكارى والمخمورين.
.
ولكن تصور البشرية كلها نسخاً مصبوبة في قالب الشيوعية الواحد، لا يسمح لفكر واحد فيها أن يشذ، ولا لقلب واحد فيها أن ينبض بخالجة لا يرضاها ستالين.
.
هذا التصور وحده تقشعر منه الأبدان، ويشفق من تحققه كل إحساس آدمي سليم! على أن طبيعة الحياة تأبى الانتصار الكامل الحاسم لقوة واحدة من هاتين القوتين الماديتين اللتين لا يفرق بين طبيعتهما إلا اختلاف المصالح والمطامع.
وإن الهزيمة لتنبت في زحمة النصر، كما أن النصر ينبت في ركام الهزيمة، وها نحن أولاء نرى أن الخلفاء الذين بذلوا ما بذلوا ليقهروا ألمانيا واليابان؛ ينحنون اليوم على الحطام والأشلاء ليستنقذوا منها المارد الذي صرعوه بالأمس، كي يستعينوا به على المارد الجديد.
.
نفس الذي فعلوه بعد الحرب العالمية الأولى، ولئن انتصروا غداً على الجبهة الشرقية، فليواجهن ألمانيا من جديد، ولئن انتصرت الشيوعية فلينبتن لها عدوها من ذات نفسها، من الضغط والكبت اللذين لا تطيقهما البشرية طويلاً.
وقد بدأت يوغسلافيا حتى قبل المعركة، وسيتبعها التشقق في المعسكر الشيوعي لنفس الأسباب، أو بسبب الجمود والتوقف الناشئين من صب البشرية كلها في قالب واحد، تسيطر عليه فكرة واحدة، لا تسمح بأي تطور بعد مرحلة الشيوعية التي نعدها ختاماً للحلم الماركسي لا تتعداه! وإنها للعنة لا تصاب بها الإنسانية إلا وقد أريد بها شر عظيم. إنه لمن السذاجة أن نتصور أننا نستطيع أن نجني ثمار السلام العالمي من وراء اصطدام هاتين الكتلتين الضخمتين في حرب حاسمة أخيرة، ولقد كان الطيبون الأبرياء في العالم يتخيلون هذه الثمرة الحلوة يانعة بعد كل من الحربين الماضيتين، فلم تطلع شجرة الحرب إلا ثمرات مرة، تجرعها هؤلاء الطيبون الأبرياء، وكان الجني الحلو كله للطغاة والمستغلين، من الشرقيين أو من الغربيين إن طريق الخلاص للبشرية المنكودة الطالع لن يكون هو الانضمام إلى هذا المعسكر أو ذاك، ليسحق أحدهما الآخر سحقاً ويخلو له وجه العالم، ويسيطر عليه وحده، ويسيره كما يريد. إن المعركة في صميمها ستدور في أرض غير الكتلتين، ستدور في تركيا والعراق وسورية ومصر والشمال الأفريقي، وفي باكستان وأفغانستان، وفي منابع البترول العربية في عبادان والظهران.

إنها ستدمر مواردنا نحن، وتحطم حياتنا نحن، وتدع أرضنا بلقعاً خراباً يباباً، وسواء علينا انتصرت هذهأم انتصرت تلك، فسنخرج نحن من المعركة فتاتاً وحطاماً، لا كما خرجت أوربا من الحرب الماضية، ولكن كما لم تخرج أمة من حرب قط، وإذا كانت هيروشيما قد ذهبت مثلاً بقنبلة ذرية صغيرة، فسنكون نحن تلك الفئران الصغيرة لتجارب القنابل الذرية؛ والقنابل الهيدروجينية، وغاز الموت الزاحف، وأشعة الموت السحرية، وحرب الميكروبات الطائشة، وسائر ما يتمخض عنه الذهن الكافر في دنيا الضمير الغربي الملوث. إن طريق الخلاص هو أن تبرز إلى الوجود من أرض المعركة المنتظرة كتلة ثالثة تقول لهؤلاء: لا! لن نسمح لكم بأن تديروا المعركة على أشلائنا وحطامنا.
إننا لن ندع مواردنا تخدم مطامعكم، ولن ندع أجسادنا تطهر حقول ألغامكم، ولن نسلمكم رقابنا كالخراف والجداء! إن هذا وحده هو الذي يعيد إلى الأدمغة المحمومة شيئاً من الهدوء، والى الخطوات المجنونة شيئاً من الاتزان، ثم يشعر هؤلاء وهؤلاء أن في هذه الرقعة الفسيحة الضخمة الهامة ناساً، يحسب لهم حساب، لا كميات مهملة، ولا ماشية وأذناب. وإن الذين استعمرت دعايات الكتلتين أرواحهم ليقولون: إن هذا مستحيل ما إليه من سبيل، فنحن لا نملك القوة التي نقف بها حاجزاً بين الكتلتين، وستدوسنا الأقدام من هنا أو من هناك، ولا يغني عنا أن نعلن الحياد، أو أن ننضم إلى هذا أو ذاك. وأنا أدرك كيف تستعمر الدعاية الأرواح والأذهان، ولكني لا أدرك كيف يهون الناس على أنفسهم إلى هذا الحد الزري، وكيف لا يخجلون أن يصبحوا بإرادتهم عبيداً وأشياء. إن جيشنا ما لا يأمن أن يدير المعركة في أرض معادية؛ يتربص به أهلها الدوائر، ويتلفون ذخيرته ومؤنه؛ ويقطعون خطوطه ومواصلاته؛ ويتجسسون عليه للعدو؛ ويحرمونه الهدوء والراحة؛ سواء سالمهم فتركهم إلى ما هم فيه، أو تولى الحملة عليهم، ليواجه الثورة الداخلية بينما هو يواجه الأعداء في الميدان. ولقد هزم الجيش الألماني الظافر مرتين بسبب الثورات والانتفاضات الداخلية، قبل أن يهزم في ميادين القتال.
وما من جيش يواجه عداء الشعوب وهو آمن في قديم الحروب أو حديثها، وما يؤمن بذلك إلا المستغفلون الأذلاء! إن هذه الشعوب التي تعد مئات الملايين، والتي تتحكم مواقعها الاستراتيجية في نتائج أية حرب عالمية؛ وتتحكم مواردها الطبيعية في النصر والهزيمة.
.
إن هذه الشعوب لا تعجز عن شيء حين تريد، وكل قول غير هذا هراء! سيد قطب

شارك الخبر

المرئيات-١