أرشيف المقالات

اللغة العامية في القرن الحادي عشر

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للأستاذ علي العماري في مقال قيم نشرته الرسالة بعنوان (الألفاظ الأيوبية في كتاب تقويم النديم) جاء ذكر كتاب (هز القحوف) للشربيني، على إن صاحبه نسج على منوال صاحب تقويم النديم، فأحببت أن أتحدث عن هذا الكتاب، كتاب هز القحوف. مؤلفه: لم أقرأ عن مؤلف هذا الكتاب قليلا ولا كثيرا، فليس لديه من المراجع ما يعينني على ذلك، ولكني سأرسم له صورة استقيتها من كتابه هذا. هو الشيخ يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر الشربيني، أحد علماء الأزهر، وقد تلمذ للعالم الكبير الشيخ شهاب الدين القليوبي، وكان يعظ الناس، ويعقد لهم مجالس في طريقه إلى الحج، وهو من قرية شربين كما تدل عليه نسبته، ولكن آبائه لم يزاولوا ما يزاوله رجال القرى من الفلاحة، وهو شاعر يقول القصيد والرجز والمواليا، وله شعر لا بأس به، وبالرغم من أنه أكثر في كتابه من الألفاظ العلمية إلا أنه حين يكتب بالعربية يجيد وهو يلتزم السجع على طريقة أهل عصره، ومن قوله: وقد ناب مؤلف هذا الكتاب من كيد الدهر نائب، ورمته الليالي بسهام المصائب.
فأصبح بعد الجمع وحيدا، وبعد الأنس فريدا.
يسامر النجوم، ويساور الهموم، يسكب على فراق الأحبة الدموع، ويرجو عود الدهر وهيهات الرجوع. يا ليت شعري والدنيا مفرقة ...
بين الرفاق وأيام الورى دول هل ترجع الدار بعد الأنس آنسة ...
وهل تعود لنا أيامنا الأول لكن الصبر على غدرات الأيام، من شيم السادة الكرام. والمؤلف تارة يصف نفسه بالفقر والخلاعة، وتارة يذكر أنه من آباء أمجاد، يجالسون عظماء الدولة، وأنه كان يعظ الناس في طريق الحج.
وقد ذهب إلى الأرض المقدسة مرتين في سنة 1074، وسنة 1075، على ما ذكر في كتابه.
وهو كثير التطواف في البلاد، فمرة في الصعيد، وأخرى في دمياط، وثالثة في بلده شربين، ثم يرحل منها إلى القاهرة.

وهكذا. موضوع الكتاب: عنوان الكتاب (هز القحوف في شرح قص أبي شادوف) ويقول المؤلف في مقدمته (وبعد فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى يوسف بن محمد.

كان الله له، ورحم سلفه، أن مما مر على من نظم شعر الأرياف، الموصوف بكثافة اللفظ بلا خلاف، المشابه في رصه لطين الجوالس، وجرى ذكره في بعض المجالس، قصي أبي شادوف، المحاكي لبعر الخروف أو طين الخروف، فوجدته قصيدا يا له من قصيد، كأنه عمل من حديد، أو رص من قحوف الجريد، فالتمس مني من لا تسعني مخالفته، ولا يمكنني إلا طاعته، أن أضع عليه شرحا كريش الفراخ.
أو غبار العفاش وزوابع السباخ.
يحل ألفاظه السخيمة، ويبين معانيه الذميمة، ويكشف القناع عن وجه لغاته الفشروية، ومصادره الفشكلية، ومعاتيه الركيكة، ومبانيه الدكيكة، وأن أتمه بحكايات غريبة، ومسائل هبالية عجيبة.
وأن أتحفه بشرح لغات الأرياف، التي هي في معنى ضراط النمل بلا خلاف، وأشعارهم المغترفة من بحر التخابيط، واشتقاق بعض كلماتها التي هي في الصفات تشبه الشراميط، وذكر فقهائهم الجهال، وعلمهم الذي يشبه ماء النخال، وفقرائهم الأجلاف، وأحوال الأوباش منهم والأطراف. الخ) ومن هذا التقديم نستطيع أن نفهم ما يشتمل عليه الكتاب، وقد قسمه مؤلفه إلى جزء ين، جعل أولهما تمهيدا للثاني، وشرح في الثاني قصيد أبي شادوف، ولئن كان صاحب كتاب تقويم النديم قد جاء بمقامة (طافحة من أولها إلى آخرها بضروب من الأحماض، والفحش والمجون الذي لا يستساغ نشره) فإن الشربيني قد أسرف في ذلك، ولكن هذا لا يمنعنا أن نشير إلى ما يمكن أن يستفيده الباحثون من هذا الكتاب. في هذا الكتاب أمور على جانب كبير من الأهمية، فهو قد سجل اللغة العامية في عصره، وشرح معاني مفرداتها وما تدل عليه شرحا وافيا، وهو قد تعرض للحالة الاقتصادية بإسهاب، كما أنه وصف حال الحكام مع الشعب وحال الشعب مع الحكام أدق وصف، وفي أثناء الكتاب فوائد أدبية، قصص، وأشعار، وأخبار من الأدب الرفيع، وفيه شرح لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وهكذا.
والمؤلف كعلماء عصره، مغرم بالبديع كل الإغرام، فهو لا يترك مناسبة تمر دون أن ينبه فيها على نوع من أنواع البديع، ويظهر أنه كان واسع الإطلاع فهو يذكر كثيرا من الكتب، وينقل عنها، ويعنى عناية خاصة بذكر خواص الأطعمة وفوائدها ومضارها، ولا سيما أطعمة أهل الريف. اللغة العامية: كتب أبو شادوف قصيدته باللغة العامية، وضمنها شكوى زمانه، وإخوانه، وحكامه، وأمنيات كثيرة في تشهي بعض الأطعمة، وتعرض الشارح لكل ذلك بالعامية مرة، وبالعربية الفصحى أخرى.
والذين يعنون بدراسة العامية وتطورها يجدون في هذا الكتاب غناء لهم أي غناء.
ويمتاز هذا المؤلف عن غيره بأنه إذا ذكر كلمة شرح مدلولها شرحا وافيا، وإذا كان مدلولها في بلاد مختلفة شرح مدلولها في كل مكان، وإذا ذكر نوعا من الطعام الريفي بين طريقة صنعه في كل إقليم، وقد يذكر طريقة صنعه في القاهرة.
وهو دائما يذم الريفيين وطعامهم، ويمتدح طعام القاهرين، ولا سيما طعام الأتراك، ونراه يقول في ص179 (أما القطايف فإنها تعمل في بلاد المدن من الدقيق الأبيض الخاص المقطب، وتصب على صواني يقال لها الرقع من حديد أو من نحاس إلا أنها صغيرة مثل القرصة، وهي ألذ هذه الأنواع وأطيبها خصوصا إذا قليت بالسمن، وصب عليها عسل النحل، والله الحمد أكلنا منها مرارا، وتلذذنا بها، ونسأل الله تعالى أن يطعمها لإخواننا الفقراء، ويعمهم بأكلها) ويمكن بدراسة الكتاب دراسة دقيقة أن تعرف تطور بعض الكلمات العامية، فمثلا (الكشك كان يطلق في عصر المؤلف على المحل الخارج من البناء المرتفع المركب على الأخشاب تجعله الأكابر للجلوس.
والزربون كان يطلق في عهده على ما يلبسه الفلاح في رجله، وهو في قرانا له إطلاق آخر.
وهكذا. الحالة الاقتصادية: يخيل إلى أن المؤلف وضع كتابه لهذا الغرض، فهو لا يزال يذكر في كل مناسبة ما لا يلاقيه الفلاحون من ضيق العيش، وما يكابدون من الفقر، ويذكر على ألسنتهم قصصا تصور سوء أحوالهم.
وقد اتخذ من الجزء الخاص في قصيدة الناظم بهذا الأمر، موضوعا للشرح والتطويل، على أنه من أول الكتاب يضغط على هذه الناحية، ويوليها عناية خاصة، فهو يذكر أن بعض الفلاحين شمخ بأنفه وتاه على أخدانه، ونال السعادة يوما، وذلك أنه استحضر لزوجه سقطا، في يوم عيد، فطلبت منه رائحة فقال ما معي فلوس، فقالت له زوجه: من خلى شيء لعقب الزمان ينفعه، أنا خليت بالصومعة أربع بيضات، خذهم ولا تقل لحد فإن الناس تحسد الناس وخصوصا اليوم عيد وأنت اليوم في نعمة كبيرة، ثم يذكر الرجل أن السعادة تمت لهم حين لقي هو وزوجه في كرش الجدي شوية فول صحيح، ولكن الرجل ما يكاد ينتهي من ذكر قصته للناس حتى يقولوا له متعجبين مما ناله من السعادة: زمانك يا أبوعفرة ولى وراح، ومات الناس، وجار علينا الظالمون. الحالة السياسية: أو حالة الفلاحين مع حكامهم، والمؤلف كذلك يولي هذه الحالة عناية فائقة، ويستطيع من يريد البحث أن يجد صورة وافية لظلم الحكام في عصر المؤلف، ومعاملته للفلاحين، بل إن جملة واحدة يذكرها المؤلف تدلنا أبلغ الدلالة على ما كان يعانيه الفلاحون، فهو يقول: ولكن نحمد الله الذي أراحنا من الفلاحة وهمها ولم تكن لآبائنا ولا أجدادنا، فالفلاحة على كل حال بلية أعاذنا الله والمحبين منها.
ويقول في موضع آخر: فلا بد على كل حال من تغليق المال، ولو حصل من ذلك الهم والنكال، كما في المثل الذي اشتهر وعم: مال السلطان يخرج من بين الظفر واللحم، وما دام على الفلاح شيء من المال فهو في هم شديد، ويوم السداد عند الفلاح يوم عيد.
وهو يصف الكاشف ونزوله البلد، كما يصف الملتزم وأفعاله، من إلزامه الفلاح ولو كان فقيرا بإطعامه وإطعام أصحابه الذين معه، وإطعام دوابه.
وقد يربي الفلاح الدجاج ولا يأكل منه شيئا - ويحرمه على نفسه وعياله، وكذلك السمن والدقيق يبقيه لأجل هذه (البلية) على حد قول المؤلف، وهو وصف مؤثر جدا لا يغنى فيه إلا الإطلاع عليه. وفي الكتاب لمحات دقيقة، ونقدات لاذعة لبعض البدع كبدعة طواف الميت، وهو يحمل على الدراويش حملة عنيفة، كما يصف بعض خطباء المسجد وصفا لطيفا مضحكا. وقصارى الأمر أنه لولا ما في الكتاب من إفحاش لكان من الكتب التي يجب أن تنشر وتذاع، ومع ما فيه فهو في النواحي التي ألمنا إليها وثيقة لها قيمتها. علي العماري

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١