أرشيف المقالات

حول مشكلة اللاجئين!

مدة قراءة المادة : 3 دقائق .
8 قلت مرة أني كفرت بالضمير الإنساني، كفرت به حين كفر هو بكل وشيجة من وشائج الإنسانية، وكل خليقة من خلائق الأحياء، حيث تكون هذه الخلائق مجموعة من المشاعر والأحاسيس.

مشاعر الدم الواحد واللغة الواحدة والتقاليد الواحدة، وأحاسيس الأخوة والعروبة والجوار! قلت هذا فأعترض بعض الناس، وحجتهم أن الضمير الإنساني لا يزال بخير، في هذه البقاع الطيبة التي عنبتها بكلمات رسبت في نفسي رسوب اليقين.

هم ينضرون إلى الجزء وأنضر أنا إلى الكل، ويحكمون في ضوء القرد وأحكم أنا في ضوء المجموع، ويتكلمون عن الضمير الإنساني من زاوية ضيقة ينحصر فيها فلان وفلان من عشاق الخير وصناع الجميل، أتكلم أنا عن الضمير الإنساني في صورته الكاملة الشاملة التي تعني أكبر عدد من الناس في أكبر عدد من أقطار العروبة! إن الضمير الإنساني في هذه البقاع الطيبة وبهذا المعنى الذي رميت إليه قد مات.

ولو كان حيا لما سمح لنفسه بأن يطيق منظر الموت البشع وهو يحصد بمنجله الرهيب جوعا من الأحياء شردهم الظلم والطغيان فهاموا على وجوههم في كل واد وكل فلاة: بطونهم خاوية، وأجسادهم عارية، بينما شبعت الكلاب واكتست الأضرحة واطمأنت إلى المأوى الأمين أخس أنواع الحشرات! أتطلع إلى هولاء المشردين الذين أضناهم البرد وقتلهم الجوع ولفح شعورهم الهوان، ثم أتذكر أن هناك غيرهم ممن أنعشهم الدف وضاقت بطونهم بالتخمة وامتلأت نفوسهم بالأمان.

أتطلع إلى هولاء وأولئك ثم أخرج من جولة الفكر وفوره الأسى بهذه الحقيقة، وهي إنني لا املك في الحياة غير هذا القلم! وماذا يجدي القلم يا رب وهناك من ينتظر الثوب الذي يستر الجسد، واللقمة التي ترد عادية الجوع، والقطرة التي نرطب حرارة الظمأ، والوطن الذي يشعر بكرامة الحي ويعبر عن جمال الحياة؟! وماذا يصنع القلم وهو لا يجد ما يهديه إلى هولاء الجياع العراة غير هذه القروش الفكرية؟! ومن يخاطب وقد مات الضمير الإنساني عند حراس الخزائن وملاك الضياع وسكان القصور؟! أننا لا ندعو إلى الشيوعية ولكننا ندعو إلى الإنسانية.

الإنسانية التي تصرخ في وجه هولاء جميعا بأن في أموالهم حقا لكل جائع وكل محروم، وتقول لكل واحد منهم في همسة إن لم تكن جازعة فهي ضارعة: تنكر للغتك إذا شئت، ولعروبتك إذا أردت، ولقوميتك إذا أحببت، ولكن.

ولكن لا تنس أنك إنسان! إنها فروش فكرية كما قلت، وحسبي حين أجود بها أنني أجود بخلجات النفس وخفقات القلب ودفقات الوجدان.
حسبي هذا، وحسب اللاجئين أن يتقبلوها على أنها نفحة من نفحات الألم، فيها من مشاركة الشعور ما يقوم مقام العزاء، حين يضيع كل أمل في الضمير الإنساني.

ويخيب كل رجاء! ا.
م

شارك الخبر

المرئيات-١