أرشيف المقالات

تعقيبات

مدة قراءة المادة : 14 دقائق .
8 للأستاذ أنور المعداوي لقاء لا ينسى مع طه حسين: في صباح يوم الأحد 11 فبراير طالع الناس في إحدى الصحف اليومية المعارضة، هجوماً موجهاً إلى وزير المعارف وبعد ذلك بيومين كنت أتلقى اتهاماً سافراً بأنني صاحب هذا الهجوم، إن لم أكن على التحقيق قد أوحيت به.
.
وقلت لمن حمل إلى نبأ الاتهام نقلاً عن أفواه المسئولين: يتهمونني أنا؟ ولماذا يا صديقي؟ ترى هل تستطيع أن تنقل إلى مرة أخرى مصادر الشبهات؟ وكان رد الزميل الأديب: لأن بينك وبين الصحافة صلة عامة هي صلة القلم، وبينك وبين رئيس تحرير الصحيفة المعارضة صلة خاصة هي صلة القرابة، وبينك وبين وزير المعارف كما يقال أشياء! كان ذلك في صباح الثلاثاء 13 فبراير، وقبل أن أعقب أو أسأل المزيد من الوضوح، أقبل رسول موفد من مكتب الوزير ليوجه إلي الحديث في كلمات: معالي الدكتور طه حسين باشا يطالبك.
في تمام الساعة العاشرة والنصف! ونظر الزميل الأديب نظرة طويلة وعلى شفتيه ظل ابتسامة، معناها في لغة الصمت المعبر عن حديث الشعور: لقد بدأت المحاكمة! وتركت حجرتي المتواضعة وفيها الزميل الأديب، وأخذت طريقي إلى الحجرة الضخمة التي ينتظرني فيها حساب وعقاب.

وهناك تذكرت حقيقة من الحقائق لا أدري هل أوحى بها الموقف أم أوحى بها المكان: هذه الحجرة أقسم صادقاً أنني أطرق بابها لأول مرة، وأدخلها لأول مرة، وما اتجهت إليها نفسي في يوم من الأيام.
.
رباه! ما أعجب الذين يعرفون هذه الحجرة، يعرفونها كلما ذهب عهد وجاء عهد، وكلما مضى وزير وأقبل وزير حتى لقد حذقوا فنون التلون كما تحذقها كل حرباء!! واستقر بي المقام في مكتب الوزير لحظات، ثم خرجت بعدها حين رأى صاحب المعالي أن يتم اللقاء في منزله، على أن يكون في الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم.
وأقف قليلاً لأقص عليك قصة الألم المشبوب الذي ألهب مني الشعور وعصف بالوجدان، حين حملني الخيال على جناحه ليطلعني على مشاهد شتى وآفاق: رباه! هذا الرجل الذي لم يؤمن في حياته بقيمة من القيم كما آمن بحرية الفكر، ولم يتطلع إلى مثل من المثل كما تطلع إلى كرامة العقل، ولم يقدس صوتاً من الأصوات كما قدس صوت القلم؛ هذا الرجل يتغير هكذا سريعاً بين الأمس واليوم، ثم يطلب إلي أن ألقاه ليحاسبني على أنني قدست ما كان يقدسه، وتطلعت غلى ما كان يتطلع غليه، وآمنت بما كان يؤمن به؟! ولماذا يحاسبني؟ ألأنه وزير المعارف وأنا موظف بوزارة المعارف؟ وهب أنني كنت كاتب هذا المقال الذي لم أكتبه، فيا له من عجب أن يكون الرجل الذي يحاسب الأحرار.

هو طه حسين!! وامتدت يدي إلى القلم في عنف ثائر، ومضت تخط على ورقة بيضاء سطوراً أملتها الكرامة.
.
وطويت استقالتي لأقدمها لوزير المعارف في الموعد المرتقب، ولأقول له إذا ما لقيني بوجه عابس أو بصوت غاضب أو بثورة عاصفة: لا يا سيدي! هذه هي استقالتي بين يديك، واستقبلني بعد ذلك بوجه الأديب الكبير لا بوجه الوزير، أو بلسان المضيف السمح والرجل الكريم.

يفتح بابه وقلبه لضيف عابر إن طرق الأبواب فهو لا يقيم!! أشهد لقد كانت هذه هي خواطري التي تملأ آفاق النفس والحس قبل أن أبرح بيتي لأذهب إلى بيته، وأن هذه الخواطر قد صحبتني وأنا أقطع الطريق وأحث الخطى إلى هناك، إلى حيث ينتظرني حساب وعقاب.

لقد كان يجلس وحده في حجرة المكتبة، وحين تجاوزت الباب وألقيت بتحية المساء، نهض طه حسين واقفاً ليصافحني بحرارة، حتى لقد هبت علي روح من الماضي البعيد نسمات.
.
وجلس وجلست، وأحضرت القهوة فشرب وشربت، وأخرج علبة سجائره ليقدم إلي واحدة تتبدد في الهواء دخانها وتتبدد معه الظنون! وبعد عبارة ترحيب نبيلة أعقبتها مني كلمة شكر، بدأ طه حسين الحديث: (لقد قرأت لك منذ قريب مقالاً في (الرسالة) آلمني كل الألم، حتى لقد بعثت في طلبك لأعبر لك عن أسفي.

ومصدر الأسف أنني كنت السبب المباشر أو غير المباشر في أن حرية الفكر قد صودرت، يوم أن خطر لك أن تهاجمني فحيل بينك وبين هذا الهجوم! لقد كان مقالك الذي عنيتني به تحت هذا العنوان: (مشكلتي مع الأستاذ الزيات).

وقد فهمت أنني الوزير المقصود بتلك الكلمة، لأنك كنت تقول للقراء إن صديقك الزيات قد حذف مقالك، لأنه كان هجوماً عنيفاً على أحد الوزراء.
وكنت تقول لهم أيضاً إن الزيات يشفق عليك من حماسة الشباب وفورة الشباب، وما يتبعهما من عنف القلم وجيشان العاطفة، ولهذا فقد حال بينك وبين حرية الرأي حرصاً منه على مستقبلك.
وكنت تقول لهم مرة ثالثة إنك كاتب تعودت أن تكون صريحاً وشجاعاً لا تهمك العواقب بقدر ما يهمك أن تعبر صادقاً عما في نفسك، وإن الزيات بمثل هذا الإشفاق سيجني عليك من حيث لا تدري ولا يريد، لأنه سيدفعك آخر الأمر إلى أن تتحرر من أسر الوظيفة، وحينئذ تستطيع أن تقول عن الوزراء ما تشاء.

أليس كذلك؟ اسمع يا أستاذ: إن طه حسين الذي وهب قلمه قرباناً لحرية الفكر يعز عليه أن تصادر من أجله حرية الفكر! قل للزيات إنني عاتب وغاضب لأن طه حسين قد طبع على أن يحب للناس ما يحب لنفسه: يحب لهم الكرامة، ويحب لهم الشجاعة، ويحب لهم الحرية، وإنه ليسعده أن يهاجمه الناس بمثل هذه الأسلحة ما دام رائدهم الحق وقائدهم الضمير.

أيظن صديقي الزيات أنك حين تهاجمني ثم يسمح بنشر هذا الهجوم على صفحات (الرسالة)، أيظن أن ذلك سيفيد ما بيني وبينه من أسباب الود وروابط الوفاء؟ كلا! إن شيئاً من هذا لا يمكن أن يكون.

لأنني واثق كل الثقة من أنك لست كغيرك من الناس، أولئك الذين لا يرجعون إلى ضمائرهم فيما يكتبون! هذه كلمات أود أن تنقلها إلى الأستاذ الزيات، إذا ما كان هدفه الأول من وراء حذف كلمتك هو إرضاء طه حسين.

أما إذا كان يشفق عليك حقاً لأنك موظف في الدولة أو موظف في وزارة المعارف بالذات، فإن وزير المعارف يأذن لك في أن تهاجمه كما تشاء وبأي أسلوب تحب! لن أقول لك لا تخف لأنني أعرف أنك لا تخاف، ولو كنت من الذين يخافون لما احترمتك.

لن أقول لك هذا، وإنما الذي أريد أن أقوله هو أن طه حسين لا يضيق أبداً بحرية الرأي، سواء أكانت هذه الحرية موجهة إلى نقد أعماله كأديب أو نقد أعماله كوزير، لأنه يزد على كونه إنساناً يخطئ ويصيب)! هذا هو طه حسين كما رأيته على حقيقته.

جئت إليه ليحاسبني فإذا هو يحاسب نفسه!! أشهد لقد هزتني كلماته هزاً عنيفاً، وما تعودت أن يهزني شيء كما تهزني تلك الواقف النادرة، هنالك حيث تتجرد النفوس من أكثر أثوابها لا يبقى لها غير ثوب واحد.

هو ثوب الإنسانية! لقد كان طه حسين في تلك اللحظة، يرسم على لوحة الشعور صورة فريدة لم يرسمها من قبله إنسان.
ولا فنان! أهذا هو الرجل الذي صحبت الظنون حين تصورته، فظلمت نفسيي ظلمته؟ يا عجباً! لقد كان الرجل العظيم النبيل بريئاً مما تخيل أنه منسوب إليه، ومع ذلك فقد دفعه الضمير الحر اليقظ إلى أن يدفع عن نفسه كل شبهة، حين يكون الأمر متعلقاً بحرية غيره من أصحاب الآراء والأقلام.

وقلت له وأنا مأخوذ بنبله ومفتون بإنسانيته: (أود أن أقول لك يا سيدي إنني عاجز عن شكرك، وأعتذر إليك من هذا الذي تبادر إلى ذهنك، لأن المقصود بذلك الهجوم كان وزيراً آخر غير طه حسين، وتلك حقيقة يعرفها الأستاذ الزيات)! وعقب الرجل العظيم النبيل في تواضع جميل: (إذا كانت هذه هي الحقيقة فإني أكون قد أزعجتك.
.
ومرة أخرى أعبر لك عن أسفي)! وقلت له وقد تكشف لي من أمره ما لم أكن أعرف: (يا سيدي عفواً.
.
وإذا كان إزعاجك لي معناه أنني سأعرفك على حقيقتك ثم أتحدث عن هذا الذي عرفت إلى الناس، فأرجو أن تزعجني كل يوم.

وما دمت تؤمن بحرية الرأي لغيرك كما نؤمن بها لنفسك، فأود أن أفضى به إليك هنا ثم أتحدث به إلى الناس عامة هناك، أعني على صفحات (الرسالة).
ولكني أخشى أن يعترض الزيات طريقي غداً كما اعترض طريقي بالأمس، لأن هذا الرجل من أحفظ الناس لود الأصدقاء وفي مقدمتهم طه حسين! ولا أقصد بالطبع أنه حال بيني وبينك في ذلك الموقف الذي حدث منذ قريب، ولكنه فعل ذلك في موقف آخر بالأمس البعيد، حتى لقد انقطعت عن (الرسالة) شهرين عدت بعدهما إلى الكتابة خضوعاً لرغبة الأصدقاء.

وهل لي بأن أوجه إليك شيئاً من النقد في ناحية خاصة، كانت ولا تزال مثار ألم عميق، عند من يضعون ثقتهم فيك؟! واعتدل الرجل العظيم النبيل، واقبل علي بوجهه السمح وخاطبني بصوته الحبيب: (قل ما تشاء يا أستاذ، وقل عني لقراء (الرسالة) ما تريد، وانقل إلى الزيات ما سبق أن أشرت إليه، أنني سأكون عاتباً غاضباً إذا اعترض طريق رأي من آرائك في طه حسين، وحال بينه وبين أن يبلغ منافذ الأسماع.
.
صدقني أن كثرة شواغلي لا تتيح لي أن أقرأ الكثير من الإنتاج الأدبي ولا أن أتابع الكثير من الكتاب، ومع ذلك فأنت واحد من هذه القلة التي أحرص على أن أقرأ لها في كل حين)! وقلت وقد غلبني التأثر بعد الثناء المضمخ من سمو الخلق بأزكى عبير: (إذا كان هناك شيء أعتز به فهو كريم تقديرك.
.
وإذا كان هناك أمر أود أن أطالعك به فهو أن أقول لك: لقد فعلت الكثير من أجل التعليم والمعلمين، ولكنك لم تفعل إلا القليل من أجل الأدب والأدباء)! وارتسمت على وجهه مظاهر الاهتمام، وعبرت قسماته عن سؤال ينتظر الجواب ثم قال: (أما عن التعليم فأنت مغال فيما نسبته إلي من جهد في سبيله! ماذا فعلت من أجل التعليم؟ إنها خطوة قصيرة المدى محدودة الأثر أرجو أن تعقبها خطوات.

وأما عن الأدب وأهله، فأود أن تقدم إلي بعض الأمثلة تأييداً لاتهامك! هل أننا مقصر حقاً في هذه الناحية؟ وماذا ينتظر مني الأدب وماذا يطلب الأدباء)؟ وأجبت وأنا من تواضعه الجم في حيرة تقترن الإعجاب: (لا يا سيدي! إذا كان التواضع سيفرض عليك أن تظلم نفسك وأن تنكر جهدك فأن التاريخ سينصفك بلا جدال، وأعتقد أن الرأي العام قد بلغ من النضج والوعي ما يهيئ له أن ينظر غلى أعمالك نظرة عادلة، مهما حاولت أنت تخفي وراء حجب شتى من التواضع وإنكار الذات.
أما إذا كنت ترغب في أن أقدم إليك بعض الأمثلة على أنك لم ترع الأدب ولم تذكر حقوق الأدباء، فلا بأس من أن أتحدث هنا باختصار على أن يكون الحديث المفصل على صفحات الرسالة)! وعندما قدمت إليه بعض الأمثلة هتف الرجل العظيم النبيل في نبرات صادقة: (إنني أوافقك.
.
وأكون شاكراً لو تناولت قلمك وكتبت في هذا الموضوع مهاجماً طه حسين، لأن مثل هذا الهجوم سيساعدني كثيراً في مجلس الوزراء، يوم أن أستشهد بما كتب في (الرسالة) على أن للرأي العام الفني مطالب يجب أن تنال! أما التاريخ الذي تقول أنه سينصفني في الغد القريب أو الغد البعيد، فصدقني إذا قلت لك إنني ما اتجهت غليه يوماً بتفكيري كلما قدمت غلى الناس عملاً من الأعمال.

حسبي أن أتجه إلى نفسي وحدها وإلى ضميري وحده، حتى يستريح كل منهما وأستريح)!! وقلت له بعد أن تطرق الحديث غلى موضوع آخر أمسك القلم مؤقتاً عن الإشارة إليه، قلت له بعد ذلك وقبل أن أودعه شاكراً له هذا اللقاء الذي لن أنساه: (هل تعلم يا سيدي أن ما حدث في هذا اللقاء كان بالنسبة إلي مفاجأة كاملة؟ لقد حضرت إليك وليس في ذهني غير خاطر واحد، هو أنك ستحاسبني على ذلك المقال الذي ظهر في تلك الصحيفة المعارضة، فإذا أنت تحدثني عن شيء آخر لم يخطر لي على بال، وأعني به مقال (الرسالة).

لقد كنت أتوقع أن يدور كل الحديث حول ذلك المقال، لأن بعض المسئولين في الوزارة قد اتهموني بكتابته، إن لم أكن في رأيهم قد أوحيت به)! ويا لها من ابتسامة رقيقة عذبة تلك التي داعبت شفتيه، ثم غمرت بضيائها الباهر آفاق الشعور حين قال: (أوه.
.
ذلك المقال الذي منذ يومين؟ لا ضير أبداً من أن يكون كاتبه هو أنت، ولا ضير من أي هجوم يوجه إلى وزير المعارف، ما دام رائده الحق كما قلت لك وقائده الضمير)!! ونهض الرجل العظيم النبيل واقفاً ليودعني في حرارة، حتى لقد هبت على الروح من الماضي البعيد نسمات.

رباه إن المنصب الخطير لم يغير من خلق طه حسين، وإن الصورة الحبيبة التي عرفتها بالأمس.
لم تنل من بهائها الأيام!! أنور المعداوي

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير