أرشيف المقالات

رسالة الفن

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 إخراج رواية (ابن جلا) تعليق علي تعقيب للأستاذ أحمد رمزي بك المدير العام لمصلحة الاقتصاد الدولي أشكر للأستاذ البارودي الكلمة التي تفضل بالتعليق بها على كلمتي حول إخراج رواية (ابن جلا). وأبادر بأن أعلمه أن قصدي من النقد هو إبداء الرأي رغبة في الإصلاح لا في الهدم، ثم أعلمه بأنني أعد عمل عزيز أباظة باشا وعمل محمود تيمور بك في كتابة (شجرة الدر) نظماً وتأليف (ابن جلا) نثراً، فتحاً جديداً للمسرح العربي، لا يقل بحال عن الفتح الذي بدأ به أمير الشعراء، رحمة الله.
ولذا أطلب المزيد من إخراج حوادث وأيام ومظاهر تاريخنا العظيم.
. وليسمح لي الأستاذ بأن أصارحه أنني أجل الصديق العزيز زكي طليمات بك وأقدر علمه وفنه وأعرف تماماً ما بذل من جهد في التمثيل والتخجيج والإخراج، وأنا على يقين من المصاعب والعقبات التي واجهته في كل ذلك، ولذا أهنئه من كل قلبي. ولي الحق بعد أن أقول بإخلاص: إن أخبار الحجاج معروفة في كتب الأدب والتاريخ وأعماله مشهورة ومشهودة، وقد كنت أنتظر منه ومن تلامذته وطلابه الرجوع إلى أمهات الكتب العربية لا إلى كتب المدارس الثانوية لكي يتعرفوا على روح العصر ولكن يتصلوا بالحجاج وأقواله وشخصيته وزمنه اتصالاً وثيقاً. وما أقوله عن رواية (ابن خلا) ينطبق على رواية (شجرة الدر) كنت أؤمل في أن يتدل الممثلون ورجال الفن بالعصر الذي دارت فيه ظروف هذه الرواية وأن يعيشوا حقبة وسط أدواره وأيامه. أقول هذه لأن الصورة التي ظهر بها صديقي زكي طليمات بك في دور الحجاج ليست صورة الحجاج (رغم ما كان يعتمل ويحتد في باطنه من استعلاء). ثم أقول إن الصورة التي ظهر بها بيبرس في (شجرة الدر) لا تمت بصلة إلى شخصية بيبرس. إنني لن أتكلم عن التأليف التاريخي في المسرح العربي، لأن الكتاب والشعراء لا يزالون يجاهدون في الخطوات الأولى وهي ليست هنية، ويصعب على إبداء رأي قاطع وأن كنت أقرر أن التأليف التاريخي بختم الاستعانة بأهل الخبرة والاطلاع، ولا يسعنا أن نطلب من المؤلف أن يلم بكل تفاصيل التاريخ ولكن لا ندع هذه الفرصة تمر دون أن نشير عليه بأن يلم بروح العصر وبالعوامل النفسية التي كانت تختلج في صدور أبطاله. وأعود إلى الإخراج فأقرر بأنني أعد الإخراج بدائياً، إذا لم يكن منطبقاً على أصول الإخراج المعروفة، بصرف النظر عن فكرة هل في وسع المخرج مادياً مراعاة هذه الأصول أم لا.
لأننا تطلب من المخرج حينما يتعرض لإخراج الروايات التاريخية شرائط يلزم نفسه باتباعها، فأما أن تكون بين يديه فيحصل على تحقيق نهاية ما يمكنه من الإخراج الصحيح أو ما يقرب من الصحيح، وإما أن يعتذر عن الإخراج الذي لم تستعد له البلاد بعد. ولا أزال على رأيي من أن الإخراج التاريخي لا يزال بدائياً في مصر، وهذه حقيقة ثابتة ملموسة واضحة منذ أيام الشيخ سلامة حجازي إلى اليوم.
والأدلة على ما أقول كثيرة ولا محل لتكرارها. أما الإخراج في غير هذه الروايات التاريخية، وأقصد بالتاريخية ما تمس تاريخنا وعصورنا، أقول أنه حيثما وجدنا المشق أمامنا، في التمثيل والتخريج والإخراج، جاء تقليدنا موفقاً بقدر يقظتنا واهتمامنا بالنقل عن المسرح الأوربي والتأثر بمناظره وحركاته وإشاراته. وكلنا نشعر بأن تخرج شخصية لويس الحادي عشر بواسطة الأستاذ الجليل جورج أبيض بك كان موفقاً جداً، بل أنني لا أجد شائبة واحدة على إخراج الملابس والأثاث والمناظر لهذه الرواية لا من الناحية التاريخية ولا من جهة مطابقة المناظر والأثاث والملابس للحقيقة التي كانت سائدة في عصر لويس الحادي عشر. لماذا لازم المسرح العربي هذا التوفيق؟ لأن القائمين بالتمثيل والإخراج في مثل هذه الروايات وجدوا المشق والصورة والنموذج أمامهم في كل شيء، فلم يكن أمامهم سوى التقليد في إخراج الرواية وتخريج الشخصية ومحاكاة التمثيل في الإلقاء والإشارة. ولذا أعد مهمة المخرج العربي ورسالته محصورة مؤقتاً في الأخذ بالروايات الكلاسيكية أو الأوربية المشهورة التي سبق للمسارح العالية إخراجها، وذلك حرصاً مني على الخطوات التي سار فيها المسرح المصري، ولكي لا نتعثر في الأخطاء الكثيرة التي وقعنا فيها في رواية (شجرة الدر) و (ابن جلا). وليس ذلك من قبل تثبيط الهمم أو الدعوة إلى إهمال الروايات التي تمثل أزهى عصورنا التاريخية ولكني أقولها بصراحة وفي مواجهة المسؤولين والمختصين أنني أحرص على تراثنا التاريخي حرصا لا مزيد عليه، وأريد أعيش لأرى هذا التراث على المسرح، بمظهر القوة والعظمة في التمثيل والإخراج، الذي يرتاح إليه ضميري ويطمئن له قلبي وبرضى عنه شعوري وإحساسي بقدسية هذا الماضي الذي يملأ كل جوانب نفسي. وإني كرجل بقدر رسالة المسرح العربي وأثره في يقظة الشعور القومي والوعي التاريخي لا يسعني إلا أن أشير إلى ما يصاحب هذه الفكرة من عقبات تتعلق بالبحث والدرس والتدقيق وما يلزم كل ذلك من ابتكار وابتدع وخيال وصناعة، فنحن الذين نقلب صفحات كتب التاريخ القديمة لا تعطى لأنفسنا أكثر مما نستحق أو أبعد مما نعلم إذ لكل جهد غاية ونهاية، وقد تقف بنا الجهود عند رأي أو فكرة وقد نعلم أشياء عن عصر معين، ونجهل أشياء كثيرة عن عصور أخرى، فمقدار علمنا في كثير من هذه الأمور محدود، ومقدار تشبعنا بأي عصر من العصور قاصر عليه قد لا يتعداه. فإذا طلب إلى المسرح بفرقة المختلفة إخراج بعض الروايات التي تمثل عصر الحجاج أو شجرة الدر أو صلاح الدين أو العصر العباسي يجب أن نتدبر الأمر وأن تفكر فيه، حتى لا نقع في المتناقضات والأخطاء التي يصح أن تكون موضع انتقاد الغير وانتقاصه لسمعتنا. وعليه أعتقد - ولا جناح عليّ في ذلك - إن جهود المسرح العربي يجب أن تتوافر على إخراج رواية تاريخية في العام الواحد، وأن يكون الاستعداد لها - ماديا - بعد درستها دراسة علمية: تستند على ثقافة وافرة واطلاع عميق على النصوص التاريخية وعلى على الآثار، وعلى تفهم ميزات كل عصر في كل ما يتعلق بالملابس وشارات الملك والأسلحة والأثاث والمعمار، ولا يسع عالماً واحداً أن يقوم بكل ذلك بل أن هذا العمل يستلزم تعاون طائفة من أهل الفن والعلم والاختصاص. وأظن أن الأستاذ البارودي لا يخالفني في هذا الرأي.

أم قوله إن الروايات التاريخية بجور إخراجها بملابس ومناظر عصرية فرأي له أنصاره وهو تمكين الجمهور من الاستماع إلى رنين الألفاظ وأداء المعنى المقصود من عبارات المؤلف، ولو أخذنا في إخراج (شجرة الدر) (والحجاج) بهذا الرأي لم يكن لمثلي أن يتكلم منتقداً ملابس العصر وشواهده.
أما وقد أخذنا المسرح بالإخراج التاريخي لا العصري فإنا عند رأيي الأول من أن إخراج الجند الشامي في رواية الحجاج بملابس القرن العشرين جاء مضحكاً، وأكثر منه إمعاناً في التسلية إلباس أحد قواد الحجاج ملابس القائد الإيراني لعهد مظفر شاه.
وحيث أننا انتقلنا من المذهب العصري إلى الإخراج التاريخي وجب علينا التقيد بالرأي القائل بأن يكون الإخراج مطابقاً في مناظره وملابسه للحقيقة التاريخية. وإلا جاز إخراج رواية لويس الحادي عشر بملابس نابليون، وإلباس لويس الرابع عشر ملابس عهد الثورة الفرنسية.
أؤكد للقارئ أن أي مسرح أوربي يقدم على هذا الخلط والمزج الغريب يسقط في فرنسا سقوطاً فاحشاً.
ولقد استشهد الأستاذ البارودي ببعض روايات برناردشو في كلامه، ولكن ما رأيه في أن برناردشو حينما أشرف على كتابة محاورات رواية كيلو بطرة، اهتم اهتماماً بالغاً، فتتبع حياة يوليوس قيصر، وعكف على دراسة مختلف ملابس العصر والألوان التي كان يلبسها ويعجب بها قيصر، وأن تدقيقه في أسلحة ذلك الزمن، دفعه إلى استعراض كل ما كتب عنها وتصفح صور المجموعات العالمية لها، حتى وفق إلى لون الدروع المحببة إلى قيصر والتي كان يحملها في الحفلات. ولقد حاولت ومعي غيري أن أجد في الرواية منظراً نابياً أو أجد خطأ في ملابس القواد والجند والخدم والحاشية، أو تساهلاً في الأثاث والمباني، أو شيئاً يمت إلى عصر لا حق لعصر قيصر فلم أجد شيئاً من ذلك، فعرفت حقاً أن الإخراج التاريخي أمانة.
إنني أصدقه، في أن الإخراج الواقعي أي محاولة تمثيل الواقع حرفياً أمر صعب، بل إذا قصد به إخراج الواقع في الحياة وما يلازمها تماماً كصورة طبق الأصل، أصبح الإخراج أدعى إلى ضجر الجمهور، لأن التمثيل والإخراج يحتاجان إلى الخروج عن قاعدة مجاراة الحقيقة التي يعيشها الإنسان في حياته العادية. ولكن الأمر هنا يتعلق بمعرفة القدر اللازم إدخاله من المغالاة في التعبير والإشارة، ثم إلى حسن الاختيار.
وهنا يبرز خيال المخرج ليلتقي مع صناعته وذوقه في صعيد واحد وهذا هو الفن، ولكن أتساءل هل هذا المذهب يبرر القول بأن استعمال الخط النسخ بدل الكوفي مسألة ثانوية، إذ ما ذنب الجمهور الذي يتلقى درساً خاطئاً في حقيقة تاريخية ثابتة كان يسهل جداً على المخرج تلافيها؟ وما أسهل ذلك عليه، بوضع الكتابة على الإعلام كوفية في رواية (ابن جلا) وبالنسخ في (شجرة الدر). إن المجهود الذي بذله الأستاذ زكي طليمات بك في التمثيل رائع حقاً، وفي الإخراج عظيم.
وقد شرح لي عزته المصاعب التي كانت أمامه، ولكني كرجل حريص على تاريخنا الإسلامي الذي ننحدر من أيامه وتتكون شخصيتنا من مواقفه وعظمته الخالدة، أقول إن الشخصية التي ظهر بها على المسرح ليست شخصية الحجاج، إنها أقرب ما تكون إلى تيمور لنك أو شخصية (أورسون ويلز) في روايته السينمائية لما فعل بورجيا أو القائد الأسيوي بايان في (الوردة السوداء). الحجاج وهو سيف بني مروان يحتاج إلى دراسة أعمق من هذا لكي نظهره كما قال الأستاذ البارودي (أداة سياسية في المجتمع أو خادماً ساهراً على مصلحة الجماعة) أو لكي يظهر (بطلا تاريخياً تنمحي فرديته أمام عنصره السياسي التي عني إلى الجماعة بصفة عامة). إن تقمص شخصية الحجاج تحتم أولاً تفهم عصر الحجاج، كما أن إبراز المعاني الكامنة والغامضة تستدعي تكشف الدوافع النفسية، وكل هذا يتطلب أن يعيش الإنسان في عصر الحجاج ولو فترة بين المراجع.
كنت أنتظر أكثر من هذا ولكني لا أزال ا (مل وأنتظر من الصديق زكي طليمات بك ما هو أعظم وما يتفق مع (ما يعتمل ويحتدم) بين جنبين من آمال كبيرة ورغبة للوصول إلى آفاق بعيدة.
أحمد رمزي مسرحية ابن جلا لما نشرت الرسالة الغراء نقد مسرحية (ابن جلا) للأستاذ أنو فتح الله، رأيت في نقده تحاملاً ظاهراً على المؤلف لا يستند إلى حقيقة ولا يرمي إلى غاية بريئة وهو نفس الأمر الذي لا حظه أستاذنا الزيات فعلق عليه بقوله (إن الناقد قد نظر إلى المسرحية بعين السخط فرأي المساوئ). والأستاذ الناقد من خريجي قسم النقد بمعهد التمثيل الذي أقوم بالتدريس فيه، وهو من نفس الوقت ناقد ناشئ مجتهد، ومن هنا وجدت تشجيعاً له وتكريماً أن أعقب على نقده وليس بيني وبينه سوى هذا، فلم يكن هناك داع أن يجأر الناقد في مقاله بأني تعديت الناحية الموضوعية للنقد إلى التعريض بشخص الناقد الذي لم أذكره بخير أو بشر إلا في حدود ما خطه قلمه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن معرفتي بصاحب المسرحية أستاذنا تيمور بك هي عن طريق مؤلفاته إذ أني لم أتشرف بمعرفته أو لقائه حتى اليوم لظهر أن تعقيبي على مقال الناقد كان بريئاً خالصاً لوجه الفن والحقيقة وأنه لم يكن مستساغاً هذا الغمز. ويأتي اليوم ناقداً البصير ويردد ما قاله في نقده الأول ويهرب من مآخذي بتصوير دوافع شخصية خيالية تحويلها، وهذا أمر لا يليق بناقد في مستهل حياته أفسحت له مجلة كبيرة صدرها.
وإني لأنصح له مخلصاً أن يلتزم جانب الحق وأن يرجع إليه دائماً وليس بضاره هذا بل أنه لأكرم وأجدى.
أما إذا كان يرى أن في تسفيه أعمال كبار الكتاب سبيلا إلى التقدم نحو الصفوف الأولى فهو لا شك يخطئ خطأ جسيما في حق نفسه وفي حق قرائه.
وأخيراً فإني أعتبر عجزه الواضح في تعقيبه إقراراً منه بأنه قد أساء فهم المسرحية التي نقدها واكتفى بهذا إذ ليس من شيمتي أن أجادل في غير طائل. إسماعيل رسلان

شارك الخبر

المرئيات-١