أرشيف المقالات

تروتسكي

مدة قراءة المادة : 15 دقائق .
8 أحد مؤسسي النظام الشيوعي في الروسيا للأستاذ احمد بك رمزي كان تروتسكي أول ضحايا (استالين)، وفي مقدمة الذين اضطهدتهم الشيوعية الروسية بعد وفاة زعيمها لينين، مع أن تروتسكي أدى للثورة أجل الخدم.
وليس لنا أن نتساءل ماذا سيكون موقف السوفيت ولا مستقبل النظام الشيوعي لو بقى تروتسكي حيا يرزق، أو لو قدر له أن يحتل مركز الزعامة، كما أنه ليس لي ولا لغيري أن يصدر حكما في صالحه أو ضده، وإنما أكتفي بأن أنظر إليه كرجل اضطهد ونفى، وتحمل أشد أساليب الضغط على حريته، وأبعد من محيط العمل السياسي والثوري في بلد يدعي أنه أقام الثورة الكبرى ضد الرأسمالية، وحطم القيود والأغلال، لكي يهب السعادة والرفاهية والعمل الصالح لأكبر عدد ممكن من سكناه: فإذا به يضطهد رجلا كان من أشد أنصار هذا النظام القائم الآن في السوفيت: خدمه كثوري وكاتب وخطيب ومؤلف، ثم كانت نهايته الملاحقة والتفنن في تعذيبه وهو في غربته، ثم قتله بصورة لا ترضي الإنسانية ولا يسلم بها العقل.
فأنا إذا كتبت عنه أشيد به كرجل مثقف لقي من أنصار النظام الذي أقامه غير ما يستحق. بين (بولتافا) و (كيرسون) نشأ ليفي دافيد وفتش برونشتاين، هناك حيث المروج الخضراء والغابات، وفي السهول التي يطلق عليها أسم (كورجان) والتي تحفظ أسم (نوجاي) التتري، أو نوجايسكايا بالروسي؛ هناك رأى الطفل اليهودي الذي حمل أسم (تروتسكي) النور، إذ ولد في قرية يهودية تقع بجوار (كيرسون) في 16 أكتوبر سنة 1879، فتروتسكي أسم لا علاقة له به وائما غلب عليه، ويدل أسم والده على تأثره بالجرمانية ولو أن يهود هذه المنطقة يغلب عليهم أنهم من سلالة (الخرز) فهم أقرب ما يكون إلى الآسيويين أو إلى الشعوب الطورانية منهم إلى الشعوب السامية، وإن كنت أعتقد أن تقاطيع تروتسكي تدل على انحداره من أصل إسرائيلي صميم. ويقول تروتسكي في ترجمة حياته إن والده ينحدر من أسرة يهودية، كانت تقطن قرية بجوار (بولتافا) في اوكرانيا، - وهذه المدينة هي التي نسب إليها في التاريخ القائد العثماني الشهير بالطجي باشا، وصحته بولتاجي باشا، الذي أسر بطرس الأكبر ثم فك حصاره.
وقد هاجر والد تروتسكي متجها إلى الجنوب ومعه بعض المال، فاشترى مزرعة بجوار مدينة كيرصون، الواقعة على شواطئ البحر الأسود. والمتتبع لتاريخ اليهود وفرقهم وسحنتهم، يلمس من أول نظرة الفرق الكبير بين يهود البلاد العربية، إذا قارنتهم بيهود أوروبا، ولكن هناك فريقا ينفرد بميزات خاصة عن يهود أوروبا هو فريق يهود الروسيا.
أنهم عنصر قائم بذاته، لأنه يأتي من بلاد لا تزال القرى والمدن فيها تحمل أسماء تترية آسيوية، فهو من هذه الناحية يختلف تماما عن غيره من يهود العالم لأنه يمتاز بشدة المراس والشجاعة.
والغريب أن ينشأ صاحب القلم الثوري في وسط غير عمالي، فهو يقرر أن والده كان في سعة من العيش، وأنه لم يذق قط في حياته شظف الحرمان، وأن الثورة التي دعا إليها وكافح طول عمره من أجلها، انتهت بحرمان والده من مزرعته وتشتيت أفراد عائلته الذين اضطهدوا في عهد القيصرية ثم من جيوش دنيكين وفرانجيل بحكم قرابتهم له طول أيام الحروب الأهلية، ولما جاءت جيوش البلاشفة اتهموا كرجال رأسماليين، فكان نصيبهم سيئا في الحالين. إنني لا أزال أذكر جيدا، كيف قرأت له لأول مرة في حياتي، فقد كنا نقيم طول أيام الحرب العالمية الأولى في ضاحية المعادي، وفي سنة 1920 بعد انتهاء الحرب كنت بمحطة باب اللوق، حينما وقع نظري على كتاب بعنوان (الثورة الروسية) بقلم ليون تروتسكي، وهو على ما أذكر أول كتبه، ورغم أنني كنت في السنوات الأولى بمدرسة الحقوق بمصر، ومعلوماتنا في اللغات الأجنبية كانت محدودة، فقد استهواني الكتاب وقرأت فصوله التي تحدث فيها عن الثورة الروسية، ومحاولات عقد الصلح بين روسيا من جهة ودول ألمانيا والنمسا وتركيا وبلغاريا من جهة أخرى ولا أخفى القارئ أنني تأثرت من كتابة تروتسكي وقلمه، فانطبعت في مخيلتي الثورة وحوادثها ومآسيها، وتعرفت على أسماء البلاد الروسية وأشخاص السوفييت، فاستعملت كل ذلك في محادثاتي مع الكثيرين من الضباط الروس الذين جاءوا لمصر، كانوا يملئون شوارعها عقب هزيمة القوات الوطنية، التي حاولت إخماد ثورة البلاشفة. كان هذا أول اتصال لي بتروتسكي، الكاتب المؤرخ للثورة الروسية التي قامت سنة 1917. ثم رأيته رأى العين، وكان ذلك في استنبول حينما نفى إلى تركيا، فقد كنت أتناول الغذاء في مطعم روسي بحي (بيوغلى) حينما جاءت المضيفة وهي سيدة من الروس البيض، وأسرت إلى بأن أنظر إلى مائدة عليها جماعة من الناس، تحيط بها عدة موائد مشغولة برجال يظهر على سحنتهم أنهم من رجال الأمن، ثم قالت: ها هو تروتسكي بين الجالسين قالت هذا والفرح يشع من عينيها.
أنها كانت تنتظر هذا المصير لجميع رجال البلاشفة، والعودة إلى وطنها حيث ذكريات الماضي، أنها كغيرها كانت تحلم بالفردوس المفقود.
ولما توجهت لتلك الناحية بناظري، رأيت عن قرب الرجل الذي كتب المذكرات التي رافقتني في ذهابي وإيابي بقطار حلوان قبل ذلك العهد بأكثر من عشر سنوات، رأيته جالسا أمامي على بعد خطوات مني، فكان أول ما لفت نظري تلك اللحية المدببة على وجه أصفر اللون، أظهر ما فيه النظارتان ثم العينان، أن لهما لونا خاصا بين الزرقة والخضرة الفاتحة، أنه قريب الشبه بالصور المنحوتة على بعض المعابد المصرية القديمة، والتي تمثل جماعات الآسيويين في هجرتهم من آسيا إلى أفريقيا.
رأيته رقيق الجسم أقرب إلى القصر منه إلى الطول، يحوطه شيء من الغموض والانكفاء على نفسه، فهو قليل الكلام مع من معه، مقتر على نفسه حتى في تناول الطعام. جاء تروتسكي إلى تركيا بناء على اتفاق سابق مع السوفييت، بعد أن ضيق هؤلاء الخناق عليه إبتداء من أوائل سنة 1928، فبعثوا به إلى أواسط آسيا حيث قضى سنة على حدود أراضي الصين، ولما خفتت أصوات أنصاره وتبين للسلطات أنه لم يعد ينفع ولم يعد يضر، سمحوا له بمغادرة البلاد، ووافقوا على أن يقيم بتركيا، فنزلها في فبراير 1929 واختار أن يسكن في منزل بسيط بجزائر الأمراء، الواقعة أمام الشاطئ الآسيوي. وكنا كثيرا ما نذهب لقضاء يوم بطوله في تلك الجزر الجميلة وفي أحد الأيام طرأت علينا فكرة زيارة تروتسكي والتحدث إليه، وجاء الاعتذار عن لسانه بالتلفون رقيقا، مما يدل على أن الزعيم قد أعطى كلمة الشرف، على ألا يستقبل غير أهله واخصائه في منفاه، وهكذا رأيت تروتسكي وضاعت مني فرصة التحدث إليه والسماع لأقواله ونظرياته. يحدثنا تروتسكي عن نفسه في كتابه عن تاريخ حياته، فيقول أن الطبيعة قد قضت عليه منذ نشأته: أن يكون ثوريا انقلابيا، فهو قد ولد ونشأ وعاش وكافح من أجل أفكار ومبادئ وآراء معينة، تثبتت في مخيلته وتملكت نفسيته وملأت روحه فلم يستطع أن يحيط عنها، أو يجد عنها حولا طول السنوات التي عاشها. وقال أنه نشأ وترعرع في وسط غمرات تعاليم الثورة، فلم يشعر في قرارة نفسه بأنه ملك شعب من الشعوب أو جنس من الأجناس أو دين من الأديان، فانتهى به الأمر أن أصبح أمميا، أي ملكا للأمم كافة، لا يعرف سوى مذهب العالمية، هذه العالمية التي جعلت منه في النهاية بعد سنوات النفي بولشفيا، يقود أكبر ثورة عمالية على الأرض في وسط بلاد تعد أكثر البلاد تمسكا بالرجعية. وقال (أنه يؤمن بالثورة على حد أنها تغيير بطيء أو عنيف يصيب الكيان السياسي والاجتماعي والدستوري، نتيجة لتبدل الأسس الاقتصادية والإنتاجية لأمة من الأمم) وهو التفسير الذي وضعه كاوتسكي قبله في كتابه الثورة الاجتماعية. ولكن زعيم الانقلاب الروسي، كان يعلم في داخلية نفسه أن أكثر من تسعة أعشار الشعوب الروسية ضده، وأن عنصر المفاجأة والتضليل والدجل على الجماعات هو الذي مكنه من الحصول على انتصاراته الأولى: وقد كان إذ كسب الجولة الأولى.
. فما الذي ساعده على الوصول إلى مقام الزعامة بجوار لينين ثم ما الذي أنزله من مكانته؟ إن القلم الذي يحمله تروتسكي، كان ثوريا إلى النهاية في كل قطرة من مداده،.

لهذا أقر الناس بأن كتاباته هي أقوى أسلحته وأشدها فتكا وأعمقها أثرا فهو قد بلغ أعلى المراكز وقدم للثورة أعظم الخدمات، وأنشأ الجيش الأحمر وانتصر به في الحروب الداخلية وفي رد العدوان الخاص عن أراضي السوفييت، ومع ذلك وضع في الصف الثاني بعد وفاة لينين، وأبعد من المناصب التي يؤهله علمه وعمله وجهاده لها، فمال للعاطفة حينا حتى أخرج للناس كتابه عن ثورة عام 1917، فإذا أهم ما فيه سبعون صفحة جعلها نقدا وتحليلا لحوادث ثورة نوفمبر من تلك السنة، كانت بمثابة تتويج لعمله الثوري الانقلابي في الثورة الروسية، حيث أبرز فيها ما قام به من أعمال.
وهنا قامت قيامة الحزب الشيوعي عليه فسلقه رجاله بألسنة حداد إرضاء (لاستالين) هنا وكتبوا عنه في لجانهم ومجتمعاتهم: (أنه يضع المقاييس لنفسه ولأقرانه، ويصور بقلمه الجبار صورته للناس ويشيد بعمله كي يخرج من كل ذلك أنه الصانع الأول وصاحب القدح المعلى في ثورة نوفمبر ولولاه هو لما قامت ثورة البلاشفة). ترى لو تركوه ماذا كان يحدث في أراضي السوفييت؟ سؤال لم يترك له الوقت لأنه ما لبثت أن انقلبت الصحافة عليه، في أنحاء الاتحاد السوفييتي تدعو إلى جمع كتبه وحرقها وقالت: (أنه كشف النقطة الضعيفة في درعه.

أن الثائر للكبير قد تملكه الغرور، وهو داء رأسمالي لا يعرف طريق الولوج إلى قلوب الثوار، أن تروتسكي يحاول أن تقتن به الناس وأن تخضع لعظمته الجماعات، أن طابع الغرور والأنانية ومحبة الذات من بقايا العصور البائدة، أما رجال الثورة فيعيشون من أجل الثورة لا من أجل أنفسهم).
ثم تساءلوا.
(من هذا القزم الذي يحاول أن يضع نفسه على مقعد الزعماء الخالدين؟ فيحط من قدر إخوانه وزملائه في الجهاد، ويحاول أن يجعل من مقاييس الثورة المنبثقة من تطور التاريخ وكفاح السوفييت وتأييد الجماعات، غشاء لا رضاء نفس متحيرة مترددة ضعيفة.
) (أنها نفس تقبل على عاتقها أن تحط من جلال عمل كبير، وأن تنسب إلى جهودها إخراج المستحيل والوصول إلى عظائم الأمور وأصعبها وأنه (لولاها لما قامت للثورة قائمة). (أن هذه النفس مريضة وفيها بقايا الإنسان الرجعي) ويعذرني القارئ إذا قلت أن تروتسكي لقى جزاء سنمار بعد هذه الحملة التي جعلته عدوا للنظام القائم الذي أخذ يتتبع أنصاره واتباعه ويبعدهم واحدا بعد الآخر عن مناصب الدولة. ثم جاءت الخاتمة.
نعم أن الرجل الذي أفنى عمره في سبيل الثورة وأتاه نبأ احتضار والده، وهو يرأس لجنة شؤون الحرب بقصر الكرملين، لم يشأ أن يوقف عمل اللجنة ليودع والده الوداع الأخير، بل استمر في رئاستها يناقش أعضائها. وجاء وقت دفن أبيه فلم يشأ أن يقوم من مقعده.
أنه يعتبر نفسه قد تحرر من أمراض الرجعية، ويريد أن يضرب بنفسه مثلا لما يجب أن يكون عليه رجل الثورة الذي لا تشغله الغرائز ولا تجد العواطف أو الواجبات مدخلا لقلبه، ولكن ماذا كانت خاتمته؟ كانت النفي والتشريد ثم القتل بعيدا عن الثورة، وعن الفردوس الذي تصور أن يقيمه بيديه، وانتهت حياته في المكسيك، ولم يحظ برثاء أو تقدير من هذا النظام الذي أقامه وتعهده وكافح من أجله.
لقد قرأت خبر نكبته وفعلته ووضعت أمامي ما كتبه هذا الزعيم في أوائل الحكم الشيوعي: - لقد كان من نتائج هذه الحرب (14 - 1918) أن تزعزعت أركان الرأسمالية فأخذت تنهار، وها نحن نبرز إلى الوجود بجرأة وعزم فلا يمكن لقوة في العالم أن تقهرنا.
ألا يشبه هذا ما يقوله دعاة السوفييت اليوم؟ إنهم يحلمون بالثورة الكبرى كما كان يحلم تروتسكي، ويرددون قوله: إن السور المحكم الذي يحاول الأعداء من قوى الاستعمار والرأسمالية أن يحيطونا به، سنحطمه تحطيما.

أنهم ستأخذهم رجة واحدة وسوف تلبي الجموع دعوتنا وتأتي صفا صفا إلينا، لإنشاء العالم الجديد؛ بإرادة لا تعرف التراجع، لأن القوة العمالية المركزة تحت عزيمة ثابتة لن تقف أمامها عقبة.
ولن يحول دون انتصارها حائل.
وهكذا استمر الزعيم يتنبأ كتنبؤات بني إسرائيل فقال: (ألا فأعلموا.
أن التاريخ يحارب في صفنا، والزمن حليف لنا، أن الثورة الاشتراكية ستنشب حتما في كل من أوربا وأميريكا، مهما بعد الزمن أو قرب) ومر الزمن فلم يحدث شيء من ذلك.
لقد أسكرت نشوة الظفر تروتسكي فإذا بنى الشيوعية يغرق في غمرات الأحلام والآمال، وبقى راديو موسكو يردد نبوءات تروتسكي ثلاثة وثلاثين عاما، ولم تقم الثورة العالمية الكبرى، ولم ينشب الجموع أظفارهم في رقاب الطبقات الحاكمة: لقد كان تروتسكي يقيس العالم بما رأته عيناه في روسيا، فإذا بها تنفرد وحدها في طريق والعالم في طريق آخر: - لقد مات تروتسكي، وإذا بأحلامه أبعد عن التحقيق اليوم من سنة 1917، وإذا نحن في بداية النهاية.
إن الثورة التي أحسن أدارتها من مكتبة في مدرسة بالعاصمة الروسية سنة 1917 قد خمدت وهي تتطور وتسير نحو الانكماش، وقد يأتي يوم تسير فيه إلى المنفى كما سار هو من قبل. كان كارل ماركس ولينين من جبابرة الفكر، وكان تروتسكي من جبابرة الثورة، وقد تركوا من الأنقاض والخرائب في الروسيا وغيرها ما يشغل جيلا، أنها خسائر المادة.
أما ما تركوه من الآلام وضياع الآمال فلا سبيل لإصلاحه.
إنها كانت تجربة قاسية دفعت ثمنها الإنسانية غاليا (وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم رشدا). أحمد رمزي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١