أرشيف المقالات

الصيف ضيعت اللبن!

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
8 مثل أمريكا وإنجلترا في سياستهما للدول الصغيرة كمثل (الأشقياء) في الريف و (الفتوات) في المدن، يجمعون حولهم الأتباع من فتيان القرى وصبيان الحارات ممن يفتنونهم بمظاهر القوة، أو يخدعونهم بكواذب المنى؛ ثم يرمون بهم الأغراض التي يتوخونها، فينطلقون انطلاق الأبهم الصم لا إرادة لها ولا رادَّة عليها.
فإذا أراد الأشقياء السطو على غني من أغنياء القرية، أو قرر الفتوات الإغارة على حي من أحياء المدينة، أرسلوا هؤلاء الأتباع يرودون الطريق، أو يجسون النبض، أو يجرون (الشكل)؛ ثم يكونون هم وقود المعركة؛ فإذا تم النصر أو تمت الهزيمة كانت النار دائما لمخالب القطط، والكستناء دائما لأنياب القردة! فإن أتفق مرة أن أبى أحد الأتباع أن يأتمر في الشر أو يشارك في الأذى، لأن له رأيا يريد أن يقره، أو قريبا يكره أن يضره، أو ضميرا يحب أن يرضيه، تغيروا عليه وتنمروا له وقالوا: خان العتوة، ونقض الميثاق وجحد النعمة، فحق عليه أن يبتر من الناس أو ينفى من الأرض! حال هذا التابع من هؤلاء الأشقياء الذين حسبوه يسمع ولا يقول، ويخضع ولا يعارض، وينفذ ولا يقضى، أشبه بحال مصر من هاتين الدولتين الطاغيتين اللتين تزعمان أنهما تمثلان الديمقراطية والحرية، وتحميان المدينة والإنسانية! قالوا لنا تعالوا نكن إلباً على الشيوعية والإباحية والفوضى، وردءا للنظام والسلام والعدل، فقلنا: وهل يسعنا ألا نلبي ونحن أبناء الذين عقدوا فيما بينهم (حلف الفضول) ليقوض للضعيف حتى يقوى، وللمظلوم حتى ينصف، وللذليل حتى يعز؛ وخلفاء الذين جعلهم الله أمة وسطاً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات؟ ولكن سرعان ما برح الخفاء وشفَّ الرياء عن الرأسمالية والشيوعية تتنافسان في سيادة العالم، وتتخاصمان على أملاك الناس؛ هذه باسم الحرية تسعى لتستعبد، وتلك باسم الشيوعية تسعى لتملك! قلنا لهم يا قوم نحن زملاؤكم في مجلس الأمن، وحلفاؤكم على نصرة الحق، فأنصفوا النيل من السكسونيين، وفلسطين من الصهيونين! فقال ترومان خليفة ولسن صاحب المبادئ الأربعة عشر: إن سياستنا الخارجية تعضد الإنجليز، وسياستنا الداخلية تؤيد اليهود، وإن الاعتداء على المصريين أو على العرب أضعف من أن يخل توازنا أو يبطل تعاونا أو يعطل حركة؛ لأنهم لا يملكون القنبلة الذرية، ولا ينافسون أمريكا في الكيفية والكمية!! فلم نهض الدب الروسي ليلتقم كوريا الجنوبية من يد العام سام أضطرب ميزان العدل، وتكدر جو السلام، وقامت قيامة الدنيا، ووجب أن يجتمع مجلس الأمن على وجه السرعة ليقضي على الدول الأعضاء أن يقدموا المعونة لكوريا الرأسمالية على كوريا الشيوعية منعاً للعدوان وقمعاً للظلم! فلما سألوا مصر أن تعين، وكان ظنهم بها أن تطيع وتستكين، أجابتهم بعزة الفراعين وأنفة العرب: زعموا أن شيخا من أغنياء البادية خطب امرأة في الصيف فردته ردا قبيحاً فلما أقبل الشتاء، وهو زمن القحط عند البدو، أقبلت عليه تطلب منه لبنا، فقال لها بلهجة المتهكم الشامت: لا يا سيدتي! الصيف ضيعت اللبن! (المنصورة) أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير