أرشيف المقالات

تعقيبات

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
8 للأستاذ أنور المعداوي إلى الأستاذ توفيق الحكيم اليوم، وأنا أعود بالقلم إلى هذا المكان الحبيب من الرسالة، أرى لزاماً علي أن أذكرك.
.
وإذا كنت قد عدت، فإنما هي استجابة لصدق محبتك ولطف مودتك، وما لمسته فيك من جمال الوفاء.
.
وكل تلك القيم النادرة في عالم الصداقة كان لها أعمق الأثر في نفسي، لقد دفعتني دفعاً إلى أن أحمل قلمي وأعود.
من حقك علي إذن أن أذكرك، لأنك ما فتئت تذكرني طيلة هذه القطيعة بيني وبين الرسالة.

تذكرني بقلبك حين اقتصر غيرك على أن يذكرني بلسانه، وما أبعد الفارق بين لغة القلب ولغة اللسان! صدقني لقد كانت هذه القطيعة امتحاناً قاسياً لصداقة الأصدقاء وخصومة الخصوم، وما أكثر الذين (سقطوا) في الامتحان من كلا الفريقين.

وصدقني أنه لا يهمني كثيراً أمر هؤلاء (الساقطين)، ولكن الذي يهمني هو أن أحبى الأصدقاء الأوفياء والخصوم الشرفاء، وحسبك أنك كنت في الطليعة من الفريق الأول! أنت إنسان مخلص لصداقتك إخلاصك لفنك.
.
وأنا من الذين يربطون بين الوفاء للصداقة والوفاء للفن، لأنهما لازمتان من لوازم الحكم الصادق على طبائع النفوس إن جمال الصداقة لا يقل أبداً عن جمال الفن، والحق أن كليهما يا صديقي فن جميل.

وكل فن جميل قطعة من النفس الشاعرة بخلود بعض الحقائق في كون كل ما فيه منته إلى الزوال. أتذكر هؤلاء الذين صادفتهم يوماً ثم انقطع ما بينك وبينهم من أواصر الود وأسباب الصفاء؟ لقد اتهموك بأنك تنكرت للصداقة، وتخلفت عن الركب، وطمست بيديك سطور الذكريات.

ولو أنصفوا الحقيقة والضمير لما اتهموك: لقد أغلقوا قلوبهم في وجهك فأغلقت قلبك، وكفوا ألسنتهم عن ذكرك فكففت لسانك، ومضوا في طريقهم لا يعرجون فمضيت في طريقك.

وكأن الوفاء في رأيهم أن تلقاهم بعطر الزهور حين يلقونك بواخزات الشوك، وأن تحملهم إلى ارض الظلال وليس في أرضهم غير سفي الرمال، وأن تعترف بالماضي الأثير ولو دفنوه تحت أكوام التراب! أتذكر هذا الذي كان؟ إنني أسجله هنا ليصحح بعض الناس موقفهم منك وماضيهم معك، على ضوء موقفك من صاحب هذا القلم وحاضرك معه.

لقد كان آخر لقاء بيننا هو ذلك الذي لم تشأ أن تودعني فيه إلا بعد أن وعدتك بأن أعود إلى الرسالة.
ولقد كان الأمر يهمك حتى لكأن القلم الذي انقطع عن الكتابة هو قلمك، وكأن القراء الذين انصرفت عن لقائهم هم قراؤك.

وحسبي أن أقف في التدليل على وفائك عند هذا المعنى ولا أزيد! أما الزيات الصديق فأنت أعلم الناس بما بيني وبينه من قرابة الروح وأصالة المودة.
.
ولولا هذه الأصالة وتلك القرابة لترتبت على اختلافك الآراء فرقة الوجوه والقلوب، ولكن هذه الفرقة لم تخطر لأحدنا فيبال، لأن اختلاف الرأي كما يقول شوقي العظيم لا يفسد للود قضية! ولقد كنت أود أن أذكر بعض الخصوم الشرفاء في معرض التقدير ومجال التحية، ولكنني آثرت أن أمسك القلم عن ذكرهم خشية أن يتهمهم بعض الناس.

بعض الناس الذين لا يقدرون شرف اليد التي تمتد لتصافحك - أنت الخصم القديم - وقد جردت يداك من السلاح! اشهد لقد صافحني بعضهم وأنا مجرد من سلاحي، وهو قلمي.
وبذلك انتقلوا من صحراء الخصومة إلى دوحة الصداقة، وضمخوا بأرج العاطفة هذا القلب الذي يذكرهم، ويحمل لك ولهم اصدق الشكر وأخلص التحية. جيل شهيد: بالأمس أطلق طالب في كلية الطب رصاصة من مسدسه على أستاذه لينهي حياة تريد أن تهب له الحياة.

إن دل هذا الحادث على شيء فإنما يدل على أن أخلاق هذا الجيل من الشباب الجامعيين لا تبشر بالخير! ولست أجد في وصف هذا الجيل الجامعي أصدق ولا أبلغ من أنه جيل شهيد.
.
ولو لم يكن جيلاً شهيداً لما أقدم أحد أبنائه على مهاجمة رجل ما كان اجدره بأن يحني له الرأس حياء من فضله وإجلالاً لأستاذيته! أية جامعة تلك وأي شباب؟ أقسم لقد كدت أنفض يدي من الجامعة وما تهدف إليه رسالة، ومن الشباب وما يبتغون من مثل.
.
إن رسالة الجامعة كما أفهمها هي أن تقدم دعائم الأخلاق لتنهض عليها صروح العلم وإن مثل الشباب كما أعلمها هي أن يستضيئوا بنور من هنا ونور من هناك، وعلى هذين يتوقف تقدير القيم والمصير! ولابد من سؤال يجيش في الخواطر لتهجر به الشفاه: من المسئول عن هذا الإهمال في تكوين مثل عليا من الأخلاق في نفوس الجامعيين؟ سيقول أناس إنهم الآباء.
.
هذا حق ولكنه ليس كل الحق، لأن هناك رجالاً يتحملون من تلك المسئولية أوفى نصيب، ونعني بهم الأساتذة الذين وكلت عليهم مهمة الإشراف الثقافي على هؤلاء الشباب.
ويدخل الواحد منهم إلى قاعة المحاضرات وليس في جعبته غير شيء واحد، هو أن يلفي على الطلاب درساً في الطب أو درساً في الأدب أو درساً في الاقتصاد أو القانون، وتلك في رأيهم هي الأمانة العلمية، ولكن أين الأمانة الجامعية؟ الأمانة التي تصرخ في وجوههم بأن الجامعة ليست تثقيفاً بالعلم وإنما هي إلى جانب ذلك تهذيب بالأخلاق؟! إن الجامعة هي مرحلة الإخراج إلى الحياة، مرحلة الإعداد للمستقبل، مرحلة التهيئة لخلق جيل يفهم ما له من حقوق ويؤدي ما عليه من واجبات، وتلك أمور لا يجدي فيها التلقين الذي ينشئ بناء العقول ما لم يقترن بالتوجيه الذي يصقل معادن النفوس! لو أدرك الأستاذ الجامعي أي أمانة في عنقه نحو الشباب الجامعيين، لما اقتصر على أن يدفع إلى رؤوسهم بدروس الأدب والعلم والفن، وهم محتاجون إلى من يبث في نفوسهم معاني الحق والخير والجمال.

إن علماً بغير خلق لهو سلاح مفلول في معركة المصير، وأسلوب منبوذ في لقاء الناس، وسراب نضلل في صحراء الحياة، وهذه هي الحقائق السافرة التي توجب أن يعلمها شباب الجامعة في هذه الأيام!! حول مكتبة الإسكندرية: في العدد (853) من الرسالة، وجه الأستاذ الفاضل كمال السيد درويش المدرس بالرمل الثانوية كلمة حول مكتبة الإسكندرية، ثم بقيت الكلمة حتى الآن في انتظار التعقيب ولعل الأستاذ صاحب الكلمة قد أدرك الظروف التي نشرت فيها كلمته وحالت بيني وبين الرد عليها في ذلك الحين، وهي الظروف التي أحاطت بوفاة الشاعر الصديق علي محمود طه، وفرضت على ذلك الدراسة المطولة لشعره قياماً بواجب الوفاء. وأعود اليوم إلى لفتة الأستاذ درويش، لأن موضوعها ليس موضوع الأمس حتى تنتهي بانتهائه، ولكنه موضوع الأمس واليوم والغد بلا جدال. (أردت النظر في ميثاق جامعة الأمم العربية وفي ميثاق هيئة الأمم، وقراءة بعض ما كتب من تعليق عليهما فتوجهت بطبيعة الحال إلى مكتبة الإسكندرية فهل وجدت من ذلك شيئاً؟ كلا! بل خرجت منها وأنا أتساءل فيما بيني وبين نفسي: أيتجشم الإنسان مشقة الانتقال وضياع الوقت في الذهاب إلى المكتبة العامة ليقرأ رواية (اللص الظريف) أو (المرأة الغادرة)؟ وأين إذن أستطيع قراءة الوثائق والكتب العلمية إن لم أجدها في المكتبة العامة؟ ولم أطلب شيئاً عسيراً بل شيئاً مشهوراً لا تخلو من الحديث عنه صفحات الجرائد كل يوم.
ثم دعاني داعي الإنصاف إلى الاعتذار عن المكتبة بعد ظهور كتب تتناول نشر الميثاقين أو الحديث عن الهيئتين.
وأردت التأكد بنفسي فما هي إلا جولة حتى خرجت من عند بائع الكتب وأنا أتأبط كتابين، ولشدة حاجتي للإلمام بالموضوع دفعت فيهما ما يقارب من جنيهين. وتساءلت مرة أخرى ألا يتمكن الفرد من معرفة ما يعرض له أثناء البحث على كثرة ما يعرض له إلا إذا كان يملك الوسيلة غلى الشعراء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي حد تتحمل مالية الإنسان مهما عظمت تكاليف الكتب مع تعددها وارتفاع أسعارها!؟ وإذا كانت وزارة المعارف سامحها الله قد ألجأتنا بإقفار مكتباتها المدرسية إلى المكاتب العامة، فلا أقل من أن نجد لدى الأخيرة بغيتنا وإلا فنحن المبتدئين بالحجة التي لا تدفع عنهم لوم اللائمين ثم لنسلكهم بعد حين في عداد الجاهلين حقاً أنه لموضوع يستحق من قلم صاحب (التعقيبات) تعقيباً يكون له عند المسئولين صداه، عسى أن تستأنف المكاتب العامة سيرها في ركب الحياة)
. هذه المشكلة التي يعرضها علينا الأستاذ درويش، هي كما قلت لك مشكلة الأمس واليوم والغد، وكل ما نملكه هو أن نعرضها بدورنا على من بيدهم أمر المكتبة العامة بالإسكندرية عسى أن يترفقوا بجيوب الراغبين في العلم والساعين إلى المعرفة، أولئك الذين نحن رؤوسهم غلى المعلومات وتفتقر جيوبهم إلى الجنيهات.

الجنيهات التي لا يستطيع بغيرها الحصول على الكتب في هذه الأيام! أما نحن فيما يختص بأمر المكتبات المدرسية فإن نقص الكتب النافعة فيها ليدعو إلى الأسى والأسف.

ترى هل يستجيب معالي الدكتور طه حسين بك لرجائنا فيخص تلك المكتبات بشيء من رعايته؟ إننا نخاطب فيه الشخص الأديب قبل شخص الوزير، وفي يد الشخصيتين مزية التقدير والتنفيذ على كل حال! مشكلة النقد والنقاد الدكتور أحمد فؤاد الإهواني صديق عزيز، ولكنني لن أجامله كما يجامل بعض أصدقائه فيسرف في المجاملة.

أقول هذا بعد أن قرأت له مقالين في نقد ديوان من الشعر، ظهر أحدهما في الثقافة وظهر الآخر في الرسالة.
ولا ضير في رأيي من أن يكتب الأصدقاء عن كتب الأصدقاء، ولا ضير أيضاً من الكتابة هنا والكتابة هناك، لأن لكل مجلة قراءها الذين قد يقتصرون عليها دون غيرها من المجلات.
لا ضير من هذا كله مادام النقد الأدبي نقداً سليماً من الوجهة الفنية، أعني أن يكون رائده إبراز القيم التعبيرية في الأثر المنقود إبرازاً لا يتسم بالتجني ولا يتصف بالمغالاة! ترى هل حقق الدكتور الصديق شيئاً من هذا الذي أشرت إليه؟ كلا.
.
بل اندفع وراء عاطفته يسجل المحاسن حتى لقد بدا الديوان وكأن لم يكن به مأخذ من تلك المآخذ التي يقف عندها النقاد! وليته قد رد تلك المحاسن إلى مصادرها من القواعد المذهبية في نقد الشعر، إذن لحمدنا له هذا الاتجاه وشكرناه.
.
ولكنه قدرها إلى الطريقة (الإنشائية) في النقد، تلك الطريقة التي تذكرنا بنقاد العرب القدامى عندما كانوا يقولون: أشعر الناس الذي يقول.
.
ثم لا يذكرون لنا لماذا كان صاحبنا أشعر الناس!! أريد أن أقول للدكتور الإهواني أرجو أن يتسع صدره لما أقول إنني قد أحتمل المجاملة مادام النقد قائماً على أصول فنية، وإنني قد أحتمل المهاجمة مادام النقد مرتكزاً على دراسة مذهبية، وبغير هذا لا أستطيع أن أحتمل، ولا أستطيع أن أتقبل هذا الذي يكتب من حين إلى آخر! وقد يعتذر الدكتور الصديق بأنه رجل قد وجهت ملكاته إلى الاشتغال بالفلسفة وعلم النفس وما يدور في محيطهما من دراسات نقدية.
إذا اعتذر بهذا فلا عليه إذا ترك ميدان النقد الأدبي لمن يحسنون الخوض فيه.
.
أما إذا خطر له أن يناقش هذه الكلمة ليثبت لنا أنه يحسن الخوض في نقد الآثار الأدبية، فنحن على استعداد لمناقشته، وبيننا وبينه موازين النقد وهذا الذي كتب.
.
وديوان الأستاذ محمد عبد الغني حسن!!. أنور المعداوي

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣