أرشيف المقالات

الأسس الجغرافية والتاريخية للوحدة اللوبية

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 الأستاذ مصطفى عبد الله بعيو احتلت القضية اللوبية في الأعوام الأخيرة مكانة دولية هامة استرعت أنظار العالم مما ترتب عليه انصراف عدد كبير من المختصين إلى دراسة شئونها كل فيما يختص فيه؛ وخرجت إلينا المطبع الإفرنجية بأبحاث شتى بخصوصها كان أهمها بالنسبة لموضوع اليوم ما يتعلق بتاريخها وجغرافيتها.
على أن أهم ما يلفت النظر في هذه المؤلفات العلمية الحديثة اتجاهها اتجاهاً خاصاً في دراسة البلاد.
هذا الاتجاه قائم على الدراسة المؤدية لأقسام البلاد الثلاثة بحيث أن كل قسم منها قائم بذاته وله خصائصه التي ينفرد بها.
وليس التخصص أو الخوف من تضخم الكتب هو الذي دفع معظمهم إلى هذا المنهج ولكن هي الروح الانفصالية والتمهيد لذلك عن طريق العلم حتى تنتشر الفكرة وتعم فتكون نواة صالحة لتسهيل تنفيذ الأغراض السياسية وهكذا وجدنا الحقائق تلوي لياً وتطمس طمساً في سبيل الوصول إلى هذه الغاية.
وهكذا وجدنا رجال السياسة يتخذون من هذه الحقائق على حالتها هذه عماداً لتأييد نظريتهم الرامية لتقسيم البلاد حتى يفوز كل منهم بنصيبه من هذه الفريسة التي وضحت أهميتها للعيان بعد الحرب العالمية الأخيرة. كانت أهم النقط التي استند عليها بعضهم في التفريق بين برقة وطرابلس مثلاً أن الأولى خضعت للإغريق بينما الثانية خضعت للفينيقين، فقرطاجنة وأن الأولى كانت تكون ولاية رومانية أحياناً مع مصر وأحياناً مع جزيرة كريت في الوقت الذي كانت فيه طرابلس تلحق بأفريقية؛ وأن عرب الأولى معظمهم من قبائل سليم ومعظم عرب الثانية من بني هلال؛ وأن سكان الأجزاء الشمالية من لوبيا يرجعون إلى جنس البحر الأبيض، أما سكان فزان فيرجعون إلى السلالة الأثيوبية.
وهكذا من الأدلة التاريخية المبعثرة التي يمكن أن يأخذ بها الإنسان إذا قرأها قراءة سريعة دون فحص أو تحليل. وعلى العموم أن مثل هذه الدلة وغيرها وإن صحت حقيقتها لا تصلح أن تكون مؤيداً لهذه النظرية الانفصالية، لأنها تمثل الحالات الشاذة التي مرت بها البلاد، والتي لا يخلو منها تاريخ أي بلد.
وماذا يكون الأمر إذا ثبت عكسها وأتت الأدلة بنقيضها؟ فنحن إذا نظرنا إلى خريطة لوبيا الطبيعية لا نجد من المظاهر الطبيعية كالبحار والأنه والجبال ما يصلح لأن يكون حداً طبيعياً بين هذه الأجزاء الثلاثة هذا الاتصال الطبيعي هو الذي جعل بعد الجزائريين القدامى يختلفون في تحديد كل إقليم ويخلطون بينه وبين الآخر؛ فهذا المؤرخ عندما يؤرخ للنزاع بين قورينا وقرطاجة يقول: (كان هناك سهل رملي على الحدود فيما بين البلدين ذو سطح متشابه خال من المعالم.
ليس به جبل أو نهر حق يمكن بواسطته تحديد حدود هاتين المملكتين.

وهذا ياقوت الحموي في معجم البلدان عندما يتكلم عن طرابلس يقول بأنها مدينة في آخر أرض برقة وأول أرض أفريقية وهكذا يجعل برقة تمتد غرباً حتى مدينة طرابلس، ويذهب بالوحدة بينهما إلى حد بعيد، حتى أنه أطلق برقة على معظم إقليم طرابلس.
وهذا ابن وستة في كتابه الأعلاق النفيسة عند كلامه عن سرت يعتبر توزعه حد برقة الغربي.
وهذا أبو الفدا في كتابه تقويم البلدان يتخذ من قصر أحمد ميناء مدينة مسراتة حداً غربياً لبرقة.
وهذا ليون الأفريقي يصف المنطقة الممتدة من مسراتة إلى الإسكندرية تحت عنوان برقة، فكأنه يجعل من مسراته حداً غربياً لها.
الرحالة المستر بتش وأخوه اللذان قاما برحلة علمية جغرافية من طرابلس إلى درنة في أيام يوسف باشا القرهمانلي يشاركان الرحالة ليون الأفريقي في هذا التحديد. اختلفت هؤلاء المؤرخون والرحالة في تعيين الحدود بين هذين الإقليمين، ولهم الحق في هذا الاختلاف لأن الطبيعة وحدت بينهما وجعلت من الصعب الجزم بأي حد بينهما.
وساعد على الربط خليج سرت الكبير بشكله المعروف.
فنحن إذا نظرنا إلى خريطة لوبيا لاحظنا خلوها من الخلجان الفرعية والثنيات التي تصلح أن تكون أساساً لاتخاذها نقطة للفصل بين ساحلي الإقليمين، بل أن خليج سرت بشكله المقوس المستقيم يربط بين مسراته وبنفازي بنهايتيه. ومن المسلم به بين علماء الأجناس أن الأساس الجنسي لكل من برقة وطرابلس يقوم على سلالة البحر الأبيض المتوسط.
وكان من المعتقد قديماً أن قبائل الجرامنت صاحبة الحضارة الراقية والتي كانت تسكن في فزان في العصور القديمة ترجع في أصولها للسلالة الأثيوبية؛ ولكن النتائج الأخيرة التي وصلت إليها إحدى البعثات الإيطالية لدراسة الناحية الجيولوجية والبشرية لمنطقة فزان أثبتت عدم صحة هذا الرأي بعد زيارة وادي الاجال بقران وفحص مقابره العديدة، أرجعت أصولها الجنسية إلى سلالة البحر الأبيض مستدلة على ذلك بالحضارة الراقية التي كانت عليها القبائل الجرمنتية والتي لا بد أنها قد وصلت مع أهلها من الشمال.
وهكذا كانت هذه الوحدة الجنسية في أساسها صالحة فيما بعد لأن تكون منسجمة أمام ما جد من تطور في الجغرافية البشرية لهذه البلاد وعدم اختلال التوازن الجنسي بين سكان هذه الأقاليم لما جد من فتح وغزوات كان لها أثرها الطبيعي في تكون الشعب اللوبي بصفة عامة. يرى الذين يؤيدون فصل لوبيا الغربية عن لوبيا الشرقية أن هذا الفصل شيء طبيعي كانت له سابقة في التاريخ القديم تصلح أن تكون أساساً لهذه النظرية؛ فبينما خضعت برقة للإغريق انفرد الفينيقيون فالفرطاجنيون بطرابلس.
وهذا التأييد التاريخي لحركة الانفصال صحيح إذا أخذنا به على علاته دون بحث أو تحقيق.
ولكن إذا حللنا الأسباب التي دعت هذا إلى الفصل تبين لنا عدم صحة هذا الأساس الذي بنى عليه هذا التقسيم.
فمن المعلوم أن الفينيقيين قد اضطروا لهجر الجزء الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط أمام نشاط الإغريق وتحفزهم ولجئوا إلى الحوض الغربي وكان من حظهم أن أتوا إلى طرابلس.
ولا شك أنهم فكروا في الساحل البرقي قبل أن يصلوا إلى الساحل الطرابلسي بحكم قربه إلى موطنهم الأصلي؛ ولكنهم رأوا في النزوح إلى الساحل البرقي ما يعرضهم لخطر الإغريق بشكل أفظع نظراً لواجهة برقة لبلاد اليونان مباشرة وهو الذين تركوا لهم شرق البحر الأبيض حتى لا يواجهوا الإغريق؛ ولهذا اضطروا إلى التخلي عن برقة والاكتفاء بساحل طرابلس.
وليس معنى هذا التخلي التسليم بالتقسيم، ولكن الظروف هي التي أجبرت الفينيقيين على أنه إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للفينيقيين فإن الإغريق بعد أن استوطنوا برقة حاولوا ضم طرابلس إلى برقة والتوحيد بينهما.
فالتاريخ يحدثنا أن دوريوس الإسبرطي قد نزل بفريق من أتباعه عند مصب وادي كعام إلى الغرب من بلدة ظلي تن، وهناك أسس مستعمرة إغريقية عرفت بأسم قدر لها أن تعيش فترة من الزمن كانت كافية لأن تكون نواة لزحف الإغريق إلى طرابلس والتوحيد بينها وبين برقة.
ولكن قرطاجة وهي التي هجر مؤسسوها شرق البحر الأبيض أمام الخطر الإغريقي لم تقف ساكنة أمام هذا الخطر الزاحف بل عملت على طرد الإغريق من هذا الجزء والقضاء على مستعمرتهم الناشئة. هذه ولا شك محاولة إيجابية قام بها الإغريق للتوحيد بين الإقليمين وإن كان النجاح لم يكن حليفاً لها، فعلى العموم تصلح أن تكون نواة لحركة أخرى أقوى وأكثر وضوحاً فيما بعد.
يتبين لنا ذلك عندما نرى البطالسة ملوك مصر وقد بسطوا سيادتهم على برقة أخذوا يزحزحون حدودها إلى الغرب حتى أوصلوها إلى سرت، ثم يقوم حاكم قروبنا المسمى إفلاس بحركة جريئة كان الغرض منها ضم طرابلس إلى برقة عندما تعهد بمساعدة اجاثوكليس الإغريقي طاغية سيراكوز بصقلية في حربه مع قرطاجة على أن تطلق يده في لوبيا الغربية في حالة النجاح.
وبدأ إفلاس فعلاً في تنفيذ خطته وسار بجيشه عبر الساحل الطرابلسي إلى تونس وإن كانت هذه المحاولة الجريئة التي قام بها إغريق برقة لضم طرابلس لم تنجح هذه المرة كذلك؛ فإن ذلك لا ينفي هذه المحاولة الرامية لتوحيد الإقليمين بإخضاعها لسلطة واحدة، إذ أن عدم التمسك بتحقيق شروط هذه الاتفاقية وروح الخيانة بين الحليفين هي التي وقفت دون تحقيقها. وبعد أن فشلت محاولات التوحيد التي قام بها الإغريق واستقر كل فريق في الجزء الخاص به رأينا المنازعات والمشاكل تقوم بين البلدين على الحدود لعدم وضوحها ووجود ما يصلح أن يكون حداً فاصلاً بين الإقليمين.
وسرعان ما اتخذت هذه المنازعات شكل الحروب المنظمة.
فالتاريخ يحدثنا أن الحرب قامت بين قروبنا وقرطاجة من أجل هذه الحدود عندما كانت قروبنا تتزعم المدن الخمس بإقليم برقة، وعندما كانت قرطاجة تبسط سيادتها على طرابلس.
وهكذا كان في شطر هذه البلاد في ذلك الوقت مدعاة للحرب والمنازعات.
ويحدثنا أيضاً كيف انتهت هذه الحرب بين الطرفين وبقصة التحكيم وتضحية الأخوين فلياني من أهالي قرطاجة وإقامة مشهد تذكاري لهما في المكان المعروف الآن (بالقوس) ولا شك أن الرضى بهذا الحد الصناعي لم يكن كذلك إلا خوفاً من تجديد الحرب بينهما وإفناء قوتهما وتعريضهما للفناء أمام خصم جديد أخذ يظهر للوجود متمثلاً في روما وقوتها، وإلا ما كانت هذه الحدود الصناعية تصلح أن تكون حدوداً وافية بالغرض الذي أقيمت من اجله ولا أدل على ذلك من نشاط تجارة التهريب بين الإقليمين عندما فصلاً عن بعضهما بعد هذه الاتفاقية وكيف قامت مدينة (كاراكس) المعروفة الآن (بسلطان) كنتيجة لهذه التجارة وكيف نشطت هذه الحركة خصوصاً فيما يختص بتجارة نبات السلفيوم الذي كانت تنتجه برقة وعصير العنب الذي كانت تنتجه طرابلس.
ولا شك أن في إقامة مثل هذه الحدود الصناعية إعادة لحركة التهريب هذه على أشد ما يكون.
ولنا فيما نراه في الأعوام الأخيرة ما يثبت ذلك، فكيف يكون الحال إذا أقيمت حدود معينة يصعب تخطيها إلا بأذن خاص.
لا شك أن الحياة الاقتصادية ستصاب في نشاطها كما أصيبت في السابق ولكن وجه الخطورة أشد في العصر الحديث. وما لنا نذهب بعيداً، فلنترك العهد الإغريقي الفينيقي جانباً لنرى البلاد وقد جاءها العرب فاتحين مبشرين بالدين الإسلامي سنة 22هـ.
جاءت الجيوش العربية ففتحت برقة وتقدمت منها إلى طرابلس فاستولت عليها وفي أثناء ذلك كان بعض الجند يتوغلون جنوباً إلى زويلة وفزان ولم تذكر لنا المصادر التاريخية أن عمرو بن العاص قد أستأذن الخليفة في فتح طرابلس وفزان بعد استيلائه على برقة، ولكنها تذكر لنا وتؤكد أن عمرو بن العاص أراد أن يتابع فتوحاته غرباً بعد طرابلس بالاستيلاء على افريقة لولا معارضة الخليفة لذلك على أثر ما دار بينهما من مكاتبة في هذا الخصوص.
ومعنى هذا أن عمرو بن العاص في فتحه لطرابلس وفزان بعد الاستيلاء على برقة لم يفعل أكثر من إتمام فتح هذه البلاد التي بدت له وحدتها منذ ذلك التاريخ، حتى إذا ما أتم فتحها وأراد الانتقال لغيرها شعر بضرورة الاستئذان قبل الإقدام على هذا العمل.
وهكذا كان هذا التوحيد في الفتح نتيجة لوحدة البلاد الطبيعية التي أدركها القائد العربي منذ ذلك التاريخ مقدمة لأحداث أخرى متتابعة ربطت بين الأقاليم الثلاثة وجعلتها أقرب ما تكون لبعضها من البلاد المجاورة. للكلام صلة مصطفى عبد الله بعبو خريج جامعة فاروق ومعهد التربية العالي عضو الجمعية التاريخية لخريجي كلية الآداب مدير مدرسة النهضة الثانوية بالزاوية بطرابلس الغرب

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير