أرشيف المقالات

هذا الخط المستقيم الذي يفصل بين الوادي

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 للأستاذ محمد صبحي الحكيم إنه لمما يلفت النظر الأول وهلة لمن يطلع على خريطة سياسية للقارة الأفريقية تلك الخطوط المستقيمة الحمراء التي اعتبرت وما زالت تعتبر حدودا سياسية.
وخاصة ذلك الخط الذي يفصل بين شطري وادي النيل، مصره وسودانه. وليس الغريب هنا أن يقسم وادي النيل بواسطة خط مستقيم فحسب، ولكن الأغرب من هذا اعتبار الأرضي الواقعة جنوبي هذا الخط قطراً كيانه الدولي.
وقد يعجب القارئ إذا عرف أن كلمة (السودان) لم تكن تعني حتى آخر القرن الماضي ذلك الجزء من وادي النيل المعروف بذلك الاسم في الوقت الحاضر؛ ولكن تلك الكلمة كانت اعم وأشمل وقد كانت تطلق على جزء كبير من قارة أفريقيا يمتد من البحر الأحمر في الشرق حتى المحيط الأطلسي في الغرب، وينضوي تحت تلك التسمية ما يطلق عليه الآن أفريقية الغربية الفرنسية والتي مازال يطلق عليها في الأوساط العلمية السودان الغربي. وقد نص في اتفاقية 1899 على ما يدعم كلامنا هذا؛ فقد جاء في المادة الأولى منها ما يأتي: (تطلق لفظة السودان في هذا الوفاق على جميع الأراضي الكائنة إلى جنوبي الدرجة الثانية والعشرين من خطوط العرض) وهكذا أنشأ لوفاق حدوداً صناعية من الطراز الأول بين الشمال والجنوب، وليس أدل على (صناعيتها) من أنها قد حددت بأحد الخطوط العرض في الكرة الأرضية. ثم اصدر قرار يجعل نهاية الحدود بين مصر والسودان خطاً يمتد غربي النيل على مسافة مائتي متر شمالي البرية الكائنة بناحية أدندان. وكان نهر النيل قد أبى أن يقطعه خط صناعي مستقيم فكان هذا التجويف في الحدود الذي يدخل حلفا داخل السودان ويخرجها من الأراضي المصرية، وكأن سكان ودي حلفا (سودانيون) ومن يسكنون شماليا (المصريون). وسواء كان هذا التجويف أو لم يكن فقد فصلت تلك الحدود بين جماعات ترتبط بروابط الدم واللغة والدين هي الجماعات النبوية التي تسكن الجزء أسوان في الشمال حتى بلدة الدبة في الجنوب.
ففي الشمال - داخل الحدود المصرية - بين أسوان وبلدة المضيق يعيش الكنوز الذي يبلغ عددهم 43 , 000 نسمة.
ثم يحتل الفضيكية القرى الواقعة بين كرسكو ووداي حلفا ويقدر عددهم بنحو الثلاثين ألفا.
وإلى الجنوب منهم يمتد وطن السكوت والمحس من وادي حلفا حتى قرب دنقلة؛ وهؤلاء كثيراً ما ينتقلون إلى مصر طلبا للرزق، ثم يليهم الدناقلة الذين يسكنون جنوبهم حتى بلدة الدبة. وإخواننا النوبيون وإن كان المستعمر قد فرق بينهم بواسطة (خطه المستقيم) إلا أن لغتهم تربط بين جماعاتهم المختلفة كما تربط بينهم كذلك وحدة الدين، فقد كان النوبيون أيام الفراعنة يدينون بالدين المصري القديم؛ وفي أيام المسيحية بمصر دخلة الديانة المسيحية بلادهم.
ولما دخل العرب مصر بلاد النوبة برمتها بعيدة عن التأثير العربي الإسلامي وتأسست بالنوبة دولة مسيحية بقيت مدة طويلة مستقلة عن البلاد المصرية إلى أن اعتنق أهلها آخر الأمر الدين الإسلامي، وإن كانت اللغة العربية لم تجد الطريق أمامها سهلا معبدا في بلاد النبوبة، فقد ظل النوبيون حتى الوقت الحاضر محتفظين بلغتهم النوبية المتعددة اللهجات وليت الأمر قاصر على أن فصل هذا الخط بين النوبيين، ولكنه فصل كذلك بين جماعات البشاريين التي تسكن الصحراء الشرقية وتمتد شمالا حتى بلادة دراو وتعيش شعبة منهم شرق أسوان.
وقد فرق (هذا الخط المستقيم) بين بطونهم دون مبرر، وفكك وحدتهم دون داع، وخلق المشاكل بينهم بسبب تقسيم الآبار ومناطق الرعي التي تعودوا أن يستفيدوا منها فائدة مشتركة، وجرى العرف بينهم على أن تكون مصادر الماء وأماكن الرعي ملكا مشاعاً للجميع. وكأن الطبيعة قد أبت مرة أخرى أن يظل هذا الخط مستقيماً، ولكن المستعمر حار في أمر هذه القبائل فأبقى على الخط المستقيم (سياسيا) واختلق حداً آخر إلى جانب الحد السياسي، أو بالأخرى اختلق نوعا آخر من الحدود لم تعرفه دولة من دول العالم قبل ذلك، وهو الحدود الإدارية، وهو خط منكسر يتجه قليلاً في جنوب الحدود السياسية ثم ينحرف كثيراً في شمالها حتى يصل إلى البحر الأحمر، والغرض منه ضمان توحيد الإدارة في أرض القبيلة الواحدة، إما تحت إشراف حكومة السودان وأما ضمن الإدارة المصرية في الصحراء الشرقية، وإقامة نوعين من الحدود في هذا الجزء أن دل على شئ فإنما يدل على أن الحدود العائمة غير طبيعية، أو بمعنى آخر أن الطبيعة في هذا الإقليم لا تسير الاصطلاح على حدود فاصلة من النوع المعروف الذي تتمشى فيه مقتضيات السيادة القومية مع الضروريات الإدارية المحلية. ولعل من الطريف أن نلحظ أن مساحة المنطقة التي سلخت من الإدارة المصرية أضيفت إلى إدارة حكومة السودان تبلغ أكثر من تسعة أمثال ما أضيف إلى الإدارة المصرية من أراضى السودان، ومع أن هذا الأمر قد لا يكون ذا خطر كبير أو صغير من وجهة النظر المصرية السودانية إلا أن المصورات والخرائط الجغرافية التي تطبع حديثا في بريطانيا بل التي تقوم بطبعها حكومة السودان ذاتها كثيراً ما تغفل أمر الحدود السياسية ولا تثبت إلا الحدود الإرادية؛ ومع ذلك فان المنطقة التي سلخت من مصر غنية بنباتها، وهناك احتمال أن تكون غنية أيضاًببعض المعادن، فهي قرب البحر الأحمر ويوجد بها جبل علبة وغيره من المرتفعات، فإذا اكتشف بها بعض المعادن كانت مواقعها ومناجمها تابعة للسيادة المصرية من جهة، وخاضعة للإدارة (الثنائية) من جهة أخرى، وفي ذلك ما فيه.
وإن كان المستعمر قد حاول أن يتجنب المنازعات بين القبائل والبطون على مياه مراعيهم فهو قد فرق بهذه الخطوط المتداخلة بين جماعات تجري فيها دماء واحدة وهي الدماء الحامية، وتتكلم لغة واحدة هي اللغة البدوية.
هذا مع ملاحظة أن جماعات البشاريين إنما هي وحدة ترتبط بباقي قبائل البجاه الأخرى التي تسكن في مصر الصحراء الشرقية بأكملها ويعيشون في السودان الشرقي حتى الحدود الفاصلة بين السودان والحبشة من الناحية وبين السودان وأرتيريا من ناحية أخرى. وهكذا يتضح جليا أن المستعمر قد تجاهل كل تلك الحقائق في سبيل تحقيق أغراضه ومراميه، وأخيراً قد تجاهل كذلك التاريخ.
ولسنا بصدد إثبات تلك الوحدة بين شقي الوادي منذ اقدم العصور ولكن يكفي أن نذكر أن مصر والسودان - منذ أن فتح السلطان سليم الأول جنوب وادي النيل أول مرة عام 1520م ووصلت جيوشه إلى الشلال الثالث، حتى وضع الإنجليز أقدامهم في السودان، كانت مصر والسودان خلال تلك الفترة الطويلة قطراً واحداً لا تفصل بين شطريه حدود، تديره حكومة واحدة، ويخضع لسيادة واحدة، ويذود عن إقليمه جيش واحد وتسري في شرطيه قوانين واحدة وتشرف على تنفيذها سلطة واحدة ويستمع فيه سكان الجنوب وسكان الشمال بحقوق واحدة.
ويلتزمون بواجبات وتبعات واحدة حقق الله هذه الوحدة المباركة حتى نسمح (هذا الخط المستقيم) من خرائطنا، ويمسحونه من خرائطهم. محمد صبحي عبد الحكيم ليسانسيه في الآداب

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣