أرشيف المقالات

أعلام من الشرق والغرب

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 تأليف الأستاذ محمد عبد الغني حسن بقلم الدكتور أحمد فؤاد الأهواني من واجب كل أمة تريد أن تستكمل نهضتها، وترفع من شأنها، أن تعرف ماضيها حق المعرفة.
فليست القومية الوطنية إلا التاريخ المتجدد مع الزمان.
ولست أدري كيف نريد أن نعتز بمصريتنا دون أن نعرف دقائق تاريخنا.
وقد شاءت إرادة المستعمر أن يسدل بيننا وبين تاريخنا ستاراً كشيفاً من النسيان يحجبنا عنه حتى لا نتعلق بأذيال الوطنية ولا نطالب بالتخلص من نير الاستعمار فلم يكن يسمح بدراسة التاريخ القومي إلى بمقدار.
حتى إذا قامت مصر قومتها ظهر كثير من المفكرين والكتاب يحاولون تدوين ذلك التاريخ القومي الذي يصل بيننا وبين ماضينا سواءٍ في ذلك الماضي البعيد أو القريب.
وأرخ لهذا الماضي القريب الراقص في الحركة القومية ولكنه عنى قبل كل شيء بالجانب السياسي ولو أنه لم يغفل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأدبية حتى لقد أفرد في كتابه فصولاً قصارا ترجم فيها لبعض أعلام مصر الحديثة مثل رفاعة رافع الطهطاوي من البارزين في سماء النهضة المصرية. ويحتاج التحقيق التام للحركة الأدبية في القرن التاسع عشر إلى مجهودات كثيرة ينقطع فيها الباحثون إلى التاريخ لرجال الفكر والأدب في القرن الماضي. وقد دفعت وطنية صديقنا الأستاذ محمد عبد الغني حسن الشاعر الأديب إلى رسم صورة محققة عن بعض أعلامنا يجد الباحث عنهم العناء الشديد في التعرف إليهم.
فنفض عنهم غبار النسيان وجلا للقراء صفحة مطوية من تاريخ مصر الحديث. فهو يحدثنا عن مصطفى مختار بك أول وزير للمعارف المصرية الذي أرسله محمد علي باش مع البعثة المصرية إلى فرنسا، وهي تلك البعثة التي كان رفاعة الطهطاوي إماماً لها. ويحدثنا بعد ذلك عن شاعر الخديوي الأول الشيخ محمد شهاب الدين وهو كما يحدثنا صاحب هذا الكتاب (الشاعر الرسمي لمصر الحديثة).
ولم يكن هذا الشيخ ربيب الأزهر وإنما كان وزاناً صغيراً في أسواق البيع والشراء.
وكأن الوزن المادي في الأسواق النافقة والكاسدة كان تمهيداً للوزن المعنوي في سوق القريض والقصيد فقد أصبح هذا الوز شاعراً رسمياً للخديوي يزن القصيد ويتفنى الناس بشعره. على أن شعر الشيخ لم يكن جيداً وقد قدم الكاتب نموذجاً لشعره وحلله إلى أن انتهى بهذا الحكم الصادق وهو (أننا نكلف رجال ذلك العصر شططاً إذا طلبنا منهم أن يكونوا أجود مما وصلوا إلينا فقد كونته بيئتهم ثم مهدو السبيل بعد ذلك للبارودي الذي اجتمعت له ولعصره أسباب الأحياء في الشعر العربي). ويحدثنا بعد ذلك عن عالم طريف مغمور هو الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي سافر من مصر إلى بتروجراد عاصمة روسيا يعلم اللغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية فكان له أثر كبير في المستشرقين من الروس.
ولقد لقي الكاتب عناء شديداً في الترجمة لهذا الشيخ فأخذ يجمع سطراً من هنا وإشارة من هناك ويتصل اتصالاً شخصياً بمن يظن فيه شبهة معرفة بتاريخ ذلك الرجل حتى أخبره البروفيسور بولوتسكي بالجامعة العبرية أن للشيخ مؤلفاً بعنوان تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا، وأن الكتاب كخطوط يوجد منه نسخة في أسطنبول.
ولا ريب في أن مثل هذا الكتاب طريف فريد في بابه فضلاً عن قيمته التاريخية الكبيرة، فهو يصور الحياة في روسيا في منتصف القرن التاسع عشر بقلم مصري أزهري، فهل نطمع في قيام أحد علمائنا باجتلاب هذا المخطوط وطبعه؟ وينتقل بنا الأستاذ عبد الغني بعد ذلك إلى الحديث عن شاعر مصري، وقف شعره على أشراف الحجاز يسمى محمود صفوة الساعاتي، سافر للحج فاتصل بالشريف محمد بن عون أمير مكة فقربه إليه وصحبه في حروبه مع أمراء نجد، فصور الساعاتي هذه الحروب شعراً يذكرنا كما يقول عبد الغني بشعر المعارك عند المتنبي في القديم وعند البارودي في الحديث.
وذلك مثل قوله في مدح الشريف أبن عون: إذا تألق برق السيف في يده ...
أبصرت غيث دم الأبطال منسفحاً مقوم كل معوج بصارمه ...
فكل خصم لهذا صار منطرحاً وقد طاف الساعاتي بكثير من أغراض الشعر فمدح وطلب وعتب ورثى، فلم يخرج في ذلك عن مألوف القدماء. وكنا مود أن يحدثنا الأستاذ عبد الغني عن الشاعر السيد علي الدرويش بعد أن حدثنا عن شهاب الدين مباشرة لأنهما من الذين أختصهما عباس الأول بمجلسه حتى كان كل منهما يلقب بشاعر عباس الأول.
وقد ترجم له ترجمة جيد درس فيها شعره محللاً أغراضه وبين الخصومة التي كان لا بد أن تقع بينه وبين شهاب الدين حتى بلغ من هجاء الدرويش لخصمه أن يقول له في قصيدة يهجوه فيها: عاش دهراً وجهله في ازدياد ...
ليته بعد لم يكن ليعيشا. وينقلنا المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن علم من أعلام الأدب في مصر الحديثة كان له أثر عظيم وفضل كبير على نهضة الأدب في مصر هو الشيخ حسين المرصفي الذي ظل يدرس في الأزهر إلى أن كانت نظارة على مبارك فعهد إليه بالتدريس في دار العلوم وكان يحضر عليه كثير من أعلام العصر منهم على مبارك نفسه.
وقد أختط في تدريس الأدب العربي والبلاغة منهجاً جديداً ظهره في كتابه المسمى بالوسيلة الأدبية قد وصفه على مبارك برقة المزاج ووحدة الذهن وشدة الحذق. ونجد علماً آخر مجهولاً ولكنه أثر في الحياة الأدبية عن طريق الصحافة هو حسن حسني الطوبراني باشا والذي دعا المؤلف أن يترجم له هو سؤال سائل في مجلة الرسالة أن يتفضل أحد الأدباء برواية قصة الشاعر المغمور.
فأفتتح الأستاذ عبد الغني ترجمته بعجبه أن ينسى أديب عربي مشهور وصحافي ذائع الصيت، وشاعر قوي العبارة، ولما يمض على وفاته نصف قرن كامل؛ فكيف إذا خب المطي به عشرات القرون؟ ولد الطوبراني في مصر ولكنه تركى تنقل من بلد إلى بلد حتى قال عن نفسه: شرق النسر وغرب ...
وتترك وتعرب ولئن أطري وأطرب ...
فهو نصاح مجرب وهو إن أعرب أغرب ...
وهو إن أعجم أعرب وحرر في صحف تركية وأخرى عربية كانت تصدر في القسطنطينية وكانت تغلب عليه الروح الإسلامية ونزعة الإصلاح وله ديوان شعر ولكنه غير جيد.
وقد درسه المؤلف دراسة مستفيضة فتكلم عن أغراضه وعن أسلوبه وعن مآخذ عابها في شعره. ثم نجد فصلاً طريفاً يحدثنا فيه عبد الغني عن شوقي وحافظ بين الكتب وهو فصل طريف لأننا على وثوق معرفتنا بشوقي وقراءتنا لديوانه وتمثيلياته وقصصه نجهل عنه بعض تأليفه مما أخرجه في صدر شبابه؛ فأسدل عليه ستار النسيان فقد كتب شوقي رواية ظهرت في 1897 تسمى عذراء الهند ترجع حوادثها إلى زمن رمسيس الثاني وهي أول محاولة لشوقي في معالجة الفن السروائي ولكنها لم تنجح.
وظهرت له بعد عامين رواية نشرتها مجلة الموسوعات تسمى لادياس قصد منها شوقي أن يصور حالة مصر بعد عهد ابسماتيك الثاني، وقد كتبها نثراً ولكنه نثر مطبوع بطابع العصر يمتاز بتكلف السجع وفيها يقول: (وكانت لادياس فتنة الناس، بالبذر الطالع في الفصن المياس.
)
ولقد تحرر شوقي من السجع بعد ذلك كما نرى في رواية أميرة الأندلس. ولشوقي رواية ثالثة هي ورقة الآس. ولا أحب أن أمضي في هذا التلخيص إلى نهاية الكتاب خشية الإطالة، فنحن بحد بعد ذلك ترجمة دقيقة للشيخ محمد شاكر الذي كان وكيلاً للأزهر في مطلع القرن العشرين وهو والد صديقنا الشيخ أحمد شاكر الذي ينشر الآن مسند الإمام أحمد بن حنبل. ويحدثنا عن أدباء عرفناهم واتصلنا بهم مثل إسماعيل أدهم وفخري أبو السعود، وإسعاف النشاشبي، وأنطون الجميل. فأنت ترى أن الكتاب قد جمع أعلاماً مختلفين اختلافاً شديداً ولكن تربطهم رابطة قويا هي رابطة الأدب في مصر الحديثة. ويبدوا أن نصيب الشعراء أوفر ولا غرو فصاحب الكتاب شاعر تستجيب نفسه إلى الشعراء فتجمعه وإياهم صلة الصناعة، ولذلك كانت دراسته لهؤلاء الشعراء دراسة الحاذق البصير والناقد القصير. ولقد لفتني ما ذكره عن شوقي من أن نثره يكاد يكون شعراً ففيها هذه الموسيقى التي تطرب لها الآذان ولذلك حاول أن يرد بعض نثره إلى الأوزان الشعرية مثل قوله في الوطن. ومراد الرزق ومطلبه ...
وطريق المجد ومركبه فهو بيت من بحر المتدارك فقلت في بالي: وأنا اقرأ أسلوب عبد الغني وأحسن فيه بهذه الموسيقى التي ترتاح إليها النفس أن ذلك أثر من آثار صناعة الشعر وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء من عباده. أحمد فؤاد الأهواني

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير