أرشيف المقالات

بين الشك والإيمان

8 الشاعر الإيطالي (ليوباردي) للأستاذ خليل هنداوي - 2 - أعجب ليوباردي بالموت والفناء، فقال في مقطوعة له: _ أيها الموت الرحيم الذي لم أزل أدعوه إلى منذ تألق صباي: تعال أغلق إلى الأبد عينيَّ، فقد طرحت بعيداً عني كل أمل خادع يتعلل به العالم، ويلهو كالطفل.
أنا لا رجاء لي إلا بك، ولن أرتقب إلا النهار الذي أرقد فيه مسنداً جبيني على صدرك الطاهر) وهكذا أصبحت نفسه لا يشبعها لون من ألوان الحياة وآمالها، لا الحب ولا زهوه، ولا الأمل وآفاقه؛ لا يشبعها ولا يطفئ رغائبها إلا لقاء الموت. قد تسمع هذه اللهجة من غير ليوباردي فتصد عنها، ولكنك تسمعها من هذا القلب الخافق والروح المعذب فتوقظ نفسك الهاجعة وتهيج قلبك الهامد، لأن اللهجة التي ينطق بها الشاعر ليست لهجة خاصة، وإنما هي لهجة الإنسانية التي تأتي من حيث لا تعلم، وتنطلق إلى حيث لا تدري. يقول ليوباردي: إن الجميل هو عدو الحقيقي، ولكن هذا الجمال الخادع هو - عندي - خير من الحقائق الأرضية الدنيئة.
ألا فلنهذب الأشياء التي تفسح ساحات الخيال، فهي أجدى نفعاً على الناس لأنها تبعث على النسيان.
إن الآداب هي رفيعة المقام، وهي القائدة إلى المثل العليا، والدرس يبعث على التعزي، وهو يبهج ويلهي النفس.
أما الحب فهو نعمة لأنه يتصور ويتأمل.
أما الأمل فهو الأريج الفواح الذي يعطر مسارب كل مكان.
وإذا كنت أعتقد أن الموت هو خير هذه الأشياء، فلأنه يفاجئ الإنسان المسترسل في أوهامه، لا يقتل هذه الأوهام إلا بقضائه على الحياة؛ لماذا تصلح حياتنا؟ هل تصلح إلا للازدراء؟ - 5 - ومن الغريب أن ترى ليوباردي الكاتب يناقض ليوباردي الشاعر، فرسائله لا تكاد تخلو من ذكر الله وهو في شعره جاحد لوجوده، يقول في إحدى رسالاته (والأجل الذي كتيه الله لما يحن! ولكنني أرجو من الآلام التي أنهكتني أن تسوقني إلى الراحة الخالدة التي أطلبها كل يوم، هرباً من العذاب الذي أضواني.) كان ليوباردي يجحد وجود العناية الإلهية، والآن يثبتها لأنه يحس وجودها بالضرورة التي تفرض وجودها.
يقول الشقي (إذا كان هنالك كائن في السماء أو الأرض أو في قاع البحار، فلا أقول عنه إنه رحيم، ولكنه شاهد على عذابي) كان ليوباردي يحتقر البراعة، وينسى الأسماء الخالدة اللامعة وها هو الآن في ذات مساء، في مدينة (رومة) يرقى ربوة ((سانت أتومزيو) حيث قضى (لوتاس) نحبه، ينحني إزاء قبر هذا الشاعر الكبير، ويستوي تحت ظلال الشجرة التي ألف الشاعر أن يفئ إليها متأملاً في غروب الشمس، هنالك يقول ليوباردي لا شيء جميل على الأرض؛ عظمة اليراعة التي تعيش وتخلد هي فوق كل عظمة.
وكان يقول عن الحب إنه حلم فارغ، غير خليق به أن يقلق نفساً صافية، وها هو ذا الآن يجعل من الحب رسول السعادة الحقيقة، ترسله الآلهة إلى قلوب بني الإنسان.
(فهو إذا هبط الأرض تحرى عن أشرف القلوب وأطهرها، وبث فيها من روحه وعذوبته.
حتى ليحس صاحب الحب أن في قلبه روحاً غريبة تثنيه عن العالم)
وهو الكاتب إلى أخيه (بالله أجبني.

أنا في حاجة إلى الحب.

الحب.

النار.

الهيام.

الحياة)
وهو الذي يحدث عن صداقة أنقذته، وبدلت بؤسه هناء وجعلته يؤمن بأن في الحياة أفراحاً كان يحسبها مستحيلة. كان ليوباردي يساير مذهب الجاحدين وجود المشاعر السامية في الإنسان، والآن أصبحت هذه الأكاذيب عنده أسمى شيء في أخلاق الإنسان، تدل على شيء هو أعظم من الرداء الترابي، فيصرف وجهه عن الأرض ليتأمل في عظمة الفضاء الشاسع والعوالم السابحة فيه، فيرى كل شيء صغيراً حقيراً عند هذه النفس، فيعرف أن النفس هي أوسع بخاطراتها وتأملاتها من كل عالم، فتشكو هذا النقص وتحس الفراغ والسأم؟ أليس هذا بما فيه برهاناً على شرف الطبيعة الإنسانية؟ هذه المشادة هي المعركة التي تقوم بين القلب والروح، ولكن هذه المعركة التي تتخذ من صدر (ليوباردي) ميداناً عنيفاً هي معركة دائمة لا انتهاء لها.
يحفزها الألم ويسعر ضرامها الشقاء ذلك الألم الذي نحا بالشاعر إلى هذه الوجهة العابسة من فلسفة الشك، وطبيعي أن تكون هذه الوجهة غيرها فيما لو قيَّضت المقادير لهذا الشاعر حياة ناعمة وعيشاً رغداً، إذا لكبست الحياة متفائلاً جديداً يشدو بمحاسنها ويلهج بالثناء على جمالها، وسيان عندها شاعر بكى وشاعر شدا: فلله ما أظلم الفلسفة إذا كان قليل من هناء يبيض وجهها فيبيض العالم، وقليل من شقاء يسوَّد وجهها فإذا العالم كله ظلمات بعضها فوق بعض.
والحقيقة - وأجدر بالحقيقة أن تكون وراء هناء الإنسان ووراء شقائه، ولكن قل لي من الذي يستطيع أن يتجرد من جميع هذه الظواهر، ومن ذا الذي يقدر على أن يضمن سلامة عقله إذا جاع بطنه، وأن يبقى على هنائه إذا عضه ألم أو فرَّ منه أمل - 6 - وهكذا ظل ليوباردي تتشاطر قلبه نوازع مختلفة، وينحط على جسده الداء إثر الداء، يحاول أن يهدئ ثائرتها عنه بتنقله من رومة إلى بولونيا، ومن بولونيا إلى فلورنسا، إلى نابولي، والداء لا يزيد إلا تمكناً منه، حتى آثر الشاعر الموت لنفسه على ان يذلها بسبب الحاجة، وقد دفعه ألمه هذا للكتابة إلى والده (.

ان ما رتبته لي لا يكفي.

على أنني أريد ألاّ أحيا كما يحيا الناس، ولكن الموت هو أفضل عندي، ولكن الموت يجب ارتقاب أجله، فلو كان الأمر بيدي لما طلبت إليك - والله شهيد علي - أن تمنحني شيئاً.)
تعرف في نابولي إلى صديقه (رانيري) ذلك الصديق الذي أخلص له كل الإخلاص، وظل أميناً حتى اللحظة التي غادر فيها ليوباردي الوجود، وفي نابولي اعتزل الشاعر الناس، فلا يبصر منهم أحداً، ولا يسمع عنهم شيئاً، كأنما عزلته هذه هي عزلة الموت.
ينطبق عليه فيها قوله (أصبحت جزعاً يفكر ويقاسي العذاب، هو لا يزجى حياته إلا في التفكير، ولا يشغله في عزلته ألاّ التأمل.
إذا رآه الناظر يخطر بين خرائب (بومباي) عند الغروب، تمثل شبحاً قديماً يزحف بين الخرائب يرثي حظها وحظ نفسه وجد على قمة جبل تنفث مائعاً نارياً نبتة ضعيفة تحاول أن تنزل فيها جذورها، فمثل الشاعر نفسه بالنبتة الحقيرة وناجاها قائلاً: (وأنت أيضاً، ستخضعين لقوة النار، وستنحنين تحت الأثقال، ولكنك لن تنحني جبانة أمام الظالم، ولن تلتفتي إلى السماء بكبرياء أهوج) يطغى على ليوباردي هذا الشك العنيف، فينكر الخلود ويعلن قبل موته أن هذه الفلسفة البائسة - كما يدعوها - ليست نتيجة ألمه وشقائه، ولكن نتيجة اعتقاد وايمان، ويؤلف مقطوعة الموت والحب، معنوناً إياها ببيت للشاعر (لمينادر) (هنالك يموت شاباً من تحبه الآلهة) وإزاء هذا التناقض الذي شاهدناه بين قصائده ورسائله كتب أيضاً (وداعاً يا صديقي العزيز.
.
إنني أحس في نفسي رغبة هائجة لعناقك، ولكن كيف؟ وفي أي موطن أستطيع؟ أخاف جداً ألا يكون هذا بقدر طول حديقة (أسفوريل).
حدثني عن دروسك، وأحببني دائماً، وداعاً لك من كل قلبي)
انتشرت الكوليرا في نابولي وكثرت ضحاياها، فنقله (رانيني) صديقه الحميم إلى (بورتيسي).
وفي الرابع عشر من يونيو عام 1839 أخذت الشاعر نوبة إغماء قوية تزايلت لها أعضاؤه، ولم يكن عند الشاعر إلا صديقه وأخت صديقه، كانت تمسح العرق المتصبب من جبين العليل، وكان (رانيني) يساعده بحركات رياضية على التنفس، وكل هذا لم يغنه شيئاً.
فعاد بعد لأي إلى وعيه واتسعت عيناه، ونظر إلى صديقه نظرة عميقة، وقال به بلهجة يمازجها التنهد: (لن أراك أبداً) ثم انقطعت أنفاسه وهمد قلبه الهمدة الأخيرة ووري جثمانه في الكنيسة الصغيرة (سانت فينال) حيث يرقد غير بعيد عنه رفات الشاعر الأكبر (فرجيل).
فيا لله من هذا الحظ الذي جمع بين لحدي هذين الشاعرين العظيمين، وهما على قربى في الوطن والفكر والشعر.
قد انشق الاثنان من نبعة، وانطلقا ليرقدا في رقعة واحدة.
كلاهما تألم، وكلاهما لقي حتفه في ميعة الصبا، وكلاهما أيس من العالم الثاني، وود أن ينتقم من المقادير ويثأر لشقائه فقالا: (هي المقادير! ما أوجدت الإنسان ليحيا، وإنما أوجدته ليموت) وهذه الفكرة التي تجعل الموت غاية الوجود قد رددها ليوباردي في مقطوعته (أنشودة الديك) _ يخيل اليَّ أن المآل الوحيد لكل موجود هو الموت، لن يموت شيء لم يوجد، ولن يولد شيء من العدم. يتجه كل مخلوق بأعماله وآماله إلى السعادة. فيسعى ثم يقف مجهوداً دون أن يدركها. ثم يجد أن جميع أعماله - لا تؤول وا أسفاه! إلا إلى مشيئة الطبيعة المكتوبة على كل موجود - وهي الموت)
وكأنه يقول، وهو المتألم، خلقنا لنتألم، ثم لنفنى. (بيروت) خليل هنداوي

شارك الخبر

المرئيات-١