أرشيف المقالات

الفتوة عند الصوفيين

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 للأستاذ عبد الموجود عبد الحافظ (بقية ما نشر في العدد الماضي) أما المنزلة الثالثة فهي تختص بما يكون من الفتى نحو خالقه، وهذه المنزلة تشتمل على أمور ثلاثة: أما الأمر الأول: فهو أن الفتى يجب ألا يتعلق في السير للوصول إلى الحضرة الربانية بدليل، فالسائر في طريق الوصول إلى هذا المقصد بسير على قدم اليقين ويستدل في طريقه بالبصيرة والمشاهدة، ويسترشد بما تقععليه من آيات باهرة تدل على قدرة ألله وكمال ذاته، فاسترشاده بغيره هذا وسيره مع الدليل آية على عدم نفاذ بصيرته وسلامتها، ودليل على أنه لم يخلص في طلبه ولم يشتم رائحة اليقين؛ وفي هذا قال بعضهم (من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم تحل له الفتوة أبدا).
والمعرفة عندهم ضرورية لا استدلالية، لأن الرسل عليهم السلام لما أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى عباده دعوهم إلى عبادته وتوحيد ذاته ولم يدعوهم إلى الإقرار بالله سبحانه، بل دعواهم دعوة من لا يشك في وجود القدرة الإلهية، وأن الله هو الصانع الحكيم، وخاطبوهم خطاب من ليس عنده أدنى شبهة في الإقرار به، وأن وجوده ليس في حاجة إلى الاستدلال عليه، ولا مرشد للسير في طريق الوصول إليه، فخاطبوهم قائلين: (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟) وكيف يدعى الفتوة من يطلب الاستدلال على من هو أظهر من دليله بل هو الدليل والمدلول؛ فالقاصد له من نوره ودلائل قدرته وآثار حكمته أكبر دليل، ومن خلص قلبه وكمل إيمانه وتفتحت بصيرته وضح أمامه الطريق وظهرت له معالم الشهود فيرى المشهود بغير دليل، ولا ينال هذه المرتبة إلا من أفنى نفسه في ذات مشهوده وترك ما سواه؛ وهذا هو معنى الأثر الإلهي (إذا أحببت عبدي كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع وبي يبصر). أما توقف طالب الوصول وتقيده بالدليل الذي يهديه الطريق، دليل على الشك في إخلاصه.
ومن يطلب الاستدلال على الوحدانية ومشيئته وقدرته - فليس له أدنى درجة من الفتوة بل يكون مخالفاااا لها من كل أوجهها. سئل أحدهم عن ذلك فقال: لو أن رجلا بعث لك رسولا يدعوك إلى داره فقلت للرسول: لا أقوم معك حتى تقيم الدليل على وجود من بعثك، وأنه مطاع في أهله وأنه أهل لأن يقصد ويغشى بابه، لكنت في الفتوة دعيا) فكيف تطلب الدليل على ن وجوده ووحدانيته وقدرته وربوبيته أظهر من كل دليل تطلبه، وأقوى من كل برهان تستدل به، فما من دليل يطلب للاستدلال عليه إلا ووحدانيته وكماله وعفوه وإحسانه اظهر من كل دليل.
فأبعد الناس عن الفتوة من طلب الدليل على من هو دليل على نفسه. وليس يصح في الأذهان شئ ...
إذا احتاج النهار إلى دليل فالسالك الصادق صاحب اليقين الذي وهبه الله نور البصيرة وكشفه له عن جوهر الحقيقة لا يحتاج إلى دليل، لأن تقيده بالدليل يفرق عزمة قلبه، وهذا انقطاع وخروج عن الفتوة، وفي هذا قالوا: إن الدليل يفرق والمدلول يجمع، فالسالك يقصد الجمعية على المدلول، فما له ولتفرقة الدليل.
وشبهوا المتقيد في سلوكه بالدليل بالمتكلم الذي يغنى حياته بحثا في الزمان والمكان والجوهر والأعراض، ويقصر همه على هذه الأشياء لا يتجاوزها للوصول منها إلى خالق الكون وعبوديته وتقرير وحدانيته بمقتضى أسمائه وصفاته، لا يشتغل قلبه بسواه ولا يطلب دليلا على من هو أقوى دليل، قال الحلاج: (إن المتكلم مستغرق في معرفة حقيقة الزمان والمكان، والعارف قد ضن بالزمان أن يذهب ضائعا في غير السير إلى رب الزمان والمكان). والأمر الثاني: أن تكون وجهة الفتى صادقة، وإجابته لداعي الحق خالصة، لا يشوب محبته يعوض، ولا يطلب من الحظوظ غير الاستغراق في محبة معبوده والفناء في ذاته؛ فإن فعل ذلك فقد نال كل حظ وفاز بكل عوض كما في الأثر الإلهي: (ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شئ، وإن فتك فاتك كل شئ.
أنا أحب إليك من كل شئ). فالفتى من يعبد ربه حق العبودية لا يطلب منه أحرا على إخلاصه، فإذا طلب العبد من سيده أجرا على قيامه بخدمته له سقط من عين سيده وصار عنده أحمق يستوجب العقوبة؛ إذا أن عبوديته تقتضي خدمته، والذي يخدم بالأجر لا عبودية للمخدوم عليه، ولا بمكان لسيده عنده؛ وهذا إما أن يكون حرا سيده انسه أو مملوكا لسواه. والخلق جمعا عبيد الله المتصرف فيه، فهم يخدمونه بحق عبوديته لهم وملكيته إياهم، فطلبهم للأجر خروجعن محض العبودية وخلاف لناموس الخضوع؛ فالعبد الذي لا يشوب خدمته بطلب العوض هو المقرب من مولاه الأثير عنده. سئل أحدهم عن معنى هذا فقال: (إذا كان لك من العبيد أربعة، أولهم لا يريدك ولا يريد منك، بل قلبه متعلق ببعض عبيدك فله يريد ومنه يريد، والثاني يريد منك ولا يريدك، فهذا إرادته مقصورة على نيل حظوظه منك، والثالث يريدك ويريد منك، فهدا يخدمك ويتقرب إليك لنيل ما يبغي فإرادته لك وسيلة.
والرابع يرد ولا يريد منك، فإرادته مقصورة عليك وعلى مرضاتك، فهو لا شك آثر الجميع وأقربهم منزلة منك وأحبهم إلى قبلك والمخصوص من إكرامك وعطاياك). ويظهر إخلاص العبد لسيده في القيام بواجب الشكر على ما أولاه من نعم ووهبه من عطايا؛ لأن حقيقة الشكر عبادة الشكر والشكر مبنى على قواعد خمس. خضوع الشاكر للمشكور، والفناء في حبه، والاعتراف بنعمه ظاهرها وباطنها والثناء عليه بهذه النعم - أي الإحسان منها إلى عباده واتفاقها في أوجه الخير، وهذا هو الثناء بالنعم على المنعم - وألا يستعملها العبد فيما يكره سيده، والأعراف بأن هذه النعم قد تفضل بها السيد على عبده وهو ليس أهلالها.
قال الجنيد: (الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة) ومن أنواع الشكر أن يفنى العبد نفسه في ذات المنعم عن رؤية النعمة فلا تحجبه رؤيتها عن مشاهد المتفضل عليه والمنعم بها.
قال الشبلي: (الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة). والشكر درجتان: شكر العامة ويكون على المأكل والمشرب والملبس وقوة الأبدان وأعراض الدنيا، وهذا ليس من الفتوة في شئ؛ وشكر الخاصة، ويكون على التوحيد والإيمان وقوة القلب وصفاء النفس.
ومعنى هذا أن يكون بالقلب خضوع واستكانة، وباللسان اعترافا وثناء، وبالجوارح طاعة وانقيادا، وهذا من خصائص الفتوة، وكلما ازداد العبد شكرا ازداد المنعم عليه تفضلا ومنه تقريبا؛ ففي الأثر الإلهي: (أهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي) ويزيد بعضهم نوعا ثالثا من الشكر وهو أن يكون على ابتلاء الله الذي ينزله بعبده، فيعتبرون هذا البلاء نعمة يذكرهم الله بها فهم دائما في حضرته. سال رجل جعفر الصادق رضى الله عنه عن الفتوة، فقال له ما تقول أنت؟ فقال الرجل إن أعطيت شكرت وإن منعت صبرت فقال جعفر: الكلاب عندنا كذلك.
فقال له السائل: يا ابن رسول الله فما الفتوة عندكم؟ قال له: إن أعطينا آثرنا، وإن منعنا أو ابتلينا صبرنا) وقال آخر: (الفتوة هي إظهار النعمة وإسرار المحنة). أما الأمر الثالث من هذه المنزلة: فهو إعراض الفتى عن نفسه وعدم انشغاله بها، وإهماله مطالبها، وإذلالها في سبيل الوصول إلى مقصودة الأسمى وغرضه الأعلى وأن يتهمها دائما بالتقصير وبأنها العائق في طريق وصوله، فيخاصمها في الله فيكون كما قال محمد بن علي الترمذي: (أن تكون خصمك لربك على نفسك) فيضعها دائما موضع التهم ليطامن من كبريائها ويحطن هذا الصنم الذي بينه وبين ربه ليصفو قلبه ولا ينشغل بسوى حبه والفناء في حضرته.
قال الجنيد: (الفتوة كسر الصنم الذي بينك وبين الله تعالى، وهو نفسك) كما قال عمرو بن عثمان المكي (حرون خداعة رواغة فاحذرها وسقها بتهديد وخوف يتم لك ما تريد). وقد حكى الله سبحانه وتعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه كسر الأصنام لله إذ جعلهم جذاذا، فانفتى من كسر صنماواحداً في الله.
وقد قيل (الفتوة ألا تكون خصما لأحد) وذلك فيما يتعلق بحقوق العباد، أما في حقوق الله وابتغاء مرضاته، فالفتوة أن تكون خصما لكل ما سواه وإن كان الحبيب المصافي، فالسائر إلى المحبوب لا يقف مع حظوظ النفس، بل يفنى ذاته في ذات من أحب لأن طريق السالكين والفتوة السائرين على دروب الغناء، الخروج عن نفسهم فضلا عن حظوظها، لأن الفتوة، العمل على أن يكون الفتى بالله لا بنفسه، والرضى بأحكامه ساءته أم سرته.
والخروج عن النفس، هو حبسها على مراد الله وبذلها في أقامه دينه وتنفيذه بين أهل المعارضة والبغي والعتاد، يصيح فيهم بالنصائح جهارا لا تأخذه في جهادهم في الله لومة لأئم؛ وهذا تعذيب للنفس في حب اله وإفنائها في ذاته، وهذا عند الفتى الصادق أعظم العيش وأغر الحظ. ولو ذهبنا نتقصى أقوال القوم في الفتوة ونحللها لطال المقام وتشعب بنا الأمر فنكتفي بهذا القدر.
ونسأل الله التوفيق، وللأستاذ ضياء الدخيلي من الله حسن الجزاء ومنا وافر الشكر. (أسيوط) عبد الموجود عبد الحافظ مراجعه. 1 - الأعلام الذين ذكروا في هذا المقال سنفرد لكل منهم بإذن الله بحثا خاصا به. 2 - المراجع التي استقينا منها هذا المقال 1 - مدارج السالكين. 2 - الرعاية لحقوق الله. 3 - مكارم الأخلاق. 4 - التعرف لمذهب أهل التصوف. 5 - صيد الخاطر. 6 - المواقف. 7 - التصوف الإسلامي.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢