أرشيف المقالات

مشاهدات وملاحظات:

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 تحية العلم.
للأستاذ أبي خلدون ساطع الحصري بك المستشار الثقافي لجامعة الدول العربية كانت جزيرة (كورفو) منتهى المرحلة الثانية من مراحل سفرتي من بغداد إلى المغرب الأقصى قبيل الحرب العالمية الأخيرة. هبطت بنا الطيارة المائية المطار البحري في المضيق البحري الذي يفصل الجزيرة من البر، وقت العصر؛ ثم نقلتنا السيارة من هناك إلى فندق في المدينة لنقضي الليلة فيه، على أن نعود في فجر اليوم التالي إلى المطار لنستأنف السفر نهاراً. والطريق الذي يمتد بين المطار والمدينة كان طويلاً، يمر من بين مزارع جميلة وقرى صغيرة؛ شاهدنا فيها عدداً غير قليل من الرجال والنساء والأطفال، كلهم في ملابس أنيقة كأنهم في يوم عيد.
وكلما اقتربنا من المدينة رأينا علائم الزينة تزداد شيئاً فشيئاً.

إلى علمنا أن ذلك اليوم كان فعلاً من أيام الكرنفال. كنت قد زرت هذه الجزيرة الجميلة مراراً؛ غير أن تلك الزيارات كانت قديمة العهد جداً؛ لأنها كانت تتصل ببداية حياتي التدريسية في حاضرة (الأيبر) - يانيا - التي كانت يومئذ مركز ولاية تابعة للدولة العثمانية. فكان من الطبيعي أن أشعر برغبة شديدة في التجوال في المدينة قبل حلول الليل، بغية تجديد تلك الذكريات القديمة ومشاهدة الجزيرة - في عهدها الحالي - بعد مرور هذه السنين الطويلة.
فما كدت أعرف غرفتي واضع فيها حقيبتي، حتى خرجت من الفندق إلى الشوارع التي تعج بضجيج الكرنفال.
وأخذت أسير في الطرق والميادين دون أن أسترشد بدليل، غير مواكب التهريج نفسها.
.
إلى أن وصلت إلى الميدان الفسيح الذي يقع في ظاهر المدينة، حيث تلتقي شوارع عديدة فتمر منه جميع المواكب في روحاتها وغدواتها المتكررة. رأيت القوم - كعهدي بهم سبقاً - يملئون الجو ضجيجاً والميدان حركة؛ ويتسابقون في الضحك والإضحاك بأقنعتهم الغريبة، وأزيائهم العجيبة، ورقصاتهم السريعة، وأغانيهم الخفيفة، وأجواقهم المهرجة.
وكان وصول كل موكب من المواكب إلى الميدان يستثير عاصفة من القهقهة والهتاف والصياح.
.
تندفع من حناجر آلاف المتفرجين المجتمعين هناك. وقفت مدة في زاوية من زوايا الميدان التي تطل على شوارع عديدة، فتمكنت من مشاهدة المواكب الكثيرة؛ وأخذت أتتبع حركات القوم بكل اهتمام. وأتفق أن وصل مرة أربعة مواكب غريبة دفعة واحدة من شوارع مختلفة؛ فزاد نشاط الجميع زيادة هائلة.
وصارت الجماعات التي تؤلف المواكب تندفع في العزف والرقص والتهريج اندفاعاً جنونياً؛ وأخذت جماهير المتفرجين تغرب في القهقهة إغراباً عجيباً، كأنهم أصيبوا بنوبات عصبية تهز جميع أبدانهم هزاً عنيفاً. وفي الوقت الذي كان هذا الهرج والمرج قد بلغا الحد الأقصى، وأخذت حواسي تعجز عن تتبع هذه الحركات العجيبة، وعن تمييز هذه الأصوات الخليطة، توقعت كل الحركات بغتة، وانقطعت كل الأصوات فجأة.
.
وظننت - في بادئ الأمر - أنه حدث حادث مروع جمد الرفح في النفوس، فأدى إلى هذا الوجوم العميق. فأخذت أجيل بصري كل الجهات، لاستجلاء أسباب هذا التحول الفجائي إلى أن شاهدت في آخر الميدان فيمحل بعيد جداً، علماً ينزل من فوق سارية كبيرة؛ ولاحظت في الوقت نفسه بوق - صوت لم أنتبه إليه قبلاً - وفهمت عندئذ كل شيء. كان ذلك وقت الغروب، وقد حان موعد إنزال العلم من سارية الثكنة العسكرية التي تقع في آخر الميدان، والبوق كان يدوي إيذاناً بذلك، والناس قد توقفوا عن السير والحركة احتراماً لذلك العلم!. وكان صوت هذا البوق قد قضى على كل الحركات والأصوات التي تصدر من تلك الألوف المؤلفة من الجماهير، حتى في وسط مهرجانات الكرنفال، وقد أصخب صفحات التهريج؛ مع أن معظم أفراد المواكب كانوا قد أصبحوا شبه سكارى من شدة الفرح الذي استولى على جوانحهم من جهة، ومن كثرة الكئوس التي ارتشفوها في مختلف الحانات من جهة أخرى. أن صوت البوق الذي يرافق إنزال العلم كان قد حمل الجميع على التوقف بغتة، كأنهم كلهم جنود في ثكنة عسكرية يأتمرون بأوامر قائد يحترمونه كل الاحترام. أكبرت عندئذ كل الإكبار قوة (التربية المدنية والوطنية) المتأصلة في نفوس هذا الشعب.
.
هذه التربية التي تحمل الناس على عدم التقصير في أداء واجب (الاحترام للعلم) حتى بين ضجيج مواكب التهريج!. تذكرت هذه الواقعة - بعد ذلك - عدة مرات، في عدة مناسبات.
.
وكانت الأخيرة منها، قبل بضعة أيام: كنت أسير مساء إلى (دار الرسالة) لزيارة صديقي الأستاذ أحمد حسن الزيات؛ وكنت قد وصلت إلى رأس ميدان عابدين عندما سمعت صوت بوق يدوي بنبرات متقطعة متساوقة.
فالتفت حالاً إلى الثكنات فرأيت العلم المصري الذي يرفرف فوق سارية البناية المرتفعة أخذ ينزل بخطوات بطيئة، بصورة متساوقة مع نفخات البوق المتقطعة.
.
فوقفت هناك متوجهاً نحو الثكنات، لأمتع البصر بتتبع سير العلم باهتمام. ولكن لاحظت بغتة أنني كن الوحيد في هذا الموقف وهذا الاهتمام.
.
وأما الذين كانوا يمرون مثلي في هذا الميدان، فكانوا يواصلون سيرهم وكلامهم وعملهم.
.
كأنه لم يكن هناك شيء يستحق الالتفاف: هنا جماعة من الأطفال يلعبون، وهناك طائفة من النساء يتصايحن؛ وفي كل الجهات عربات تمر ببطء، وسيارات تسير بسرعة؛ وعدد كبير من الناس يسيرون في اتجاهات مختلفة، ولا أحد منهم يلتفت إلى الثكنات، أو يرفع البصر إلى سارية العلم القائمة فوقها.
.
كأن كل ذلك لا يهمه أبداً ولا يخص أحداً غير الجيش وحده.
. وتذكرت عندئذ - بكل تفاصيله - ما كنت شاهدته في كورفو، أيام الكرنفال.
.
وتأملت - في أمل مرير - البون الشاسع بين ما حدث هنا وما حدث هناك. بعد أن غاب العلم المصري عن عيني وانقطع صوت البوق عن أذني.
.
واصلت السير، أنا أقول في نفسي: أن الوقوف لتحية العلم - بالصورة التي شرحتها آنفاً - قد يبدو للمرء - في الوهلة الأولى - كمظهر من المظاهر المادية التي لا تستحق الاهتمام.
غير أن هذا الوقوف - في حقيقة الأمر - من الأعمال التي تتصل بتربية النفس اتصالاً وثيقاً؛ فأن هذه الوقفة التي تضطر الإنسان إلى الخروج عن عالمه الخاص، ولو لمدة قصيرة.

وتحمله على الانقطاع عن السير وراء نصالحه الشخصية، ولو لثوان معدودة.
وتجبره على الاهتمام بالعلم الذي يمثل وطنه وتاريخه ودولته ولو لفترة وجيزة.
. أن هذه الوقفة المادية، لمثل هذه الأغراض المعنوية، لا بد من أن تؤثر في النفس تأثيراً عميقاً، ولا بد من أن تساعد على إيقاظ الشعور القومي وإشاعته مساعدة كبيرة. أبو خلدون ساطع الحصري

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١