أرشيف المقالات

الأسس التي وضعها الإسلام لعقوبة القتل

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 لصاحب العزة الأستاذ علي بك حلمي مدير البحيرة بينا في مقالنا السابق أن التشريعات القديمة كانت تميل تارة إلى جانب التشديد في العقوبة وتارة أخرى إلى جانب التراخي فيها - واستشهدنا ببعض أقوال من الإنجيل والتوراة نفهم منها أن الأول يطلب العفو من ولي الدم وفيه تفريط في حق المجني عليه، وإفراط في أمر الجاني إلى أن نزل القرآن فسلك الإسلام الطريق الوسطى بين جانبي الإفراط والتفريط في المعاملات والعقائد والعبادات - قال الله تعالى (وكذلك جعلناك أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) كما أصبح للدين الإسلامي أسس موضوعة جنبت عقوبة القتل في جميع أحوالها جانبي الإسراف والتقصير - وهذه الأسس أربعة. القصاص: فرض الإسلام بهذا المبدأ عقوبة القتل جزاء لجريمة القتل وأباح به دم الجاني - وفي ذلك نزلت آيات القصاص، وقد ذكرنا بعضها في موضوع سابق.
ومعنى هذا أن الإسلام لا يجيز التراخي في شأن الجاني ولا يسمح بوقوع هذه الجريمة دون أن يقتص من فاعلها بالقتل - فسد بذلك نقصاً ملحوظاً في شريعة الإنجيل على فهم كثير من الناس. حق القصاص والعفو لولي الدم: وكما أن ديننا حد من جانب التفريط كما دعا إليه الإنجيل - كذلك خفف من إفراط التوراة بشأن المجني عليه ولم يحتم عقوبة القتل لهذه الجريمة فخير ولي الدم بين القصاص والعفو وزين له الأخير قال تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وقال بعض الفقهاء (العفو أفضل من الصلح والصلح أفضل من القصاص) وهنا لم يقل الإسلام بالقصاص دون رحمة ولا شفقة بل شرعه مع خبار العفو وإجازة الصلح وأباح أن يكون العفو ببدل أو بغير بدل كما حبب الإسلام العفو إلى النفوس، وبذلك اتخذ طريقاً وسطاً فتحاشى قسوة التوراة التي تحتم القصاص وتراخي الإنجيل الذي يحتم العفو. حق ولي الدم: أ - في القصاص - جريمة القتل اعتداء على نفس المجني عليه وسلب لوجوده وامتهان لجماعته الذين يعتزون بحياته ويتأثرون بنشاطه؛ فإذا افتقدوا وجوده وكيانه وحرموا من عونه ونشاطه كانت هذه الجريمة من بعض نواحيها واقعة على ولي الدم؛ وطبيعي أن أول المسارعين إلى رفع هذا الذل والامتهان والأخذ بالثأر لقتيلهم هم عصبة الذين رزئوا بوفاته وأصيبوا في مقتله. ولما كان في جريمة القتل أيضاً إخلال بالأمن العام وإفساد لراحة الجماعة وإزعاج لطمأنينتهم أعطى الشرع الإسلامي حق القصاص لولي الدم كما أعطاه للجماعة في شخص الحاكم إذا كان الجاني مسرفاً بالإجرام معروفاً بالشر وجب بتره من المجتمع وكما أن لولي الدم حق القصاص فقد جعل له حق العفو أيضاً لأن في ذلك اطمئناناً للنفوس وتطهيراً لها من الأحقاد والضغائن، فليس أحب إلى الإنسان من العفو عند المقدرة - ولم يجعل الإسلام لولي الأمر حق العفو إذا ما تمسك ولي الدم بالقصاص وذلك تجنباً لوقوع الفتن والاضطراب وخشية الإسراف في الأخذ بالثأر وإفلات زمام الأمر من الحاكم. أما إذا اختار ولي الدم العفو فخياره نافذ - ما لم يتمسك ولي الأمر بعقوبة الجاني تعزيراً في حالة ما إذا كان معروفاً بشدة إجرامه وظهر للحاكم أن عقابه ضروري لحفظ الجماعة واستتباب الأمن - وقد احتضن هذه الفكرة القانون الوضعي الحديث وتوسع فيها إلى أن سلب من المجني عليه حق القصاص والعفو وقصرهما عليه كما سيأتي. المساواة في العقوبة: - كان نظام الطبقات معروفاً عند الرومان فجاء الإسلام ومحا هذه الفروق وسوى بين النفوس وجعل الدماء متكاتفة والجراحات متناسبة في القصاص.
روي عن عائشة رضي الله عنها قالت - كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع ولا ترجعه فأمر النبي ﷺ بقطع يدها فأتى أهلها أسامة بن زيد وكلموه فكلم النبي ﷺ فيها فقال له: (يا أسامة ألا أراك تشفع في حد من حدود الله.
ثم قام النبي ﷺ خطيباً فقال: إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف قطعوه والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)
وقطع يد المخزومية. من هذا ترى أن الإسلام قد سوى بين أفراد الرعية من جهة، وبين الرعية والحاكم من جهة أخرى في القصاص والحدود وجاء في خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد - كلكم لآدم وآدم من تراب.
إن أكرمكم عند الله أتقاكم - ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى)
المسئولية الفردية: قلنا إن العرب جرت في الزمان الغابر على الإسراف في الثأر دون توخي مقدار العدل الذي يوجب الوقوف عند حد القصاص الصحيح - وكان في أغلب الأحيان يأخذون غير القاتل بالقاتل والجماعة بالواحد والرجل بالمرأة والحر بالعبد - بل كانوا في بعض آخر يأخذون الإنسان بالحيوان إلى أن جاء الإسلام فقرر أن مسئولية الجاني لا يتحملها إلا الجاني - قال تعالى: (ولا تزروا وازرة وزر أخرى) ومنع مسئولية الجماعة عن عن جناية الواحد كما قرر أن العقوبة من جنس الجناية وبقدرها فلا تضاعف الجراحات ولا الديات قال تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها.
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)
القتل في القانون الوضعي الحديث: قلنا إن الإسلام منح العفو لولي الدم كما أجاز لولي الأمر القصاص إذا عفا ولي الدم في حالة ما إذا كان القاتل يميل إلى الإجرام وتحتم إصلاح شأنه لصلاح حال الجماعة - وقلنا أن القانون الوضعي احتضن هذا المبدأ الأخير ثم توسع فيه إلى حد أن جعل من حق القصاص والعفو حقاً آخر ثابتاً للمجتمع واعتبر أن جرائم الأفراد جرائم عامة، وأن المجني عليه في جريمة القتل هو المجتمع، ومنح لشخص ولي الأمر القصاص والعفو دون مراعاة إلى حق ولي الدم فيها، أي بمعنى أنه إذا وصل إلى علم الحاكم وقوع جريمة على فرد من الأفراد سواء بتبليغ المجني عليه أو أي شخص آخر نهض حق المجتمع ينادي بالقصاص من الجاني أو العفو عنه حسب ما يتراءى لولي الأمر لصيانة الصالح العام وعلى هذا الأساس تقررت العقوبات لمختلف أنواع جرائم القتل علي حلمي

شارك الخبر

المرئيات-١