أرشيف المقالات

حول مؤتمر الآثار بدمشق

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للأستاذ مصطفى كامل إبراهيم لعل من أهم الخطوات الثقافية الموفقة التي كانت باكورة نشاط اللجنة الثقافية بجامعة الأمم العربية هي عقد مؤتمري الثقافة والآثار. ومؤتمرات الثقافة ليست جديدة على العالم العربي فقد كانت في الجاهلية تنتظم في أسواق الجزيرة العربية، ثم كان الخلفاء والأمراء والسلاطين يقيمون شيئاً مثلها في بلاطهم وتحت رعايتهم، يجتمع فيها مشهورو أصحاب الأقلام وأمراء الشعر والعلم والفن من بلدان العالم الإسلامي، وطالما اشترك الخلفاء أنفسهم في النقاش وتذوقوا لذته.
على أن دراسة الآثار القديمة لم تكن لتهم القوم كثيراً في الإسلام فقد كان يخشى المتحدث في مدنيات الفراعنة أو الأكاسرة أن يتهم بالمروق، أو أن يعمد منافسوه إلى أن يلصقوا به جريمة الإلحاد أو الردة أو الزندقة.
وقد كانت الأخيرة في فترة ما من حكم العباسيين جريمة تدني رقبة صاحبها من سيف الجلاد، مما صرف علماء المسلمين على الدراسة التفصيلية في تراث الوثنيين في مصر، والمجوس بفارس، والمسيحيين في مصر والشام. ثم كان لابد لهذا الإهمال من نتائج: فقد امتدت أيدي العبث والتدمير والسطو والتبديد إلى تراث القدماء، واستمرت هذه الحال المؤلمة إلى آخر الزمان، فلم يتردد بدر الجمالي - مثلاً - وزير المستنصر الفاطمي في سنة 480 هـ (1087) م من أن يستخدم بعض أحجار جبانة الجيزة من حول الأهرام لبناء استحكاماته ولا زالت أحجار السوريين بأبي النصر والفتوح تحمل رسوماً وكتابات هيروغليفية.
وفي العصر التركي تمكن عثمان كتخدا (الكخيا) من الحصول على قطعة من الحجر (الديوريت) الأخضر مما خلفه قدماء المصريين فاستعملها عتبة لمسجده في ميدان (الأوبرا).
وليس اعجب من أن تتواتر الشائعات في سنة 1947 - نرجو أن تكون كاذبة - عن فكرة صهر ذهب (توت عنخ آمون) لتغطية النقد المصري، وما هو بكاف ولا بعشرة أمثاله. والشيء الذي لا شك فيه، هو أن العرب في وسط الجزيرة سكنوا واد غير ذي زرع أحاطت بهم بيئة خالية من الخير ورغد العيش والاستقرار، فنشأوا نشأة خشنة وعاشوا خلوا من شارات الفن ومخايل المدينة، لعدم حاجتهم إليها - والحاجة تفقد الحيلة - أ لانصرافهم إلى النضال في سبيل العيش والتقاتل القبلي.
ولما جاء الإسلام بخيره وبركته واخرج العرب من الظلمات إلى النور، صرف القوم إلى الفتح وتوطيد دعائم الدين الحنيف، فلم يذق العرب حلاوة الاستقرار الحقيق والانصراف إلى التعمير الفني إلا ابن حكم دولة بني أمية، حيث رأوا لزاماً عليهم أن يأخذوا بأسباب المدنيات التي ألفوها أمامهم في الأمم المغزوة، فبدأ الفن يلتمع في جبين الإسلام. وهاهي دمشق الحبيبة التي أشرق من جنباتها القبس الأول من نور الفن الإسلامي فأضاء المشرق والمغرب، وخلق أصولاً وقواعد ترسم الغربيون خطاها ونسجوا على منوالها لا يتركونها إلا ليعودوا إليها حتى يومنا هذا.
وهاهي دمشق تحتضن مؤتمر الآثار العربي وتحله اجمل قصورها (قصر العظم)، تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية السورية الذي أضفى على المؤتمر عنايته مما كان سبباً قوياً في نجاحه. ويجدر بنا أن ننوه بجهود المنظمين وهم نخبة من أساتذة الآثار المبرزين وعلى رأسهم الدكتور زكي محمد حسن، والدكتور احمد بدوي.
أما حضرات المندوبين فقد حاضروا في موضوعات شيقة عن تراث العرب نرجو أن يتم طبعها قريباً ليفيد منها العالم العربي التواق إلى هذه العلوم التي ظلت ردحاً من الزمن وقفاً على المهتمين من علماء الأجانب، يكتبونها بلغتهم وما تمليه عليهم أهواؤهم أما فقهاء الآثار من العرب فقد كانوا - سامحهم الله - لا يكتبون إلا بلغة من اللغات (الحية).
أما العربية فكانت لا تحظى منهم إلا بجهد ضئيل. أما المعرض الفريد الذي أقامه الأستاذ حسن عبد الوهاب بصورة - وهي كلها من روائع فنه - فقد أخرج بها زوايا مفصلة هامة للآثار الإسلامية أبرزتها في غاية من الفخامة والجلال. ومما يثلج صدورنا نحن العرب أن نرى اليمن الشقيق يطرح اليوم سياسة العزلة والانطواء على النفس وان نرى عاهله العظيم، جلالة الإمام يحيى حميد الدين، يدفع ببلاده العريقة في تيار النشاط الدولي، فيظم جهد اليمن إلى جهود شقيقاته فيشتد ساعد العرب وتقوى الأسرة العربية، وهاهو نجله سمو الأمير سيف الإسلام عبد الله وساعده الأيمن الأستاذ العالم السيد علي، نزيل القاهرة الآن، دائبي النشاط فيما يفيد العرب ومما يذكر لجلالته بالثناء انه سمح، لأول مرة، لعالم عربي هو الأستاذ فخري بزيارة (مأرب) (مدينة سبأ) وطن الملكة (بلقيس) وتصوير آثارها والكتابة عنها. وللعرب اليوم أن يطمئنوا على تراثهم القومي في الوطن الكبير، وقد أصبحت أمانة الآثار، والحمد لله، معظمها في أيدي العارفين بها من أبناء العروبة، يرون فيها العزة القومية ويضنون على تراث الأجداد، وكنوزهم أن تذهب هباء، أو تتسرب التحف النادرة إلى متاحف الأمم الأخرى.

يتلقفونها تلقف القناصة من زواحف الأجانب وتجار المسروقات، ممن حذقوا في التلصص وأجادوا صناعة التهريب، فتذهب في غفلة من العرب في عصور الاضمحلال السياسي - وهو اصل البلايا - والجهل بقيم الأشياء. ولما كانت دراسة التاريخ تعتمد اعتماداً كبيراً على دراسة الآثار، فان الرواية تظل حائرة قلقة غير مستقرة، تنهال عليها المطاعن، وحتى يقرها ويؤيدها السند الأثري، فقد اقر المؤتمر نشر الثقافة الأثرية بين أبناء الوطن العربي، وإقامة المتاحف، وتبادل الأساتذة وإلقاء المحاضرات، وعرض الصور، مما يساعد العرب على استيعاب هذه العلوم القديمة الحديثة فلا يمرون بها مرور العابر الكريم.
ولاشك بان نشر الثقافة الأثرية على هذا الوجه يتيح فرصاً عظيمة لتوثيق روابط الألفة بين أبناء العروبة في مختلف الأقطار، وسرعان ما يصبح الوطن العربي الكبير حقيقة ماثلة في قلب كل عربي. والآثار فضلاً عن كونها كنوزاً مادية.
وتراث قومي يعيد ذكرى أيام المجد وعظمة الماضي فهي خير حافز لهمة الجيل الجديد، تنفخ فيه من روح السمو والعزة الوطنية ما يجعله يعمل جاهداً لاسترداد مجد الأيام السالفة وعظمة الأجداد. وقد أسهمت مصر بكثير من أبنائها في هذا المؤتمر فكان هناك مندوبون عن الجامعتين وبعض الهيئات.
إلا أننا لم نر من يتكلم باسم إدارة حفظ الآثار العربية وهي التي تقوم بالحفظ والترميم والعناية بالآثار الإسلامية، ليس في مصر فحسب بل في بعض الأمم العربية الأخرى وهو عمل خطير الشأن يتركز على العلم والدراية، وكذلك معهد الآثار بالجيزة فلم يشترك أحد من طلبته في نشاط المؤتمر. أما شمال أفريقيا فلها العذر وكفاها ما بها وأعانها الله على ما رزئت به من بلية الاستعمار، الذي جمع عليها القحط والبغي والاضطهاد. وبعد.

فإننا نرجو مخلصين أن توضع قرارات المؤتمر موضع التنفيذ، حتى إذا جاء موعد انعقاد المؤتمر التالي، وقد اتفق عليه أن يكون بالقاهرة، وجد المؤتمرون أمامهم ثمرات ما عملوا فينصرفون إلى الاستزادة، والله يجزي العاملين. القاهرة مصطفى كامل إبراهيم وكيل اتحاد الثقافة الأثرية

شارك الخبر

المرئيات-١