أرشيف المقالات

(طاعة) الشام!

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 (مهداة إلى الأستاذ شفيق جبري) للأستاذ علي حيدر الركابي أستاذي الفاضل: نشرت لكم مجلة (العالم العربي) كلمة بعنوان (طاعة الشام) في عددها الصادر في اليوم العاشر من شهر حزيران سنة 1947 فقرأتها ووقفت أمامها حائراً بين الرد عليها والسكوت عنها.
كان يدفعني إلى الرد أنكم عالجتم موضوعاً خطيراً ومثيراً، ووجهتم إلى بلدكم الذي هو بلدي تهماً لا يقبلها ذو كرامة.
وكان يدفعني إلى السكوت أني نشأت على الإعجاب بكم واحترام علمكم والثقة بآرائكم وقلت في نفسي إن أستاذنا الكبير لا ينطق عن الهوى وإن له من سعة الاطلاع وكثرة التجارب وعمق التفكير ما لا يبقى معه مجال لاعتراض معترض.
وأخيراً ترجح عندي التريث حتى تظهر نتائج الانتخابات العامة في سوريا وهي أكبر محك للشعب: فإذا رافق الانتخاب ضغط وتدخل وسكت عن ذلك أهل الشام سلمت بنظرية أستاذي الكبير ولزمت الصمت وكلي خجل من طاعة الشام، وإذا حال أهل الشام دون الضغط والتدخل وتقدموا إلى الانتخاب بحرية وميزوا بين الصالح والطالح كتبت الرد. وظهرت النتائج الباهرة فإذا بي أتناول القلم لأكتب هذا الرد.
ولا أخفي عنكم يا سيدي أنني في سري كنت أتوقع شيئاً مما حدث وأدعو الله أن يحققه.
فإذا تجرأت الآن على مخاطبتكم على صفحات (الرسالة) فإنما أفعل ذلك بدافع من حبي للشام واعتزازي بأهله وشعوري بواجب الدفاع عنهم بالحق كما أني من جهة ثانية واثق من رحابة صدركم: زعمتم يا سيدي أن في خلق أهل الشام (طراوة وتميعاً) جعلتهم يشتهرون بالوداعة وبالطاعة والمتابعة.
واستشهدتم على ذلك بعبارات قالها بعض رجال التاريخ العربي ثم فتشتم عن سبب هذه (الطاعة) فوجدتم السر في (طبيعة بلاد الشام.

هوائها ومائها وسمائها وأرضها) ولجأتم إلى (أميل لودويغ) لدعم رأيكم وخرجتم من ذلك كله بأن طعنتم رجولة الشام وأهلها وأشرتم إلى اغتيالات مصر وثورات العراق بما يفهم منه ضمناً أنكم آسفون إذ لم تحذو الشام حذو شقيقتها.
وكان بودكم أن تطيلوا البحث لولا أن (المجال لا يتسع للتبسط في الكلام على طبائع أهل الشام) ولولا أن لطف الله و (اقتصرت من هذه الطبائع على واحدة) لقرأنا لكم عن قومكم ما لا يبقي ولا يذر! وختمتم بحثكم بكلام عام عن (تشتت أخلاقنا) وضربتم مثلاً عليه تعدد النزعات السياسية بيننا. أما استشهادكم بالأقوال التاريخية فلا أود أن أتعرض له بأكثر من كلمة: ذلك أن كلام القادة والولاة والمؤرخين الذين نقلتم عنهم إما أن يكون وصفاً واقعياً وفي هذه الحالة يكون منطبقاً على عصر القائل وليس شرطاً أن يكون الخلق الموصوف باقياً حتى العصر الحاضر، وإما أن يكون الوصف ذاتياً أي أنه وصف للصورة التي كونتها في نفس القائل تجاربه الشخصية والتي حملته على أن يستخلص حكماً عاماً من حوادث خاصة وفي هذه الحالة لا يصح الاستشهاد به. أما نسبتكم طاعة أهل الشام إلى اعتدال مناخهم، ورقة طباعهم إلى جمال بلادهم فإنه يحوي في طياته جزءاً من الحقيقة لا كلها.
ذلك أن الطبيعة يا سيدي - وسيد العارفين - ما هي إلا عامل واحد من العوامل التي تؤثر في طباع الناس.
ومعاذ الله أن أتعدى على علمكم وفضلكم فأروح أعدد تلك العوامل أو أشير إلى علماء الاجتماع وكتبهم؛ ولا أسمح لنفسي إلا بأن أذكركم - بكل تواضع - بأن الأحداث الخطيرة التي تتعرض لها الأمة ذات أثر قوي في تكوين طباع أفرادها، وهو أثر لا يقل عن أثر الطبيعة نفسها لا بل قد يفوقه.
ومن هذه الأحداث الحروب والكوارث الوطنية والحكم الأجنبي والأزمات الاقتصادية الخ.
ولعلكم تعترفون كذلك بأن الثقافة وانتشار التعليم من العوامل الرئيسية.
وعلى هذا فإن طبيعتنا الحلوة إن ولدت في أمزجتنا اعتدالاً وفي شمائلنا رقة فإن تلك الأحداث قد أوجدت فينا إلى جانبها قوة الشكيمة وصلابة العود وإن انتشار التعليم قد خلق فينا وعياً وقدرة على التمييز. وليس مثلكم من يحتاج أن تضرب له الأمثال عن صلابة عود أهل الشام وأنتم في طليعة موكب الكفاح والوطنية.
ولا أحب أن أحيلكم على كتّاب من أبناء فرنسة سجلوا لنا الفخار واعترفوا لنا بقوة العزيمة.
بل أدعوكم إلى رحلة زمنية ومكانية نبدأ فيها بالخيال الفكري الذي ولد ثورة العرب على العثمانيين والذي كان من أقطابه أبناء الشام البررة الذين أدوا ضريبة الدم على مشانق (جمال باشا السفاح).
ثم نسير في ركاب (فيصل) من الحجاز إلى الشام لتشاهدوا الشاميين في عداد أعوانه وجنوده.
ونستقر بعد ذلك في ربوع الشام نفسها حيث قام مُلك عزيز قوي عند العرب عليه آمالهم.
وما كان لينهار لو لم تتآمر الدول المعظمة عليه.
ولعلكم لم تنسوا (ميسلون) وروابيها المخضبة بدماء الأبطال وأنتم تمرون بها في طريقكم إلى مصيفكم الهادئ في (بلودان) وننتقل بعد ذلك في (حلب) وجوارها أيام الزعيم (هنانو) وفي (دمشق) و (الغوطة) و (جبل الدروز) ونحيي معاً التربة التي قدستها أرواح شهدائنا.
ثم نتجول في شوارع مدننا وأزقة قرانا، في سهولنا الخصبة وجبالنا الخضراء ونستمع إلى قصص البطولة والمجد المسطرة على كل حجر وفي كل شبر من الأرض - سطرناها في كل يوم من أيام استعبادنا البغيضة لنسمع الملأ بأننا لا ننام على الضيم.
ألا يسعدكم أن تعيشوا ثانية - في الخيال - تلك الأيام الخمسين التي أضربت فيها البلاد من أقصاها إلى أقصاها حتى أذلت الشامخ وأنزلته من عليائه ليمد لها يد الصداقة.
ألا يثلج قلبكم أن ترتقوا ثانية - في الذهن - منبر الجامعة السورية لتؤبنوا (هنانو) بمرثية دكت عرش الغاشم وأذنابه؟ وهل تسمون الإعراض عن مغريات المستعمر في ذلك الإضراب المخيف أو استجابة الشعب لصرختكم المدوية طاعة ووداعة؟ وتلك السجون التي ملأت فيما مضى بأحرارنا، وهذه القلاع الحصينة المشرفة على عاصمتنا وسائر مدننا، هل أقامتها فرنسة خوفاً من طاعتنا ووداعتنا؟ وهذه المخازي الجنونية التي تركت لنا فرنسة أثرها الوحشي في دار (البرلمان) وفي غيرها من دورنا العامة والخاصة هل تعدونها وثيقة اعتراف منها بأننا كنا طائعين ووادعين؟ وذلك الجلاء الذي تم وهذا الاستقلال الذي ننعم به وهذه المكانة الدولية المرموقة التي باتت فخراً للعرب كافة هل هذا كله من صنع الطاعة والوداعة؟ كلا يا سيدي! لقد خانتكم الذاكرة وما أسعفكم التعبير، ثم أخطأتم في الحساب فما كانت ثورة واحدة بل ثورات.
لا أخالكم تنكرون ذلك، وأغلب ظني أنكم تأخذون على أهل الشام طاعتهم لحكامهم بعد الاستقلال لا قبله وأنكم ترون هؤلاء الحكام (على مقدار من الجهل وكره العلم لا بأس به وحصروا مرافق الدولة في حزبهم وأصحابهم وحبسوا وظائفها على صنائعهم وعبثوا بالقانون وبددوا بيت المال).
إن كان هذا قصدكم وإن صح أن هؤلاء الحكام كما ذكرتم أفما أقنعتكم الحوادث أن الشعب لم يقف منهم موقف الطاعة والوداعة؟ لقد رفض الشعب اتفاق (بفن بيدو) وغضب على المرسوم (50) وطالب بتعديل قانون الانتخاب وتأهب للوثوب فيما إذا وجهت الانتخابات توجيهاً خاصاً فانتصر على طول الخط إذا اضطرت الحكومة بعد تبني الاتفاق المذكور إلى نبذه واللجوء إلى مجلس الأمن، كما أرغمت على سحب المرسوم (50) وعدل مجلس النواب قانون الانتخاب فأصبح على درجة واحدة، وأخيراً جرت الانتخابات فإذا بها تخلو في الغالب من الضغط والتدخل، وإذا بنتائجها تدل على أن الشعب لم يكن طائعاً وادعاً.
لم تكن هناك طاعة عمياء بل تمرد واع على كل باطل وقد بلغت البلاد بفضل ذلك درجة من التقدم في تطورها السياسي لم تبلغه كثير من الدول التي سبقتها إلى الاستقلال. هذا ما قام به الشعب.
أما رد الطعن على هذه الحكومة في مجالسنا الخاصة وفي مقاهينا فيتلاشى هذا الطعن كما يتلاشى دخان المقاهي في الفضاء) فهو من عمل الخاصة لا العامة - الخاصة التي لا تمثل حقيقة الشعب في خوفها على تعكير صفو حياتها، في تأنيها وبطئها، في أبراجها العاجية الرفيعة، في أهدافها المجهولة وغاياتها الحائرة، في تذمرها (النظري) وللها الأرستقراطي، في هروبها من الواقع وهجرها ميدان العمل، في أثرتها وشذوذها في تغرقها وتناقضها. هل يرغب أستاذنا الفاضل في أن يثور أهل الشام وأن يغتالوا من أجل سواد عيون هذه الخاصة المترفعة؟ أفلا يرى الصلاح كل الصلاح - بعد الاستقلال - في ذلك التطور الطبيعي وذلك التدرج المحمود وتلك الحركات الشعبية السليمة التي أوجدت لنا مجلساً جديداً للنواب يمثل الأمة تمثيلاً هو أقرب ما يكون إلى الكمال؟ ألا يحوي هذا الوضع في طياته ضماناً كافياً للمستقبل الذي سنتخلص فيه من تلك الأخطاء في الحكم التي أشار إليها والتي لا ينكر وجودها - أو جلها - والتي لا تنفرد بلاد الشام فيها؟ وما الذي جنته مصر من اغتيالاتها غير فقد رجل مثل (أحمد ماهر) لا يعوض؟ وما الذي جناه العراق من ثوراته الداخلية غير الخسارة في الأموال والأرواح؟. وتقولون أن في الشام نزعات (فهذا شيوعي وهذا نازي وهذا فاشستي وهذا فرنسي وهذا إنكليزي وهذا تركي وهذا سعودي وهذا هاشمي، كل واحد على قدر مصلحته وبحسب منفعته!) وهذا لا ينكر؛ ولكن الشكوى من هذه النزعات ليست منحصرة في حدود الشام بل تكاد تكون عامة في جميع البلاد العربية، لا بل في جميع بلاد العالم.
ثم إن أهل الشام جديرون بكل تقدير وإعجاب لأنهم في الانتخابات الأخيرة أبعدوا عن الندوة النيابية بعض الأشخاص المعروفين بالنزعات المتطرفة فأصبحت دائرة نشاطهم محدودة.
هذا فضلاً عن أن مكانتهم في مجتمعهم كانت وما تزال ثانوية وأثرهم في محيطهم كان وما يزال وسيبقى ضئيلاً سيدي الكريم: أرى أن الوقت قد حان لإنهاء هذا الكلام الذي آمل أن تكونوا قرأتموه بما عرف عنكم من بعد عن الغضب وتشجيع للشباب وحب لكل ما يتصل بالفكر.
وإني أرجو في الختام ألا تحرموا وطنكم من ثمرة علمكم وأن تعملوا على قتل النزعات المتباينة بإرشاد أهل الشام إلى الطريق السوي الذي ترون لهم فيه الخير والفلاح. واقبلوا أصدق عبارات الإعجاب والاحترام. بغداد علي حيدر الركابي

شارك الخبر

المرئيات-١