أرشيف المقالات

استدانة إسماعيل باشا

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 (1863 م - 1879 م) بقلم عبد العزيز عبد الكريم إن ما قام به إسماعيل باشا من جليل الأعمال لا يضارع، وما تم في عصره من المشروعات والإصلاحات العامة لا يتسنى لأي حاكم آخر في مركزه أن يأتي بمثلها.
بيد أن خطأ إسماعيل باشا كله يرجع إلى السرعة وتعدد المشروعات، وفرط الثقة بدهاة أوربا السياسيين والماليين، وعدم الاحتياط في الإنفاق على الأعمال، وخلو البلاد من المستشارين المخلصين. أسباب الاستدانة: كانت زيادة الثروة في البلاد في أوائل حكم إسماعيل بسبب ارتفاع أثمان القطن المصري لنشوب الحرب المدنية في أمريكا في ذلك الوقت أول عامل على تشجيع الوالي في سياسته، فعقد قرضاً كبيراً لتوهمه أن الحرب ستستمر طويلاً، ولكن الحرب وقفت فجأة في عام 1865م.
ولم يقف إسماعيل باشا عند هذا الحد بل أخذ يعقد القرض بعد القرض، بشروط فادحة حتى عجز عن سداد الدين بل عن فوائده التي بلغت الخمسة أو الستة ملايين من الجنيهات في العام. وكان إسماعيل يجد من أوربا التشجيع في سياسة الاقتراض طمعاً في ثروة مصر، ولأن كبار الماليين كانوا يبحثون عن البلاد الصالحة لاستثمار رؤوس أموالهم فيها، فوفد الكثيرون منهم إلى الإسكندرية في أوائل حكم إسماعيل، وأسسوا فيها الشركات، واخذوا يتصلون بالوالي، ولجأ كثير من الأجانب في ذلك الوقت إلى مصر لطلب الرزق، وقد أخذت مصالح الأوربيين تنتشر في مصر من ذلك الوقت. وبعد أن فتحت قناة السويس التي أصبحت أهم طريق للمواصلات بين الشرق والغرب وظهرت مطامع إنجلترا وفرنسا الاستعمارية نحو مصر، فأخذتا تتنافسان في استغلال مصر وامتلاكها وكان إسماعيل مسرفاً في الواقع، فكان ينفق الأموال الطائلة في إكرام الضيوف الأوربيين، والهدايا، والقصور، والحفلات وغير ذلك؛ ولكنه انفق معظم الأموال التي حصل عليها في الإصلاحات، وكان إسماعيل سليم الطوية، على حين أن دهاة أوربا كانوا ينصبون له الحبائل بطرق غير شريفة. ديون إسماعيل باشا: كانت ديون إسماعيل ثابتة وسائرة؛ فالثابتة هي القروض المحدودة التي عقدها في بنوك إنجلترا وفرنسا، وقد بلغت حتى عام 1868م نحو 20.
000 , 000 من الجنيهات، وتراكمت عليه الديون السائرة الصغيرة المستحقة الدفع، فكان يجددها بفوائد باهظة حتى بلغت ثلاثة أو أربعة أضعاف المبلغ المقترض. وفي عام 1868م ابتدأت الحكومة تتوقف عن دفع مرتبات الموظفين، فأخذ مركزها المالي يتزعزع، وكانت الضرائب تجبى مقدماً، فساءت أحوال البلاد، فأصدر الباب العالي في تلك السنة فرماناً يحرم تقديم أي قرض إلى مصر بدون استئذان الحكومة التركية، لكن إسماعيل عقد سلفة جديدة برهن إيرادات أملاكه الخاصة ومقدارها 7 ملايين من الجنيهات بفائدة 13 % فاحتج الباب العالي على ذلك لدى الحكومة الإنجليزية. واستمرت الحكومة في عقد القرض إلى ان اقترح إسماعيل صديق (المفتش) وزير المالية في عام 1868م فكرة (المقابلة) وكان المقصود منها أداء ديون الحكومة كلها، وذلك بان يقوم الأهالي بدفع ضرائب ستة أعوام مقدماً نظير إعفائهم من نصف الضريبة بصفة دائمة.
فحصلت الحكومة على 8.
000 , 000 من الجنيهات ولكن الدين الثابت بلغ في ذلك الوقت 27.
000 , 000 من الجنيهات؛ ولشدة حاجة الحكومة إلى المال الوفير لسداد بعض الديون عقدت سلفة جديدة تبلغ 4.
000.
000 من الجنيهات. وسافر إسماعيل باشا إلى الأستانة وحصل من الباب العالي في عام 1872م على فرمان خول له حق عقد القروض بدون قيد ولا شرط، فرجع الوالي إلى مصر فوجد الحكومة في ضائقة شديدة فعقد سلفة مع أحد البيوت المالية الإنجليزية مقدارها 32.
000 , 000 من الجنيهات بفائدة 8 %. وقد باعت الحكومة المصرية أسهمها في القناة بثمن بخس لإنجلترا، وكانت هذه الصفقة اكبر غلطة سياسية ومالية ارتكبها إسماعيل باشا في حياته. بعثات حكومات أوربا: (1) بعثة كيف: وبعد مضي أيام قليلة على شراء الأسهم تألفت لجنه إنجليزية برئاسة (كيف) لدرس الحالة المالية في مصر في عام 1876م، وكان هذا العام بدء التدخل الفعلي في مصر وإرسال البعثات المختلفة التي كان الغرض منها إصلاح الإدارة بوضعها تحت المراقبة الأوربية ضماناً للدائنين. وقد اقترح (كيف) توحيد الديون المصرية كلها على أساس فائدة معتدلة تتناسب وحالة البلاد، وتأجيل الاستحقاقات لخطورة الحال، ووضع الإدارة المالية تحت رقابة أحد رجال المال الإنجليز في ذلك الوقت، ولكن إسماعيل لم يوافق على هذا النشاط الأخير واتفق مع الماليين الفرنسيين واصدر في مايو مرسومين بإنشاء (صندوق الدين العمومي) وتحويل جميع الديون السائرة والثابتة إلى دين موحد بفائدة 7 %؛ وقد عين في صندوق الدين مندوبون عن الحكومات الفرنسية والنمساوية والإيطالية. (2) بعثة جوش: وقد امتنعت الحكومة الإنكليزية عن تعيين مندوب لها، وعارضت المشروع في بادئ الأمر، ثم تم الاتفاق على إرسال بعثة مؤلفة من (جوش) ممثلاً للدائنين الإنكليز و (جوبير) ممثلاً للدائنين الفرنسيين لإجراء تصفية عامة، واصطحب تلك البعثة سياسيون من ذوي الخبرة لتمثيل إنجلترة وفرنسا في مصر، ووضع قواعد المراقبة الثانية (كوندومنيوم). وقد كانت أهم نتائج بعثة (جوش - جوبير) المالية إيجاد دين ممتاز قدرة 17.
000 , 000 من الجنيهات بفائدة 5 % وتخفيض الدين الثابت إلى 59.
000 , 000 من الجنيهات بفائدة 7 % فأصبح مجموع ما يدفع من فوائد الدين سنوياً لا يبقي لمصر من الإيرادات ما يكفي للأنفاق على الإدارة وتعهد الأعمال الهامة مثل الري وغيرها التي هي عماد الثروة في البلاد. أما نتائج البعثة السياسية فتتلخص في نظام المراقبة الثانية (الكوندومنيوم) الذي يشكر إنجلترا وفرنسا في إدارة مصر على الوجه الآتي: (أولاً) بتعين مراقبين إنجليزي وفرنسي عامين للمالية المصرية. (ثانياً) بتعيين مندوبين من الأجانب للدين العام تعرض أسماءهم الحكومات الأجنبية على الحكومة المصرية، وتنحصر مهمتهم في تسليم إيرادات الجهات المرهونة ضمانة لسداد أقساط الدين السنوي من يد مراقب الإيرادات العام، وتسليمها لبنكي إنجلترا وفرنسا، واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستهلاك ذلك الدين. (ثالثاً) بتعيين مندوبين آخرين لإدارة مصلحتي السكك الحديدية وميناء الإسكندرية، مصريين وفرنسي وإنجليزيين تحت رياسة العضوين الإنجليزيين.
وتنحصر مهمتهم في تسليم إيرادات هاتين المصلحتين إلى مندوبي الدين العام وذلك علاوة على الأشغال الإدارية. (3) بعثة ريفرس ولسن: ظلت إدارة البلاد وأحوالها وماليتها في ارتباك مستمر، وعمت الشكوى فطلب إسماعيل باشا إرسال بعثة جديدة فأصدر في عام 1878م مرسوماً يقضي بتعيين (لجنة للتحقيق) تحت رياسة المسيو دي لسبس لفحص الحالة المالية فحصاً دقيقاً، وفوض لهذه اللجنة السلطة المطلقة لإجراء ما تراه كفيلاً لتحقيق الغرض الذي أنشئت من اجله. وقد تألفت هذه اللجنة وكان وكيلاها السير ريفرس ولسن ورياض باشا وأعضاؤها مندوبي الدول الأربعة في صندوق الدين، وكان رئيسها الفعلي ريفرس ولسن.
وقد رفعت اللجنة تقريرها التمهيدي إلى الخديو وطلبت أن تدفع إلى الموظفين مرتباتهم، وختمت تقريرها بقولها (إن الحاكم الأعلى يتمتع بسلطة لا حد لها). وبناء على ذلك كلف إسماعيل بتكوين وزارة مسئولة، فأصدر مرسوماً في 28 أغسطس عام 1878م بتأليف وزارة برياسة نوبار، وريفرس ولسن في المالية، ودي بلينيير المراقب المالي الفرنسي في الأشغال. وألغيت المراقبة الثنائية التي قام عليها (الكوندومنيوم)، وضمنت إنجلترا لنفسها النفوذ الأول في الوزارة الجديدة، وبذلك انتقل الحكم المطلق من إسماعيل إلى الأجانب أو إلى السير ريفرس ولسن وزير المالية الإنجليزي. وقد واصل ولسن خطة إسماعيل فعقد قرضاً جديداً مع بيت روتشلد مقداره 8.
500.
000 من الجنيهات بضمانة أملاك الخديو، واستخدمت الوسائل القديمة في جباية الضرائب، فعم البؤس البلاد.
وأخذ السير ريفرس السير ولسن يفكر في تسوية الدين بطريقة نهائية بعد أن تحققت أغراض السياسة الإنجليزية، وانتزع السلطة من يد الحاكم الشرعي؛ فاقترح على إسماعيل إعلان إفلاسه وتأجيل دفع بعض الديون وتخفيض الفوائد الفادحة إلى 5 % بيد أن هذا الحل جاء بعد ما ساءت أحوال البلاد وتدخل الأجانب في شؤون المصريين، فثارت حمية القومية في نفوس المصريين، واضطر إسماعيل إلى المقاومة فعز الوزارة الأوربية في عام 1879م، وعين وزارة وطنية بحتة برياسة شريف باشا. وقد اشترك إسماعيل باشا مع نواب الأمة في وضع خطه مالية جديدة، وكانوا هم الضامنين لها، ولكن الدول لم تغفل عن هذه الإهانة، فسعت لدى الباب العالي إلى أن تمكنت من عزل إسماعيل في عام 1879م. وكان من الممكن حل الأزمة المالية بوضع الإدارة تحت رقابة مالية أو أوربية كما حصل عند إنشاء صندوق الدين؛ ولكن طمع إنجلترا وفرنسا أدى إلى تحويل المسألة المالية إلى مسألة سياسية وحال دون انفراج الأزمة.
وختمت الكارثة بقانون التصفية في عام 1880م والاحتلال في عام 1882م. إسكندرية عبد العزيز عبد الكريم

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير