أرشيف المقالات

على مضجع الآمال. .!!

مدة قراءة المادة : 17 دقائق .
8 للأستاذ محمد العلائي (أستاذنا الجليل عميد الرسالة: .

وتلك قصيدة ثالثة أملتها ضجعة الأمل المحموم على سرير المحنة وأنا في هذه القرية المصرية التي نزلتها زائراً فأمسكتني عليها سجيناً.
والتي نزلتها مودعاً فأدركني بها ما صنعت (وزارة المعارف) في عهدها السابق بقضيتي حين أوقفت بعثتي إلى (لندن) وحين استباح الهوى الغاشم حرمة الضعف النبيل وظل الشجى يبعث الشجى حتى انكمشت مشاعري وتراجعت عن هذا العالم الصاخب وتجمعت في هذا البلد الصغير الذي استقبلت عليه مأساتي ودرجت على ربوعه أحلامي.

وظل الشجى يبعث الشجى حتى صدق الله وعده وأراد أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة فزهق الباطل وجاء أستاذنا (السنهوري) إلى وزارة المعارف.

واستفاقت قضيتي من جديد ما بين عدالة الوزير الكريم وحصافة المستشار الجليل.
وأستاذنا (إسماعيل القباني) مستشار له كرامة ورجولة وله حقيقة أكبر من ظاهره وسأدخر شكري للوزير الخير والمستشار الحاسم ولأستاذنا (شفيق غربال) الوكيل الفاضل الذي ناصر قضيتي وهي في وهدة الظلم وأيدها بكلمته وهي في مطلع العدالة.

سأدخر شكري لأولئك وهؤلاء حتى يعبر عنه ما سأبذل من واجب يشرف الاستعداد المصري في آفاق الغربة والمعرفة وما سوف أقدمه من جهد وتضحية في قضية أبناء الظلام بعد رجعتي إلى الوطن المصري الحبيب.
والحبيب مهما نزفنا على أرضه من دماء ومهما تركنا عليها من شوق وأشلاء.

وليتقبل عميد الرسالة وأسرتها تحيتي ووداعي)
. (العلائي) ما زال مرتجفَ الأحلام هيمانا ...
حتى تساقط آمالا وأحزانا وقلّب الشوكَ في أغصانه يقظاً ...
ومدَّ أنفاسه للزهر وسنانا وعانق الليل حتى اسود خاطره ...
ولم يجد لبياض الصبح وجدانا وكم تمنّى ولما جاء مورده ...
ألقى الضمير بذات الماء غصانا وكم تشكى ولما صد غايته ...
ألفى مذاهبها ظلا وريحان يا مهد أحلامه، ما كان مقدمه ...
إلا وداعاً، فألفي غير ما كانا! وافاك يصنع من أشلائه أملا ...
قبل الرحيل فذاق اليأس ألوانا وافاك يدفن في أرض الصبا شجناً ...
فواجهته بملء الأرض أشجانا يا مهد أحلامه.
وافاك منفردٌ ...
سقى الأجادب حتى عاد ظمآنا ألقى الصلاة على الأقداس فاختنقت ...
بها المعابد أوثاناً ورهبانا!! تذكر الشاعر الوسنان وارتجفت ...
ذات المشاعر ألواناً وأنغاما يا مهد أحلامه، ولَّى وأتعبني ...
ليل الشباب.
وضاع العمر أوهاما يا ليت ليلك إذ خابت مشارقه ...
أمست عليه صروف الدهر أحلاما! نزلت أرضك أوجاعاً مضمدة ...
فانساب أخطرها حساً وإلهاما! رفَّت ببابك أفراح الصبا قطعاً ...
من الظلام ورف الشوق آلاما! على ديارك ذكرى كلما ارتجفت ...
تساقط الأمس في واديك أياما! والفجر مازال مسوداً يباكرني ...
كالهم ناصية والموت أنساما! لا ألمح الشمس في واديه مشرقة ...
ولا الصباح على الآفاق بسَّاما ولى الشباب ومازالت مصائبه ...
على ربوعك أشلاءً وأسقاما مضى الزمان بما أشجى وما برحت ...
سود الليالي على ناديك أعلاما!! يا مهد أحلامه.
لا شيء في خلدي ...
إلا وذكرني في الأمس أشياَء تلك الروائح والأشلاء من أمد ...
كانت بأرضك آلاماً وأهواَء! نزلت أرضك بالآمال فانقلبت ...
على ربوعك يوم اليأس أرزاء! نزلت أرضك بالآمال فانتثرت ...
على الضغائن والأفواه أشلاء!! وساورتني على مغناك أخيلة ...
وبعثرتني على الآفاق أخطاء!! وطالعتني من الأيام أوجعها ...
حتى شربت تراب اليأس صهباه! وللنوائب كأسٌ بات شاربها ...
يقلب النفس تبريراً وإرجاء! والهم ينسج أحداثاً لينقضها ...
ويفتن العقل تثبيطاً وإغراء! ويجعل الصدق في أفواهه كذباً ...
واليمن مشأمة والعزم إعياء!! والهم يجعل من ذات الرؤى حدثاً ...
ويملأ الصمت في الأسماع أنباء! يا مهد أحلامه، ماذا تملكني؟ ...
وخالط النفس أجواءً وأعماقا أمست وأضحت كأن الأرض ما عرفت ...
يأساً ولا نظرت من قبل إخفاقا! ماذا دهاها؟ فصبت أمسها كسفاً ...
وأزهقت يومها في الأمس إزهاقا!! ليس الجديد قليلا في مداركها.
..
حتى تجدد للأحزان آفاقا! وليس حاضرها خِلواً فتملأه ...
ولا الضمير إلى ما كان مشتاقا! هي الليالي وألوان الشجى رحم ...
والعرق يجمع في الآلام أعراقا واليأس أوجعُه ما ناء حامله ...
وكان لولا جراح فيه سباقا! والليل أفجعُه ما نام ساهره ...
وقام لا يرتجي للنور إشراقا!! والنفس أبعد أشواطاً إذا عدمت ...
شوقاً فهاج على مثواه أشواقا! والنفس أبلغ من أعماقها ألماً ...
إذا أطالت على المأساة إطراقا! يا مهد أحلامه.
طافت على خلدي ...
مواجع الأمس أرواحاً وأجساداً كم جئت أرضك بالآمال هامدة ...
وبالوسائل أشباهاً وأضدادا عجبت للدوحة السوداء ما برحت ...
كأن فيها على الأيام أحقادا!! الأصل في أرضه ما زال منشعباً ...
والفرع في أصله مازال ميادا! يا دوحة في ضمير الليل ما شهدت ...
شمساً ولا نظرت للدهر أعيادا! بات الغناء على واديك حشرجة ...
والظل أصبح في ساقَيَّ أصفادا! سرب المكاره مازالت عصائبه ...
على غصونك أزواجاً وأفرادا! طوبى لروضك مازالت جمائمه ...
أشهى وأوجع مما كان إنشادا! طوبى لنسمتك السوداء ما تركت ...
على المذاهب لا ماءً ولا زادا!! أحفاد خطبك لا طابت منابتها ...
أمست على نسب الأحزان أجدادا يا مهد أحلامه، فاحت على خَلدي ...
ريح الليالي تباريحاً وأوصابا! أبى وفاؤك إلا أن تنسق لي ...
سود الأزاهر في لقياك ترحابا! ما كاد يشرح آلام النوى جسدي ...
حتى صببت لذات النفس أكوابا! هاج المساء وهاج الصبح ما شرقت ...
به ديارك أنفاساً وأعتابا!! عطر النوائب في مغناك أبهجني ...
ومد للنسمة السوداء أسبابا!! وخايلتني على مغناك أزمنةٌ ...
فيها مواجعها أهلا وأحبابا!! والتفت بالنفس ماضيها وقلبني ...
على المضاجع محزوناً ومرتابا ماذا بأرضك أعرى النفس فارتجفت ...
على منابتها دوحاً وأعشابا ماذا بأرضك ناداها وذكرها؟ ...
وفتح الواقع المشئوم أبوابا! كأن بين خطوب الأرض قاطبة ...
وبين خطبك أرحاماً وأنسابا! يا مهد أحلامه.
ناداك مرتعد ...
يغشى المعالم أجداثاً وأهوالا وطاف بالأمس لا يلوي على طلل ...
إلا وكشف أطلالا وأطلالا! وطاف بالأمس حتى جن رائده ...
وخاض ما فيه أشلاءً وأوحالا! وخاض في لجة الأيام وانتفضت ...
موتى الأمانيّ في الأكفان أجيالا! قامت تجر خطاياها، ومن أمد ...
كانت تجر وراء الضعف أثقالا! كانت تجدد أوجاعي وتجعلني ...
أخشى المغايب أسحاراً وآصالا! كانت على النفس أرواحاً مدللة ...
فأصبحت في مهاوي الأمس أغوالا! موتى الأماني لا أنسى تعثرها ...
بين المخاوف إدباراً وإقبالا حملتها اليوم آلاماً على كبدي ...
وكنت أحملها بالأمس آمالا!! وكنت أجعلها للنفس أجنحة ...
فأصبحت في حنايا الصدر أغلالا يا مهد أحلامه.
وافاك مغترب ...
يشكو المذاهب أشواكا وأزهارا رأى الأصائل فارتابت مشاعره ...
فيما يراه تباشيراً وأسحارا! ألقى عصاه على يومين فانتكست ...
به الأماني في مغناك أشعارا!! ما كاد يعزف بلواه على وتر ...
حتى أهاج أنين اللحن أوتارا! ولا تعمق في شط المنى خبراً ...
إلا وذكَّره في اليم أخبارا! ولا تأمل غصناً في بشائره ...
إلا تخوفه ظلا وأثمارا!! ولا أزاح ستار الغيب عن ظلَم ...
إلا وأسدل خوف النور أستارا! ظن الظنون وذاق الناس واختنقت ...
منه الخواطر أشراراً وأخيارا ما كان أكبره نفساً وأطهره ...
لو أن في البر أو في البحر أطهارا! رأى القلوب عبيداً فانطوى ألماً ...
وغاظه أن يرى الأفواه أحرارا! يا مهد أحلامه.
ناداك مرتحل ...
صب الضمير على مغناك أسقاما! ما بال دارك يا ابن الليل حافلة؟ ...
لم ترع شوقا ولم تستبق آلاما! ما بال روضك لا تصفو مشاربه؟ ...
ولا يطيب على الآفا أنساما نزلت أرضك والآمال في غدها ...
فانساب رائدها في الأمس أوهاما! وارتد هامدها في الوهم أخيلة ...
والتف ذابلها بالنفس أنغاما!! ومن توارى من الأيام مشأمة ...
خال التراجع بالأشلاء إقداما! وبات ينزف أوهاماً ويسكبها ...
ويستمد من التصميم إحجاما! وراح بالنفس لا يدري لها أفقاً ...
وعاد يملؤها ظناً وأحلاما! وراح يطلب للتبرير مستمعاً ...
وعاد يمسخ ذات اليأس أحكاماً! وراح يسخر بالآمال تعمية ...
وعاد ينظر للإخفاق بساما! يا مهد أحلامه ما كان من ألم ...
ولى وأورثني في النفس أشياءً والقلب أوسع للضراء تذكرة ...
إذا تنسم في الآفاق سراء! والروح يذكر عند الظل حرقته ...
كما يهيج رحيل الداء أدواء! والهم أثقل خطواً قبل مخرجه ...
والنفس أكثر بعد الشوط إعياء! والليل يلمس ألباباً فيتركها ...
لا تستطيب لذات الفجر أنباء واليأس إن لمس الأعماق فادحه ...
رد البشائر في الأسماع أرزاء! واليأس يطمس في الميؤوس حكمته ...
حتى يظن طنين الهم آراء واليأس ينسج أشلاء المنى عقداً ...
ويملأ الأرض للميؤوس أعداء واليأس ينفخ أوهام الفتى ورماً ...
ويخلع القلب تخييلا وإيحاء ويخنق النفس تبريراً وتغطية ...
ويقلب الكون في الأذهان أخطاء! يا مهد أحلامه.
ناداك مرتحل ...
أفنى الوساوس أجواءً وأعماقا مد الفؤاد إلى الآمال مختنقاً ...
وكان في سكرات اليأس خفاقا وأغمض الشوق عن أقداسه ورعا ...
وكان في حمأة الأرجاس مشتاقا! وأفرغ الكأس لما جاء واقعها ...
وكان يشربها في الوهم ترياقا! من خالط الدهر لا يروي له خيراً.

...
ولا يصدق للآفاق إشراقا ومن تعود شُحَّ الجدب آمله ...
رأى الهشيم بذات الخصب إغداقا ومن تعود في الإخفاق خاطره ...
خال النجاح على الأهداف إخفاقا ومن تمرض بالأشواق خافقه ...
ألفي الحفيظة في الأفواه أشواقا! ومن تذوق للإغراق منقلباً ...
ظن التبسم للأيام إغراقا! ومن تجرع صاب الوهم في أفق ...
خاف الحقيقة آفاقاً وآفاقا يا مهد أحلامه.
ناداك مرتحل ...
أبلى حوادثها فقداً وإيجادا!! ولم يزل في شعاب الأمس يذكرها ...
إن مس نازلة أو مس أعيادا! يا بؤس دارك ما زالت نوائبها ...
سوداً وأسودها مازال وقادا! لم يعل محنتها شيب وقد نظرت ...
على الملاعب أبناءً وأحفادا! يا بؤس دارك لا يصفو لها خبر ...
وإن صفا لم يجد للصفو أكبادا تسد مسمعها إن كان عارضها ...
غيثاً وتفتحه إن كان إرعادا! يا ويح دارك قد فاحت سريرتها ...
وأزبد الألم المكبوت إزبادا وجسم الأمل المحموم سامرها ...
وماج منقلب الأيام أشهادا واهتز في دوحة الأشواك فارعها ...
حتى اشرأب دفين الأصيل ميادا وأخرج الأمس ألفاظاً وأحكمه ...
على المشاعر والأهواء أصفادا! يا مهد أحلامه.
ناداك مرتحل ...
أفنى الخواطر إنكاراً وإعجابا! طالت مذاهبه وارتاب رائدها ...
وأطنب الدهر في نجواه إطنابا واشتف أعماقه حتى تشربها ...
فما أطاق لها شهداً ولا صابا! واستل أنفاسه صبراً وتضحية ...
وامتص خاطره بعداً وإغرابا! وضاع في صخب الأقدار هامسه ...
وانشق مرهفه عتباً وإعتابا وراح في غسق الأهواء مقتنعاً ...
وعاد في وضح الأقداس مرتابا جنى المصائب آمالا وأحرقها ...
على المذاهب توديعاً وترحابا! وأذهل الشوق عن أبواب واقعه ...
وهام يطلب خلف الغيب أبوابا ومال بالنفس عما لاح شاطئه ...
ومد للشاطئ المجهول أسبابا وأزهق العمر تفكيراً وتجربة ...
وما تخير من دنياه محرابا!! يا مهد أحلامه.
وافي وطالعني ...
يوم الرحيل وهاج الشوق أهوالا الحق أزهق أغراضاً ومزقها ...
على المذاهب والأفواه أمثالا! والخير أخمد أهواءً وأركسها ...
تحت المذلة أرداناً وأوحالا!! والحق كالدهر إن أملي لباطلة ...
وفي وأوغل في التشهير إيغالا والخير أرزن مأساة فإن عصفت ...
رد الحبائل في الأشرار أغلالا والنوم أبلغ للأقدار تذكرة ...
والصمت أبعد في الآفاق إرسالا ومن ترامى على الأحداث مرتعدا ...
ذاق المنى فشلا واليأس آمالا! ومن تفكر أفناه تفكره ...
وخال ميسرة الأيام إقلالا! ومن تعمق لا ينمو له أمل.

...
إلا تقصف أوهاماً وأقوالا! وأحصف الناس لا يدري تعثره ...
إن كان نازلة أو كان إقبالا!! يا مهد أحلامه.
نادي وخايلني ...
يوم الرحيل وماج الغيب أسرارا ما بال أمسك ألقاه على خلدي ...
شوكا وأنثره للدهر أزهارا!! ومن تسامى عن الأوضاع منزلة ...
ألفي سعادته بذلا وإيثاراً! يا مهد أحلامه.
ما كان أوجعها ...
ذكرى وأعمقها عطراً وأخباراً والنفس خاشعة الأهواء يلمسها ...
نور فيملؤها شوقاً وأخطارا! ومن تسامى عن الأوضاع معرفة ...
رد الظلام على الأيام أنوارا!! يا مهد أحلامه.
ناداك مرتحل ...
مد المشاعر للأنسام تذكارا أودعت أرضك أخطاءً ستجمعها ...
بعد اغترايي آلاءً وأثمارا!! ومن تسامى عن الأوضاع تجربة ...
لاحت مآثره للناس أوزارا!! وأقرب الناس للأقدار منفرد ...
يرعى الحياة كما لو كان مقدارا! محمد العلائي

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير