أرشيف المقالات

صفاء الأفق في الجزيرة العربية

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
8 عقد الصلح بين زعيمي الجزيرة، جلالة عبد العزيز بن السعود، عاهل المملكة السعودية، وسيادة الإمام يحيي حميد الدين ملك اليمن، فصفا أفق الجزيرة العربية، وقرت عيون العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بعد أن جزعت قلوبهم حيناً لتلك الحرب التي كادت تهدد أمن الجزيرة وسلامها، وتفسح مجالاً لسعي الطامعين والمتربصين من خصوم القضية العربية.
وعقدت معاهدة الطائف بين الفريقين لتنشأ بين المملكتين العربيتين صداقة دائمة، وتحتم عليهما العمل المشترك في الشؤون الاقتصادية المشتركة، وفي تنظيم العلاقات الخارجية، فلا يعقد أحدهما معاهدة مع دولة أجنبية تؤثر في مصالح الطرف الآخر إلا بإذنه وبعد مشاورته؛ ويجب على الطرفين أن يتعاونا في العمل لحماية المصالح المشتركة والدفاع عن استقلال الجزيرة العربية ضد أي خطر خارجي. ولقد قلنا منذ البداية أن هذا الخلاف الخطير لا يعني المملكة السعودية أو اليمن فقط، ونما يعني مستقبل الجزيرة العربية باسرها، وناشدنا الزعيمين أن يتذرعا بالرواية والحكمة، وان يغلبا التفاهم والحسنى.
ولكن الظروف كانت أقوى من أي إرادة، فوقعت المعارك الأولى، وتطورت الحوادث بسرعة، ووقف العالم العربي والإسلامي مدى حين ذاهلاً يتساءل عما يمكن أن ينتهي الخطب إليه.
وكان اشد ما يزعجه أن يرى بعض الدول الأجنبية تتربص وتتحفز لانتهاز الفرص والظروف.
ولم يكن يومئذ ثمة مجال لتحديد المسؤوليات أو توجيه اللوم؛ وكل ما كان يشغل العالم الإسلامي ويهمه، هو أن يعقد السلام بأية وسيلة؛ وعود السلام إلى الجزيرة هو السبيل الوحيد للقضاء على تلك المطامع والآمال الأجنبية التي تزدهر إلا في الكدر والخصام، والتي خشينا عواقبها حينما رست بعض السفن الأجنبية في مياه الحديدة يوم أن استولت الجنود السعودية عليها، واحتج مرسلوها بذلك العذر الخالد الذي نسمعه في مثل هذه الظروف دائماً، وهو حماية الرعايا الأجانب؛ وقرأنا في الصحف الاستعمارية غير مرة أن بعض الجهات المعروفة بمطامعها في الشرق تهتم أيما اهتمام بتطور الحوادث في الجزيرة.
ولكن تفاقم الحوادث على هذا النحو كان نذيراً بركود العاصفة ثم هدوئها، فضوعفت الجهود في سبيل السلام والتفاهم، وأدرك إمام اليمن خطورة الموقف، وخطر التردد، وعبث الخصومة والمقاومه؛ فأقر الملك الوهابي على مطالبه التي اشترطها منذ البداية لوقف القتال، وهي إخلاء الجبال التي احتلتها القوات اليمنية في عس ونجران، وإطلاق الرهائن، وتسليم الأدارسة سادة عسير السابقين؛ وبدأ الإمام بتنفيذ الشروط المطلوبة، واستؤنفت المفاوضات بين الفريقين يحدوها الرجاء تارة واليأس أخرى، حتى شاء ربك أن تحقن الدماء وان يعقد السلام، وان تصان الجزيرة من شر الطامعين والمتربصين. وعقد معاهدة الطائف حادث عظيم في تأريخ الجزيرة العربية، ومهما قيل عن نصوص المعاهدة وأثرها في مركز اليمن، وكونها ترتب للمملكة السعودية عليها نوعاً من الأشراف، فلا ريب أنها لخير الجزيرة بصفة عامة ويكفي أنها حسمت نزاعاً كان يضطرم منذ عشرة أعوام، ويهدد الجزيرة بشره بين آونة وأخرى، ويفسح المجال لسعي الكائدين، وأنها قررت حدوداً كانت دائماً مثار الأخذ والرد.
وهذه الخاتمة السعيدة لحوادث الجزيرة العربية تحمل على كثير من الغبطة والتفاؤل: أولاً لأنها كشفت مرة أخرى عن المعاني السامية التي يحملها التضامن الإسلامي، وثانياً لأنها ستوحد بين الجهود التي تبذل لصون استقلال الجزيرة.
فأما التضامن الإسلامي فقد ظهر في هذه الحوادث بمظهر رائع، وكان لصوت الرأي العام الإسلامي اكبر اثر في تلطيف حدة الخلاف وفي تحذير الزعيمين من عواقبه؛ وكان الرأي العام الإسلامي حكما في الواقع يحتكم إليه الزعيمان، فيذيع عليه جلالة ابن السعود وثائقه ومراسلاته مع سيادة الإمام ليشهده على ما بذل من الأناة والصبر، ويرجوه سيادة الإمام إلا يقف عند الإشاعات والأراجيف المزعجة؛ وكان وفد الأمم الإسلامية الذي سافر إلى الحجاز يبذل جهده لتقريب مدى الخلاف بالنصح والتوسط والرجاء.
وفي ذلك اقطع حجة لدحض مزاعم أولئك الذين ينكرون قوة الرأي العام الإسلامي وقوة أثره في توجيه الأمم الإسلامية. وأما عن توحيد الجهود العربية فيكفي أن نتلو نصوص معاهدة الطائف لنقدر ما يترتب على تنفيذها من تنظيم لجهود الأمتين العربيتين المستقلتين في سبيل خيرهما وخير الجزيرة العربية؛ ولنقدر ما تدلي به هذه النصوص من فهم الأمتين لما يهدد استقلالهما ومصالحهما المشتركة من العوامل والدسائس الخارجية.
ولا ريب أن اليوم الذي يدرك فيه العرب والمسلمون قيمة التضامن والاتحاد بصورة عملية، هو اليوم الذي تتعثر فيه مشاريع الاستعمار وتتحطم، ويبزغ فجر النهضة الحقيقية للعالم الإسلامي، وتستطيع الأمم العربية والإسلامية أن تنظم جهودها لاسترداد استقلالها وحرياتها. فإلي الزعيمين العربيين والى العالم الإسلامي كله نرفع خالص التهنئة على تلك الخاتمة السعيدة؛ ونرجو أن يوفق الزعيمان إلى خدمة الإسلام والعرب متصافيين متضامنين، ومن ورائهما عطف العالم الإسلامي.

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير