ذكرى أبي فهر

  • كتبه: عبدالحميد محمد العمري
  • شـوهــد: 13
مدة قراءة الترجمة : 8 دقائق .

ذكرى أبي فهر

 

مِن وَحْي ذِكراكَ سال الدمعُ من قلمي بَعْدَ العُيُونِ، يَخُطُّ العَهْدَ في أَلَمِ مِن وَحْي نَجوَاكَ أرْنُو اليَوْمَ في وجَلٍ أَتلُو البيانَ، وعَهْدَ البَرِّ بالقسَمِ

 

ما عسى قلمي أن يقول؟ وما عسى هذا اللسانُ في ذكراك أن يبوح به؟ وأي أسلوب سيكون مطيَّتي لذكرك فأرتضيه، ويليق بك وبمقامك أيها الأَبِيُّ؟

 

فلتعذِرْني؛ فإني سأكتب عنك اليوم في خجل، وأُحيي ذكراك في نفسي على وجلِ، ثم أسجلها بهذا القلمِ الذي أخشى عليه ألا يُطيقَ السيرَ في الذي أكرهتُه عليه إكراهَ عاجزٍ قاصر، غيرِ ذي بيان في حُبِّك، ولسانٍ فصيح في وصفِك ومدحِك.

 

ثم مَن أكونُ لأكتبَ عنك؟! ومن أنا إلا مفتونٌ بفنك، مُغْرم بعلمك، ومن في الناس لا يفتتن بمنظر البحر؟!

 

أيها الجليلُ:

لستُ مِن تلامذتِك إلا بمقام متأخِّر، ولستُ من محبِّيك إلا واحدًا ممن لا حظَّ لهم في صحبتك، ولست من السائرين على نهجك، إلا شاديًا لم يأمَنْ بعدُ غوائلَ الطريق ومفاوزها، لست من ذلك كلِّه إلا واحدًا أحَبَّ، فهو ساعٍ إلى ما سعى إليه حبيبُه، فهل تُراه يصِل؟

 

لم ييسرِ اللهُ لي أن ألقاك عَيانًا، ولكني لقيتك عبر كتبك وتلامذتك، ولم أجالسْك، لكني جالست علمَك، ولم أستمتعْ بصحبتك، فصحبتُ أدبَك، ثم انتبهتُ فإذا بي أتذوق - بفضلك بعد فضل الله - الشِّعر والأدب، وأتحسسُ مواضع البيان من كل مُبين، ومواقعَ الحسن من كل نظمٍ ونثر، فنظرتُ في ذلك فلم أجد بعد الله غيرَ أثرِك في نفسي، ووقع جهادُك في قلبي، وصدى كلماتك في أذني؛ انساب ذلك كلُّه في كِياني فكان حبُّك، ثم صار بعد ذلك ثورةً في النفس على كلِّ مبتذَلٍ من القول، بعيدٍ عن الأصل، لا معنى له غيرُ رميِ التراث ونَبْذه، واستقبلتُ أدب أمَّتي مشتاقًا يسعى لمشتاق، وغُصْتُ فيه فرأيت عجبًا، وخضت في غماره فشدتني إليه عظمتُه وهيبتُه، وسرتُ في أطرافه فرمى إليَّ جواهرَ طيبًا، فإذا هو كما قال أبو الطيب في علي بن منصور:

كالبحرِ يقذف للقريب جواهرًا جودًا، ويبعثُ للبعيدِ سحائبَا

 

رحِمك اللهُ أبا فهر، قد أبصرتنا التراثَ بعينٍ لم يَضِرْها الرَّمَد، وقلبٍ ظاهر النقاء والرَّشَد، ونفسٍ لم يَلفِتْها عن الحسن طولُ الأَمَد، فما تبالي أن تشقى وتتعب في سبيل نفضِ التراب عن ذلك الجسم الذي تناوشتْه سهامُ العِدا من كل جانب، وتكالبت عليه الذئابُ العاويات من بني جلدتِنا من كل مغرور وكاذب، ومفتونٍ قد غرَّه سراب الغَرْب، فهو إليه يحثُّ الخُطا ويقارب، ناسيًا أمتَه، نابذًا وراءه كل ما جعله في هذا الوجود إنسانًا، حتى إذا جاءه لم يجدْه شيئًا، أو كباسط يديه إلى الماء العَكِر ليبلغَه فاه وما هو ببالغه؛ فاعجبْ لهم، كيف يسارعون في سبيل الباطل؟!

 

نعم، قد كان بنا حبُّ العربية شيئًا ينمو، كلما انفتح من العلم بابٌ فولجناه، وكان الذودُ عن هذه الأمَّة خاطرًا ما يزال بنا يعلو ويكبر، ويتوسع وينتشر، وكان فهمُ الأدب أمرًا - عرفناه - ذا بال في خدمة الدِّين واللغة، وما زال ذلك يعلو ثم يخجل، ويظهر جليًّا ثم يأفُل، ويجدُّ في نفوسنا ثم نغفُل، وما كان ذلك من هونه، وإنما كان عمودُ الصورة لَمَّا يَسْتَوِ بعدُ في قلوبنا.

 

ثم قرأتُ للشيخ، وتسرَّب في جسمي شيءٌ ما بعث الرُّوح في أمر الجهاد، فانبعث مني كلُّ طرف صاحيًا كأنما لم يَكُ من قبلها غافيًا، منتبهًا يترقب كأنما لم يكنْ من قبل غافلاً، وانبعث في قلبي ونفسي ذلك الموجُ، فنظرت أمامي فوجدتُ من العوائق ما هو كفيلٌ بردِّي عن مرماي، ومنعي عن هدفي وقصدي، ثم صوبت نظري في الأُفق، وحدَّقت في حال الأمَّة، وفي نفسي، فاندفعت في أمري غيرَ ملتفت لأحد يمنعني، ولا لحاسدٍ يَكيد لي وللأمة، أو مبتلًى بالهُونِ يريدُني شريكه في هوانه.

 

نظرت فبدا لي أنَّ كل شيء دون نصرة الأمة لا معنى له، وأن كلَّ عمل ليس من ورائه دفعُ التجني على تراث آبائي وأجدادي لا قيمة له، وأن أي عمل ليس من ورائه رضا الله شيءٌ باطل لا يجرُّ على صاحبه إلا الويل والوَيْس.

 

ثم التفتُّ حواليَّ فرأيت العوائق شيئًا غير ذي بال، ورأيت خيول الصادِّين المانعين خفيفةً مثلما قال عنترة:

وراحت خيلُهم من وجهِ سيفي خِفافًا بعد ما كانت ثقالا تدوس على الفوارسِ وهْي تعدُو وقد أخذتْ جماجَمهم نعالا

 

وما كان السيفُ بعد عون الله - تعالى - غيرَ نهج الشيخ، لا يثبت أمامه مصاولٌ، ولا يرقى إليه محاول، وكلُّ بضاعتنا اليوم من راحلته، وما لنا غيرُ جهد المُقِلِّ، فإما أُعنَّا على الأمر بتوفيق الله ورعايته فأتَى كما نرتجي، وإما قصَّرنا، فمن أنفسنا الضعيفة العاجزة.

 

رحمك الله أبا فهر، كم من طريقٍ محفوفة بالمهالك سلكتَها فعبَّدتَها! وكم من مناجزٍ يخشى الكماةُ نِزالَه نازلتَه فصرعتَه، ولئيمٍ دفعه لؤمُه إلى حَوْمةِ الأدب ومعتركِ المنهج، متسربلاً بزيِّ العلم وهو منه بَراءٌ فكشفتَه للناس على حقيقته! وكم لقيتَ من مَهالكَ فنجوتَ منها، ومواقف لا يُحسَدُ عليها المرءُ فثبتَّ فيها، لا ممعنًا هربًا ولا مستسلمًا حتى انتصرت، وكنتَ في ذلك كله تخوض البحر وحدك، حاملاً الهمَّ وحدك، معرِّضًا نفسك للهلاك في سبيل نصرة الأمة!

 

وها نحن اليوم نسير على خطوك، وقد أمِنَّا بعضَ المهالك، واتقينا بجهادك شرَّ الحوالك، فإما يكن من أمرنا اليوم شيء نعتزُّ به فإليك بعد الله مردُّ الأمر؛ فأنت من اقتحم الباب يوم كان من ورائه كماةٌ يهابُهم الناس، وأنت من علمتنا أن هذا الدينَ أكبرُ مما نعمل له، وأن عملنا في نصرته شيءٌ لا بد أن يجريَ منا مجرى الدم لكي نَحْيا، ونعم:

كم قد مددتَ يدًا طُولى لتسعدَنا فحزتمُ الفضلَ والإنعام والحسَبا إن فاخَرَ الناسُ بالأنساب سدتَهمُ أو ناشَدوا العلم حُزتَ الجَاه والنَّسبا

 

وكذلك كنتَ، فمهدتَ لنا الطريق، ودافعتَ المُغرضين، ودفعت التُّهمَ عن هذا الماضي العريق، وجعلت الطريق إليه واضحًا لاحِبًا، فكنتَ السيدَ، وكنتَ القائدَ المحنَّك، والداعيةَ الذي حلَبَ الدَّهرَ أشطُرَه، فليس لنا إلا أن نغترفَ من بحرك، ونأخذَ من علمك، ونمضيَ على دربك، عسى الله أن يوفِّقَنا ويهديَنا سواء السبيل.

 

رحمك الله أبا فهر، قد ترجَّلتَ عن صهوة جوادك - الذي لم يكْبُ مرة، ولم يتعثَّرْ بك، ولم يجفِلْ بك في لقاء، أو يجمَحْ بك في مسيرٍ - وصرتَ إلى ربك راضيًا مرضيًّا، كذاك نحسبك، وتسجَّيتَ في مثواك حاملاً معك من العلم أكثرَ مما بُحْتَ به، ومن اليقين ما لو قسمته على أهل الأدب لكفاهم، ومضيتَ ولَمَّا يقضِ تلامذتُك من صحبتك وطَرًا، ولَمَّا ينهلوا من مَعِينك حتى يرتووا.

 

نعم، قد كان ذلك، ولكنك تركتَ رجالاً من خلفك لن يُخلِفوا ما عاهدوا اللهَ عليه، وقد صدقوا، فمنهم من قضى نحبَه، ومنهم من ينتظر، وما بدَّلوا تبديلاً، فهم السائرون على نهجِك، الناشرون ما طويتَ فبُحتَ به إليهم، الفاتحون ما حاول المفسدون إغلاقَه لطمسِ علمك ونهجك، فعسى أن يَبْلغوا من ما ابتغَوا وطرًا يُرضيك عند ربك، ويُرضي عنهم الأمَّةَ.

 

وها نحن نسير على دربٍ قد مهدتَه، وسبيلٍ قد عبَّدتَها، ونهجٍ قد سوَّيتَه وكشفته وجمعته وهذَّبتَه، سائلين الله أن يوفقَنا لعمل الخير وخير العمل.

 

اللهم وفِّق وأعن.