زبيدة والعمل الخيري

  • كتبه: د. عبدالحكيم الأنيس
  • شـوهــد: 13
مدة قراءة الترجمة : 5 دقائق .

زبيدة والعمل الخيري


هي زُبيدة بنت جعفر بن المنصور.

 

زوجةُ هارون الرشيد وبنتُ عمِّه.

 

وهي سيدةٌ جليلةٌ ذاتُ يدٍ طولى في الحضارة والعمران، والعطف على الأدباء والشعراء والأطباء.

 

ومن ذوات العقل والرأي والفصاحة والبلاغة.

 

وهي أمُّ الخليفة الأمين العباسي.

اسمُها "أمَةُ العزيز" وغلب عليها لقبُها "زبيدة"، لقَّبها به جدُّها أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين في العراق، لبضاضتها ونضارتها، فقد كان يُرقصها في طفولتها ويقول: يا زبيدة أنت زبيدة.

فغلب ذلك على اسمها.

 

أعرسَ بها هارونُ الرشيد سنة (165 هـ) في قصره المعروف بالُخْلد، وحشد الناسَ من الآفاق، وفرَّق فيهم الأموال، ولم يُر في الإسلام عرسٌ مثله.

 

كان لها معروفٌ كثير، وفعلُ خيرٍ وفير، وإليها تُنسب "عين زبيدة" في مكة، جلبتْ إليها الماءَ من أقصى وادي نعمان، شرقي مكة، وأقامت له الأقنية حتى أبلغتْهُ مكة.

 

يقول العلامة المُفنَّن المؤرِّخُ أبو الفرج ابنُ الجوزي البغدادي:

إنها سقتْ أهلَ مكة الماء بعد أن كانت الراوية [السقاء] عندهم بدينار، وأنها أسالت الماءَ عشرة أميال بحطِّ الجبال ونحوتِ الصخر حتى غلغلته من الحِلِّ إلى الحرَم، وعملت عقبة البستان، فقال لها وكيلُها: يلزمك نفقةٌ كثيرةٌ، فقالت: اعملها، ولو كانت ضربة فأس بدينار.

 

فبلغت النفقةُ عليه ألف ألف وسبع مئة ألف دينار.

 

وليس هذا فحسبُ، بل كان لها اهتمامٌ عجيب بـ (ذوي الاحتياجات الخاصة)، وسعيٌ إلى ما يعودُ بالخير والنفع عليهم.

 

يقول المؤرِّخُ ياسين الخطيب العُمري الموصلي وهو يحكي سيرتَها:

(قيل: إنها بَنَتْ حائطاً مِنْ بغداد إلى مكة، وحفرتْ آباراً في كل مرحلة.

 

وقيل: حائطين، بحيثُ كان الأعمى إذا أراد الحجَّ لمس الحائطَ وسار، وإذا عطشَ شربَ من الآبار، ولا يقربه شيءٌ من الحيوانات والأسود، لأنَّ الطريقَ محصَّنٌ بالحيطان)!

 

وهذا تفكيرٌ عال، وسبقٌ كبير، فرحمها اللهُ ما أبعدَ نظرَها، وما أعظمَ همتَها، وما أعظمَ عملَها[1]!

 

وقد فَقَدَتْ زبيدةُ زوجَها الرشيدَ سنة (193هـ)، وفقدتْ ابنَها الأمين سنة (197هـ)، وتُوفيت هي سنة (216هـ)، وظلَّت آثارُها مِن بعدها مئات السنين.

 

فحين حجَّ الرحالةُ الأندلسيُّ ابن جُبير- وقد تُوفي سنة (616هـ)، أي بعد زبيدة بـ 400 سنة - ذَكَرَ زبيدةَ في رحلته عدة مرات:

فقد قالَ عن مزدلفة:

(ومزدلفة بسيطٌ من الأرض فسيحٌ بين جبلين، وحولَهُ مصانع وصهاريج كانت للماء في زمان زبيدة، رحمها الله).

 

وقد سافر إلى العراق بعد حجِّه ووَصَفَ طريقه إلى بغداد، ورأى آثارَها الرائعة في الطريق فكتب قائلاً:

(وهذه المصانعُ والبركُ والآبارُ التي مِنْ بغداد إلى مكة هي آثارُ زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور، وزوج هارون الرشيد، وابنة عمه.

 

انتدبتْ لذلك مدةَ حياتها.

 

فأبقتْ في هذا الطريق مرافقَ ومنافعَ تعمُّ وفدَ الله تعالى كل سنة، مِن لدن وفاتها إلى الآن.

 

ولولا آثارُها الكريمةُ في ذلك لما سُلِكَتْ هذه الطريق.

 

والله كفيلٌ بمجازاتِها والرضا عنها).

 

وهذه ذكرى جميلة ودعاءٌ صادق.
.
.

 

وظلَّتْ سيرتُها العطرةُ على ألسنة المؤرِّخين، فهذا المؤرِّخُ المصري ابن تغري بردي المتوفى سنة (874هـ) يقول عنها:

(أعظمُ نساء عصرها ديناً وأصلاً وجمالاً وصيانةً ومعروفاً).

وهكذا تكون عواقبُ المعروف والإحسان.

يُذكَرُ صاحبُه على مرِّ الزمان.

ويَتغنى بذكره الإنسان.

وتَفتخرُ به الأوطان[2].





[1] وإذا نُوزع في ثبوت هذا واستُبعد فيُقال: لعلها فكرت بهذا المشروع، وأرادت القيام به، وحسبها ذاك.

[2] المصادر: "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (14/433)، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان (2/314)، و"رحلة ابن جبير" ص150 و185، و"الروضة الفيحاء في تواريخ النساء" للعمري ص354، و"الأعلام" للزركلي (3/42)، و"أعلام النساء" لكحالة (2/17).