ضحكة في حياة بشر!

  • كتبه: د. محمد إبراهيم العشماوي
  • شـوهــد: 13
مدة قراءة الترجمة : 5 دقائق .

ضحكةٌ في حياة بشرٍ!

 

الإمام، العالم، المحدِّث، الزاهد، الربَّاني، القدوة، شيخُ الإسلام، أبو نَصرٍ المروزيُّ، ثم البغداديُّ، المشهور: بالحافي.

 

هكذا استهلَّ الحافظ الذهبي ترجمة (بِشر بن الحارث)!

 

وقد أجمع المؤرِّخون على أن حياة بِشرٍ كانت مُوغلةً في الزهد، حتى قالت له جويرية: لو اشتريتَ نعلاً بدانقين، ذهبَ عنك اسمُ الحافي!

 

وأقام بشرٌ بعَبَّادان يشرب ماء البحر، ولا يشرب من حياض السلطان، حتى أضر َّبجوفه، ورجع إلى أخته وجعًا، وكان يعمل المغازل، ويبيعها، فذاك كسبُه.

 

وقال: إني لأشتهي شِواءً منذ أربعين سنةً، ما صفا لي درهمُه!

 

وكان يدعو: اللهم إنك تعلم أن الذلَّ أحب إليَّ من العز، وأن الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، وأن الموت أحب إليَّ من البقاء!

وقيل له: ألا تحدِّث؟

 

قال: أنا أشتهي أن أحدِّث، وإذا اشتهيتُ شيئًا تركتُه! "تاريخ بغداد وذيوله" ط العلمية (7/ 73).

 

وقال إسحاقُ الحربي: سمعتُ بشرَ بن الحارث يقول: ليس الحديثُ من عُدَّة الموت؛ كما في "سير أعلام النبلاء" ط الحديث (8/ 488).

 

فقلت له: قد خرجتَ إلى أبي نعيمٍ!

 

فقال: أتوب إلى الله!

 

وعن أيُّوب العطَّار، أنه سمع بشرًا يقول: حدَّثنا حماد بن زيدٍ، ثم قال: أستغفر الله، إنَّ لذكر الإسناد في القلب خُيلاءَ!

 

وقال: لا أعلم أفضلَ مِن طلب الحديث لمن اتَّقى الله، وحسنَت نيتُه فيه، وأما أنا، فأستغفر الله من طلبِه، ومن كل خطوةٍ خطوتُ فيه!

 

لقد اختار بشرٌ لنفسه هذا الطريق، فدفَن كتبه، وترك الرواية، وأقبل على العبادة وتخلَّى!

 

وكان كثير الحديث، إلا أنه لم يَنصُب نفسه للرواية، وكان يَكرهُها، ودفَن كتبه لأجل ذلك، وكلُّ ما سُمع منه فإنما هو على سبيل المذاكرة!

 

وقد سُئل عنه الدارقطني، فقال: زاهدٌ، جبَلٌ، ثقةٌ، ليس يَروي إلا حديثًا صحيحًا!

 

وقال أبو حاتمٍ: ثقةٌ رِضًى!

 

ورغم هذه الحياة التي قد يَرى فيها البعض طرَفًا من الجنون؛ فإن كبار العلماء كانوا يرَونها عين العقل، وضربًا من التفرُّد لا نظير له، وقدوةً يَقتدي بها من أراد!

 

قال إبراهيمُ الحربي: ما أخرجَت بغدادُ أتمَّ عقلاً من بشرٍ، ولا أحفظَ للسانه، كان في كل شعرةٍ منه عقلٌ، وطئ الناسُ عقِبَه خمسين سنةً، ما عُرف له غيبةٌ لمسلم، ما رأيتُ أفضل منه، لو قُسم عقله على أهل بغداد، صاروا عقلاء، وما نقَص من عقله شيءٌ!

 

وقيل لأحمد: مات بشرٌ.

 

قال: مات - والله - وما له نظيرٌ في هذه الأمَّة!

 

وقال ابن حجَرٍ: ثقةٌ قدوة!

 

لقد عاش بشرٌ حياة العقلاء، لكنها حياةٌ تدعو إلى الحزن، ولست أعلم في حياة بشرٍ موضعًا يدعو إلى الضحك سوى ما رواه الحافظُ ابن عساكر في تاريخه عن محمد بن المثنَّى السمسار، قال: كنا عند بشر بن الحارث، وعنده العباس بن عبد العظيم العنبري، وكان من سادات المسلمين، فقال له: يا أبا نصرٍ، أنت رجلٌ قد قرأتَ القرآن، وكتبتَ الحديث، فلم لا تتعلَّم من العربية ما تَعرف به اللَّحن حتى لا تلحَن؟

 

قال: فافعل.

قال: قد ضرب زيدٌ عمرًا.

قال: فقال له بشرٌ: لم ضربه؟

قال: يا أبا نصرٍ، ما ضربَه، وإنما هذا أصلٌ وُضِع!

فقال بشرٌ: هذا أوله كذبٌ، لا حاجة لي فيه!

ولا زالت هذه الحكاية تدعوني إلى الضحك كلَّما تذكرتها!

رحم الله بشرًا، فقد غلبَت عليه المعاني، حتى أنسَته الألفاظَ والمباني!