أعلام المسلمين

غزوة تبوك

نبذة


شارك عبر

نبذة عن الشخصية

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا . فَلَمَّا رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا ، وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْهُ ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ مِنْهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ ، وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ " فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ ، إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ ; خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ وَالْآخَرُ لِطَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّءٍ . فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَكُمْ ؟ ثُمَّ دَعَا لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ . وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مِنْ تَبُوكٍ . هَذَا مُرْسَلٌ مُنْكَرٌ .

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ نَزَلَ بِتَبُوكَ وَهُوَ حَاجٌّ ، فَإِذَا رَجُلٌ مُقْعَدٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمْرِهِ ، فَقَالَ : سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا فَلَا تُحَدِّثْ بِهِ مَا سَمِعْتَ أَنِّي حَيٌّ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلَةَ ، فَقَالَ : " هَذِهِ قِبْلَتُنَا " ثُمَّ صَلَّى إِلَيْهَا . فَأَقْبَلْتُ ، وَأَنَا [ ص: 242 ] غُلَامٌ أَسْعَى حَتَّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، فَقَالَ : " قَطَعَ صَلَاتَنَا ، قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ " قَالَ : فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِي هَذَا .

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَوْلَى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ ، قَالَ : رَأَيْتُ مُقْعَدًا بِتَبُوكَ . فَقَالَ : مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلِّي . فَقَالَ : " اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ " فَمَا مَشَيْتُ عَلَيْهِمَا بَعْدُ . أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ .

وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ بِضِيَاءٍ وَشُعَاعٍ وَنُورٍ لَمْ أَرَهَا طَلَعَتْ فِيمَا مَضَى ، فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَالِي أَرَى الشَّمْسَ الْيَوْمَ طَلَعَتْ بِضِيَاءٍ وَنُورٍ وَشُعَاعٍ لَمْ أَرَهَا طَلَعَتْ فِيمَا مَضَى ؟ " فَقَالَ : ذَاكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيَّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ الْيَوْمَ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ . قَالَ : " وَفِيمَ ذَاكَ " ؟ قَالَ : كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَةَ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) ) [ الْإِخْلَاصِ ] بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَفِي مَمْشَاهُ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ ، فَهَلْ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَقْبِضَ لَكَ الْأَرْضَ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " قَالَ : فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ رَجَعَ . الْعَلَاءُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَاهٍ . وَرَوَاهُ الْحَسَنُ الزَّعْفَرَانِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ .

وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيَّ تُوُفِّيَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي جِنَازَةِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : هَكَذَا ; فَفَرَّجَ لَهُ عَنِ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ . فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَمَعَهُ جِبْرِيلُ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ . فَقَالَ : يَا [ ص: 243 ] جِبْرِيلُ ، بِمَ بَلَغَ هَذَا ؟ قَالَ : بِكَثْرَةِ قِرَاءَةِ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) ) [ الْإِخْلَاصِ ] كَانَ يَقْرَؤُهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا . مُرْسَلٌ .

وَقَالَ ابْنُ جَوْصَا ، وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيِّ ، وَأَبُو الدَّحْدَاحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالُوا : حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُوَيٍّ السَّكْسَكِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِتَبُوكَ ، فَقَالَ : احْضُرْ جِنَازَةَ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَبَطَ جِبْرِيلُ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فَوَضَعَ جَنَاحَهُ عَلَى الْجِبَالِ فَتَوَاضَعَتْ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ . فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، قَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، بِمَ أَدْرَكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ مِنَ اللَّهِ ؟ " قَالَ : بِقِرَاءَةِ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) ) قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا .

قُلْتُ : مَا عَلِمْتُ فِي نُوحٍ جَرْحًا ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ جِدًّا ، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَصْلًا عَنْ بَقِيَّةَ . وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْعَلَاءِ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَا يُتَابِعُ عَلَيْهِ . قَالَ : وَلَا أَحْفَظُ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُقَالُ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . وَقَدْ سَرَقَ هَذَا الْحَدِيثَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَرَوَاهُ عَنْ بَقِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ .

وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْمُؤَذِّنُ : حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ ، أَفَتُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَجَرَةٍ وَلَا أَكَمَةٍ إِلَّا تَضَعْضَعَتْ لَهُ . فَصَلَّى عَلَيْهِ وَخَلْفَهُ صَفَّانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فِي كُلِّ صَفٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ . قُلْتُ : يَا [ ص: 244 ] " جِبْرِيلُ ، بِمَ نَالَ هَذَا ؟ " قَالَ : بِحُبِّهِ
( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) ) يَقْرَؤُهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا وَذَاهِبًا وَجَائِيًا ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ . مَحْبُوبٌ مَجْهُولٌ ، لَا يُتَابَعُ عَلَى هَذَا .

قَالَ الْبَكَّائِيُّ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ ، يَعْنِي مِنْ يَوْمِ الْحِجْرِ ، وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً ، فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ . فَحَدَّثَنِي عَاصِمٌ ، قَالَ : قُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ : هَلْ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ النِّفَاقَ فِيهِمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَاللَّهِ ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ; لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحِجْرِ مَا كَانَ ; وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَعَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّحَابَةَ ، فَأَمْطَرَتْ . قَالُوا : أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نَقُولُ : وَيْحَكَ ، هَلْ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ ؟ قَالَ : سَحَابَةٌ سَائِرَةٌ .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارَ ، فَضَلَّتْ نَاقَتُهُ ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا ، وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا ، وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بْنُ الْلُّصَيْتِ الْقَيْنُقَاعِيُّ وَكَانَ مُنَافِقًا ، فَقَالَ زَيْدٌ ، وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ ، أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ : " إِنَّ رَجُلًا قَالَ كَذَا وَكَذَا . وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ فِي هَذَا الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا ، وَقَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا " فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهَا . فَذَهَبَ عُمَارَةُ إِلَى رَحْلِهِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ عَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدَّثَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آنِفًا ، مِنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زَيْدٌ وَاللَّهِ ، قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ [ ص: 245 ] أَنْ تَأْتِيَ . فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زَيْدٍ يَجَأُ فِي عُنُقِهِ ، وَيَقُولُ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةٌ وَمَا أَشْعُرُ . اخْرُجْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ رَحْلِي . فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ ، مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَمُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ ; يُشِيرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَتَحْسَبُونَ جِلَادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرَّنِينَ فِي الْحِبَالِ ; إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ : وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلٌّ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَأَنَّا نَنْفَلِتُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ .

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيمَا بَلَغَنِي ، لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَدْرِكِ الْقَوْمَ ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا ، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا ، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ : بَلَى ، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا . فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْعَمَّارٌ ، فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ . فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَذِرُونَ . فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . فَنَزَلَتْ : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ( 65 ) ) [ التَّوْبَةِ ] فَقَالَ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي . فَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ [ ص: 246 ] مُخَشِّنٌ ; يَعْنِي ( إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ ( 66 ) ) [ التَّوْبَةِ ] فَتَسَمَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ . فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ .

وَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ ، أَتَاهُ يُحَنَّةُ بْنُ رُؤْبَةَ صَاحِبُ أَيْلَةَ ، فَصَالَحَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ . وَأَتَاهُ أَهْلُ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ . وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ .

وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَتِهِ تِلْكَ تَبُوكَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْهَا . وَأَقَامَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ ; يَعْنِي بِتَبُوكَ .

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .

فَائِدَةٌ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ أَيْلَةَ بُرْدَةً مَعَ كِتَابِهِ ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي السَّفَّاحَ - بِثَلَاثِ مِائَةِ دِينَارٍ .

وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ; رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ ، وَكَانَ مَلِكًا عَلَى دُومَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالِدٍ : إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ . فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ مَنْظَرَ الْعَيْنِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَافِيَةٍ ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ ، فَأَتَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : هَلْ رَأَيْتَ - مِثْلَ هَذَا قَطُّ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ . قَالَتْ : فَمَنْ يَتْرُكُ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا أَحَدَ . فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، فِيهِمْ أَخُوهُ [ ص: 247 ] حَسَّانُ . فَتَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَتْهُ وَقَتَلُوا أَخَاهُ ، وَقَدِمُوا بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَقَنَ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ ، وَأَطْلَقَهُ .

فَائِدَةٌ : قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ السَّكُونِيِّ ، قَالَ : خَرَجَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ بِهَا أُكَيْدِرُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ خَيْلَكَ انْطَلَقَتْ فَخِفْتُ عَلَى أَرْضِي ، فَاكْتُبْ لِي كِتَابًا فَإِنِّي مُقِرٌّ بِالَّذِي عَلَيَّ . فَكَتَبَ لَهُ . فَأَخْرَجَ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مِمَّا كَانَ كِسْرَى يَكْسُوهُمْ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ اقْبَلْ عَنِّي هَذَا هَدِيَّةً . قَالَ : " ارْجِعْ بِقَبَائِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَلْبَسُ هَذَا أَحَدٌ إِلَّا حُرِمَهُ فِي الْآخِرَةِ " فَشَقَّ عَلَيْهِ أَنْ رَدَّهُ . قَالَ : " فَادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ " فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَحَدَثَ فِيَّ أَمْرٌ ؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ ، أَوْ ثَوْبَهُ ، عَلَى فِيهِ ثُمَّ قَالَ : " مَا بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهُ ، وَلَكِنْ تَبِيعُهُ وَتَسْتَعِينُ بِثَمَنِهِ " .

وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : وَلَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ ، بَعَثَ خَالِدًا فِي أَرْبَعِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ ، فَلَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ ، قَالَ خَالِدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَفِيهَا أُكَيْدِرُ ، وَإِنَّمَا نَأْتِيهَا فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ : " لَعَلَّ اللَّهَ يَكْفِيكَهُ " فَسَارَ خَالِدٌ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ دُومَةَ نَزَلَ فِي أَدْبَارِهَا . فَبَيْنَمَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي مَنْزِلِهِمْ لَيْلًا ، إِذْ أَقْبَلَتِ الْبَقَرُ حَتَّى جَعَلَتْ تَحْتَكُّ بِبَابِ الْحِصْنِ ، وَأُكَيْدِرُ يَشْرَبُ وَيَتَغَنَّى بَيْنَ امْرَأَتَيْهِ . فَاطَّلَعَتْ إِحْدَاهُمَا فَرَأَتِ الْبَقَرَ ، فَقَالَتْ : لَمْ أَرَ كَاللَّيْلَةِ فِي اللَّحْمِ . فَثَارَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ ، وَرَكِبَ غِلْمَتُهُ وَأَهْلُهُ ، فَطَلَبَهَا . حَتَّى مَرَّ بِخَالِدٍ وَأَصْحَابِهِ فَأَخَذُوهُ وَمَنْ مَعَهُ فَأَوْثَقُوهُمْ . ثُمَّ قَالَ خَالِدٌ لِأُكَيْدِرَ : أَرَأَيْتَ إِنْ أَجَرْتُكَ تَفْتَحُ لِي دُومَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَانْطَلَقَ حَتَّى دَنَا مِنْهَا ، فَثَارَ أَهْلُهَا وَأَرَادُوا أَنْ [ ص: 248 ] يَفْتَحُوا لَهُ ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَخُوهُ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ لِخَالِدٍ : أَيُّهَا الرَّجُلُ ، حُلَّنِي ، فَلَكَ اللَّهُ لَأَفْتَحَنَّهَا لَكَ ، إِنَّ أَخِي لَا يَفْتَحُهَا مَا عَلِمَ أَنِّي فِي وِثَاقِكَ . فَأَطْلَقَهُ خَالِدٌ ، فَلَمَّا دَخَلَ أَوْثَقَ أَخَاهُ وَفَتَحَهَا لِخَالِدٍ ، ثُمَّ قَالَ : اصْنَعْ مَا شِئْتَ . فَدَخَلَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ . ثُمَّ قَالَ : يَا خَالِدُ ، إِنْ شِئْتَ حَكَّمْتُكَ ، وَإِنْ شِئْتَ حَكَّمْتَنِي . فَقَالَ خَالِدٌ : بَلْ نَقْبَلُ مِنْكَ مَا أَعْطَيْتَ . فَأَعْطَاهُمْ ثَمَانَ مِائَةٍ مِنَ السَّبْيِ وَأَلْفَ بَعِيرٍ وَأَرْبَعَ مِائَةِ دِرْعٍ وَأَرْبَعَ مِائَةِ رُمْحٍ .

وَأَقْبَلَ خَالِدٌ بِأُكَيْدِرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ يُحَنَّةُ بْنُ رُؤْبَةَ عَظِيمُ أَيْلَةَ . فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْفَقَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ كَمَا بَعَثَ إِلَى أُكَيْدِرَ ، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَاضَاهُمَا عَلَى قَضِيَّتِهِ ; عَلَى دُومَةَ وَعَلَى تَبُوكَ وَعَلَى أَيْلَةَ وَعَلَى تَيْمَاءَ ، وَكَتَبَ لَهُمْ بِهِ كِتَابًا ، وَرَجَعَ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ .

ثُمَّ ذَكَرَ عُرْوَةُ قِصَّةً فِي شَأْنِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ هَمُّوا بِأَذِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى كَيْدِهِمْ . وَذَكَرَ بِنَاءَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ .

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ ثِقَةٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ ; بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ . وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ قَدْ أَتَوْهُ ، وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى تَبُوكَ ، فَقَالُوا : قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ ، وَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَ فَتُصَلِّيَ لَنَا فِيهِ . فَقَالَ : إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ ، فَلَوْ رَجَعْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ . فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي أَوَانٍ ، أَتَاهُ خَبَرُ السَّمَاءِ ، فَدَعَا مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ ، فَقَالَ : انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَأَحْرِقَاهُ . فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى دَخَلَاهُ وَفِيهِ أَهْلُهُ فَحَرَّقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ . وَنَزَلَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نَزَلَ .

[ ص: 249 ] وَقَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : كُنْتُ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقُودُ بِهِ ، وَعَمَّارٌ يَسُوقُهُ ; أَوْ قَالَ : عَمَّارٌ يَقُودُهُ وَأَنَا أَسُوقُهُ ; حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَقَبَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِاثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوهُ فِيهَا ، فَأَنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ . فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ عَرَفْتُمُ الْقَوْمَ ؟ قُلْنَا : لَا ، قَدْ كَانُوا مُلَثَّمِينَ . قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُونِي فِي الْعَقَبَةِ لِأَقَعَ . قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَلَا تَبْعَثُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِمْ ؟ قَالَ : لَا ، أَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى إِذَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهُمْ . ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ " قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الدُّبَيْلَةُ ؟ قَالَ : " شِهَابٌ مِنْ نَارٍ يَقَعُ عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ " .

وَقَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، أَنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا ، مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ( 107 ) ) [ التَّوْبَةِ ] قَالَ : أُنَاسٌ بَنَوْا مَسْجِدًا فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرٍ : ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ وَاسْتَمِدُّوا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَسِلَاحٍ ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْجِدِهِمْ أَمُّوا النَّبِيَّ [ ص: 250 ] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : نُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ . فَنَزَلَتْ : ( لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ( 108 ) ) [ التَّوْبَةِ ] الْآيَاتِ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : أَذْكُرُ أَنَّا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، خَرَجْنَا مَعَ الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّاهُ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .

وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ ؛ إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .


تجربة