أعلام المسلمين

غزوة تبوك

نبذة


شارك عبر

نبذة عن الشخصية

وَفِي رَجَبٍ غَزْوَةُ تَبُوكَ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّمَا كَانَ يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلَّا أَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَهَا ، إِلَّا غَزْوَةَ تَبُوكَ فَإِنَّهُ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي أُرِيدُ الرُّومَ . فَأَعْلَمَهُمْ . وَذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلَادِ ، وَحِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ ; وَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمَقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ .

فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي جِهَازِهِ ، إِذْ قَالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ : " يَا جَدُّ ، هَلْ لَكَ فِي بَنَاتِ بَنِي الْأَصْفَرِ ؟ " . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَشَدُّ عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي ، وَإِنِّي أَخَافُ إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ [ ص: 233 ] بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ يَفْتِنَّنِي ، فَائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : " قَدْ أَذِنْتُ لَكَ " . فَنَزَلَتْ : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ( 49 ) ) [ التَّوْبَةِ ] . قَالَ : وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ : ( لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ( 81 ) ) ، فَنَزَلَتْ : ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ( 81 ) ) [ التَّوْبَةِ ] .

وَلَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْ نَفَقَةِ عُثْمَانَ ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَتَيْ بَعِيرٍ .

قَالَ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ : حَدَّثَنَا السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ ، عَنْ فَرْقَدٍ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ ، قَالَ : فَقَامَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ : ثُمَّ حَثَّ ثَانِيَةً ، فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . ثُمَّ حَضَّ ، أَوْ قَالَ : حَثَّ ، الثَّالِثَةَ ، فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلَيَّ ثَلَاثُ مِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَنَا شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ : " مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ " أَوْ قَالَ : " بَعْدَهَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ . وَغَيْرُهُ ، عَنِ السَّكَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ .

وَقَالَ ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ مَوْلَاهُ ، قَالَ : جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ ، فَفَرَّغَهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ : " مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ " قَالَهَا مِرَارًا .

وَقَالَ بُرَيْدٌ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانِ ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ ; [ ص: 234 ] وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

وَقَالَ : وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، قَالَ : أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّدَقَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَنْفَقُوا احْتِسَابًا ، وَأَنْفَقَ رِجَالٌ غَيْرُ مُحْتَسِبِينَ . وَحُمِلَ رِجَالٌ مِنْ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ ، وَبَقِيَ أُنَاسٌ . وَأَفْضَلُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ; تَصَدَّقَ بِمِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ، وَتَصَدَّقَ عُمَرُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ ، وَتَصَدَّقَ عَاصِمٌ الْأَنْصَارِيُّ بِتِسْعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : " هَلْ تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ شَيْئًا ؟ " قَالَ : نَعَمْ ، أَكْثَرُ مِمَّا أَنْفَقْتُ وَأَطْيَبُ . قَالَ : كَمْ ؟ قَالَ : مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الرِّزْقِ وَالْخَيْرِ ; رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ رِجَالًا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ ، وَهُمْ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ مَنِ الْأَنْصَارِ : سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ ; وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ ; وَهَرِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ الْفَزَارِيُّ . فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ ، فَقَالَ : ( لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ( 92 ) ) [ التَّوْبَةِ ] فَبَلَغَنِي أَنَّ يَامِينَ بْنَ عَمْرٍو ، لَقِيَ أَبَا لَيْلَى وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ وَهُمَا يَبْكِيَانِ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكُمَا ؟ فَقَالَا : جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْمِلَنَا ، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ . فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا لَهُ فَارْتَحَلَاهُ ، وَزَوَّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ لَبَنٍ .

وَأَمَّا عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ فَخَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ بَكَى ، [ ص: 235 ] وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ وَرَغَّبْتَ فِيهِ ، ثُمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ ، وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِكَ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ ، وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي بِهَا فِي مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ . ثُمَّ أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ؟ " فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ . ثُمَّ قَالَ : " أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ ؟ فَلْيَقُمْ " فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَبْشِرْ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ " ( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ( 90 ) ) [ التَّوْبَةِ ] فَاعْتَذَرُوا فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ . فَذُكِرَ أَنَّهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ .

قَالَ : وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمُ النِّيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى تَخَلَّفُوا عَنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ أَخُو بَنِي وَاقِفٍ ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ . وَكَانُوا رَهْطَ صِدْقٍ .

ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ . فَلَمَّا خَرَجَ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ، وَمَعَهُ زِيَادَةٌ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ النَّاسِ . وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ عَسْكَرَهُ عَلَى ذِي حِدَةَ ، عَسْكَرُهُ أَسْفَلَ مِنْهُ ، وَمَا كَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ بِأَقَلَّ الْعَسْكَرَيْنِ . فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَخَلَّفَ عَنْهُ ابْنُ سَلُولَ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ . وَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِهِ ، وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا : مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَفُّفًا مِنْهُ . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ ، أَخَذَ عَلِيٌّ سِلَاحَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي تَسْتَثْقِلُنِي وَتَخَفَّفُ مِنِّي . قَالَ : " كَذَبُوا ، وَلَكِنْ خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي ، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي [ ص: 236 ] وَأَهْلِكَ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي " فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ .

وَأَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ؟ قَالَ : " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي " وَرَوَاهُ عَامِرٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، ابْنَا سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِمَا .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ ، جَعَلَ لَا يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَخَلَّفَ فُلَانٌ . فَيَقُولُ : " دَعُوهُ ، إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ " حَتَّى قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ ، فَقَالَ : " دَعُوهُ ، إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ " فَتَلَوَّمَ أَبُو ذَرٍّ بَعِيرَهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاشِيًا . وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ ، وَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا لَرَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُنْ أَبَا ذَرٍّ " فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا : هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ ، يَمْشِي وَحْدَهُ ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ " فَضَرَبَ الدَّهْرُ مَنْ ضَرَبَهُ ، وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرِّبَذَةِ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى امْرَأَتَهُ وَغُلَامَهُ : إِذَا مِتُّ فَاغْسِلَانِي وَكَفِّنَانِي وَضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، فَأَوَّلُ [ ص: 237 ] رَكْبٍ يَمُرُّونَ بِكُمْ فَقُولُوا : هَذَا أَبُو ذَرٍّ . فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ . فَاطَّلَعَ رَكْبٌ ، فَمَا عَلِمُوا بِهِ حَتَّى كَادَتْ رَكَائِبُهُمْ تَوَطَّأُ سَرِيرَهُ ، فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ . فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ : جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ . فَاسْتَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي ، فَقَالَ : صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ ، يَمْشِي وَحْدَهُ ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ . فَنَزَلَ ، فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَجَنَّهُ .

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ ، أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ ، رَجَعَ - بَعْدَ مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا - إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي حَائِطٍ قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا ، وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً ، وَهَيَّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا ، فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ ، فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ فِي الضِّحِّ وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ ، وَأَنَا فِي ظِلٍّ بَارِدٍ وَمَاءٍ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ ، فِي مَالِي مُقِيمٌ ؟ مَا هَذَا بِالنَّصَفِ . ثُمَّ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَيِّئَا لِي زَادًا . فَفَعَلَتَا . ثُمَّ قَدَّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ . ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى أَدْرَكَهُ بِتَبُوكَ حِينَ نَزَلَهَا . وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ فِي الطَّرِيقِ فَتَرَافَقَا ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ تَبُوكَ ، قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرٍ : إِنَّ لِي ذَنْبًا ، تَخَلَّفْ عَنِّي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَفَعَلَ . فَسَارَ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ " فَقَالُوا : هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ ، فَأَقْبَلَ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ : " أَوْلَى لَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ " . ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ ، فَقَالَ لَهُ خَيْرًا .

وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ . وَقَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ . فَذَكَرَا نَحْوًا مِنْ سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ .

وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : [ ص: 238 ] ( اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ( 117 ) ) [ التَّوْبَةِ ] قَالَ : خَرَجُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ ، وَخَرَجُوا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ ، فَأَصَابَهُمْ يَوْمًا عَطَشٌ حَتَّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ إِبِلَهُمْ لِيَعْصِرُوا أَكْرَاشَهَا وَيَشْرَبُوا مَاءَهَا .

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ ، فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ ، حَتَّى هَمَّ أَحَدُهُمْ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ . . الْحَدِيثَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ; شَكَّ الْأَعْمَشُ ; قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسُ مَجَاعَةً ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَنْحَرُ نَوَاضِحَنَا ، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا . فَقَالَ : " أَفْعَلُ " فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ ، وَلَكِنِ ادْعُ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ، وَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ . فَقَالَ : نَعَمْ . فَدَعَا بِنَطْعٍ فَبَسَطَهُ ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ . فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِكَفِّ ذُرَةٍ ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَسْرَةٍ ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النَّطْعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ . حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ ، وَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ; لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَدِّثْنَا مِنْ شَأْنِ الْعُسْرَةِ . فَقَالَ : خَرَجْنَا إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ ، حَتَّى إِنْ كَانَ [ ص: 239 ] الرَّجُلُ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الرَّجُلَ ، فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ ، حَتَّى أَنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَنْحِرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا فَادْعُ اللَّهَ لَنَا . قَالَ : " أَتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ . فَرَفَعَ يَدَيْهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتِ السَّمَاءُ فَأَظَلَّتْ ثُمَّ سَكَبَتْ ، فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ . ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَازَتِ الْعَسْكَرَ . حَدِيثٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ .

وَقَالَ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : " لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ، لَا يُصِيبُكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ " ; يَعْنِي أَصْحَابَ الْحِجْرِ .

وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِجْرَ ، أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا ، وَلَا يَسْقُوا مِنْهَا . فَقَالُوا : قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا . فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ . أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ . وَلِمُسْلِمٍ مِثْلُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا .

وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِجْرَ ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ . فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُهَرِيقُوا الْمَاءَ ، وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي [ ص: 240 ] كَانَتِ النَّاقَةُ تَرِدُهُ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .

وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ تَبُوكَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ . قَالَ : فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ دَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ ، فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ . قَالَ : فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا رَجُلَانِ ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ . فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا ؟ " قَالَا : نَعَمْ . فَسَبَّهُمَا ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ . ثُمَّ غَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا ، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَجْهَهُ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا . فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ ، فَاسْتَقَى النَّاسُ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُوشِكُ يَا مُعَاذُ ، إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ ، أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .

وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَتَيْنَا وَادِي الْقُرَى ، عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْرُصُوهَا . فَخَرَصْنَاهَا وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ ، وَقَالَ : احْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ " فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى [ ص: 241 ] أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّءٍ . وَجَاءَ ابْنُ الْعَلْمَاءِ صَاحِبُ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا . ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِي الْقُرَى ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا ، فَقَالَتْ : بَلَغَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ . فَقَالَ : " إِنِّي مُسْرِعٌ . فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ " فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ . فَقَالَ : " هَذِهِ طَابَةٌ ، وَهَذَا أُحُدٌ ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَطْوَلَ مِنْهُ ; وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوَهُ .


تجربة