أعلام المسلمين

غزوة ذي قرد

نبذة


شارك عبر

نبذة عن الشخصية

[ ص: 5 ] سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ

قَالَ الْبَكَّائِيُّ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ ، وَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى إِلَى بَنِي لِحْيَانِ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ : خَبِيبُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ لِيُصِيبَ مِنَ الْقَوْمِ غِرَّةً ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حُذِّرُوا وَتَمَنَّعُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ ، فَقَالَ : لَوْ أَنَّا هَبَطْنَا عُسْفَانَ لَرَأَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّا قَدْ جِئْنَا مَكَّةَ . فَهَبَطَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ عُسْفَانَ . ثُمَّ بَعَثَ فَارِسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَلَغَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ ، ثُمَّ كَرَّا . وَرَاحَ قَافِلًا .

( غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ )

ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ ، فَأَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي خَيْلٍ مِنْ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَابَةِ وَفِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَامْرَأَةٌ ، فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَاحْتَمَلُوا الْمَرْأَةَ فِي اللَّقَاحِ .

وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ نَذِرَ بِهِمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، غَدَا يُرِيدُ الْغَابَةَ وَمَعَهُ غُلَامٌ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَهُ فَرَسُهُ ، حَتَّى إِذَا عَلَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ نَظَرَ إِلَى [ ص: 6 ] بَعْضِ خُيُولِهِمْ فَأَشْرَفَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ سَلْعٍ ، ثُمَّ صَرَخَ : وَاصَبَاحَاهْ ، ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ فِي آثَارِ الْقَوْمِ ، وَكَانَ مِثْلَ السَّبْعِ حَتَّى لَحِقَ بِالْقَوْمِ . وَجَعَلَ يَرُدُّهُمْ بِنَبْلِهِ ، فَإِذَا وُجِّهَتِ الْخَيْلُ نَحْوَهُ هَرَبَ ثُمَّ عَارَضَهُمْ فَإِذَا أَمْكَنَهُ الرَّمْيُ رَمَى . وَبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَصَرَخَ بِالْمَدِينَةِ : الْفَزَعَ الْفَزَعَ . فَتَرَامَتِ الْخُيُولُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمِقْدَادُ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ وَغَيْرُهُمْ . فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ ، ثُمَّ قَالَ : اخْرُجْ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ حَتَّى أَلْحَقَكَ بِالنَّاسِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي لِأَبِي عَيَّاشٍ : لَوْ أَعْطَيْتَ فَرَسَكَ رَجُلًا أَفْرَسَ مِنْكَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَفْرَسُ النَّاسِ . وَضَرَبْتُ الْفَرَسَ فَوَاللَّهِ مَا مَشَى بِي إِلَّا خَمْسِينَ ذِرَاعًا حَتَّى طَرَحَنِي فَعَجِبْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ أَعْطَيْتَهُ أَفْرَسَ مِنْكَ وَجَوَابِي لَهُ . 50 وَلَمْ يَكُنْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَوْمَئِذٍ فَارِسًا ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَ الْقَوْمَ عَلَى رِجْلَيْهِ . وَتَلَاحَقَ الْفُرْسَانُ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ ، فَأَوَّلُ مَنْ أَدْرَكَهُمْ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ الْأَسَدِيُّ ، فَأَدْرَكَهُمْ وَوَقَفَ لَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ قَالَ : قِفُوا يَا مَعْشَرَ بَنِي اللَّكِيعَةِ حَتَّى يَلْحَقَ بِكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُ .

قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ : وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَّاصُ بْنُ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيُّ .

وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ مُجَزِّزًا إِنَّمَا كَانَ عَلَى فَرَسِ عُكَّاشَةَ يُقَالُ لَهُ [ ص: 7 ] الْجَنَاحُ ، فَقُتِلَ مُجَزِّزٌ وَاسْتُلِبَ الْجَنَاحُ ، وَلَمَّا تَلَاحَقَتِ الْخَيْلُ قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ ابْنُ رِبْعِيٍّ . حَبِيبَ بْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، وَغَشَّاهُ بِبُرْدِهِ ، ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّاسِ . وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَرْجَعُوا وَقَالُوا : قُتِلَ أَبُو قَتَادَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَةَ وَلَكِنَّهُ قَتِيلٌ لِأَبِي قَتَادَةَ وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ لِتَعْرِفُوا أَنَّهُ صَاحِبُهُ .

وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَوْبَارًا وَابْنَهُ عَمْرَو بْنَ أَوْبَارٍ ، كِلَاهُمَا عَلَى بَعِيرٍ ، فَانْتَظَمَهُمَا بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا ، وَاسْتَنْقَذُوا بَعْضَ اللَّقَاحِ .

وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَ بِالْجَبَلِ مِنْ ذِي قَرَدٍ ، وَتَلَاحَقَ النَّاسُ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً . وَقَالَ سَلَمَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ سَرَّحْتَنِي فِي مِائَةِ رَجُلٍ لَاسْتَنْقَذْتُ بَقِيَّةَ السَّرْحِ وَأَخَذْتُ بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي : إِنَّهُمُ الْآنَ لَيُغْبَقُونَ فِي غَطَفَانَ . فَقَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ ، فِي كُلِّ مِائَةِ رَجُلٍ ، جَزُورًا . وَأَقَامُوا عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ .

قَالَ : وَانْفَلَتَتِ امْرَأَةُ الْغِفَارِيِّ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ ، وَقَالَتْ : إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ أَنْ أَنْحَرَهَا إِنْ نَجَّانِي اللَّهُ عَلَيْهَا قَالَ : فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا أَنْ حَمَلَكِ اللَّهُ عَلَيْهَا وَنَجَّاكِ بِهَا ثُمَّ تَنْحَرِينَهَا ، إِنَّهُ لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ إِنَّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إِبِلِي ، ارْجِعِي عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ قُلْتُ : هَذِهِ الْغَزْوَةُ تُسَمَّى غَزْوَةُ الْغَابَةِ ، وَتُسَمَّى غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ .

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ : أَنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ . وَأَخْرَجَ [ ص: 8 ] مُسْلِمٌ أَنَّهَا كَانَتْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ .

قَالَ أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ زَمَنَ الْحُدَيْبَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَبَاحٌ غُلَامُ النَّبِيِّ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَرَجْتُ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُنَدِّيَهُ مَعَ الْإِبِلِ . فَلَمَّا كَانَ بِغَلَسٍ ، أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَتَلَ رَاعِيَهَا وَخَرَجَ يَطْرِدُهَا هُوَ وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِي خَيْلٍ . فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ اقْعُدْ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فَأَلْحِقْهُ بِطَلْحَةَ وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ الْخَبَرَ . وَقُمْتُ عَلَى تَلٍّ فَجَعَلْتُ وَجْهِي مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : يَا صَبَاحَاهْ . ثُمَّ اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ مَعِي سَيْفِي وَنَبْلِي ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ وَذَلِكَ حِينَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ جَلَسْتُ لَهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَمَيْتُ ، فَلَا يُقْبِلُ عَلَيَّ فَارِسٌ إِلَّا عَقَرْتُ بِهِ . فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ :


أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ

فَأَلْحَقُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَرْمِيهِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَةِ رَحْلِهِ ، فَيَقَعُ سَهْمِي فِي الرَّحْلِ حَتَّى انْتَظَمَتْ كَتِفُهُ ، فَقُلْتُ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ .

وَكُنْتُ إِذَا تَضَايَقَتِ الثَّنَايَا عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَرَدَأْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ شَأْنِي وَشَأْنُهُمْ أَتْبَعُهُمْ فَأَرْتَجِزُ ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ سَرَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَائِي وَاسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ . ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا ، وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ حِجَارَةً وَجَمَعْتُهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا مُدَّ الضَّحَاءُ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ مَدَدًا لَهُمْ ، وَهُمْ فِي [ ص: 9 ] ثَنِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ . ثُمَّ عَلَوْتُ الْجَبَلَ ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَى ؟ قَالُوا لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ ، مَا فَارَقَنَا بِسَحَرٍ حَتَّى الْآنَ ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ فِي أَيْدِينَا وَجَعْلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ . فَقَالَ عُيَيْنَةُ : لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ مَدَدًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ ، لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ . فَقَامَ إِلَيَّ أَرْبَعَةٌ فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ . فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ قُلْتُ : أَتَعْرِفُونِّي ؟ قَالُوا : وَمَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكُنِي وَلَا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتُنِي .

قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : إِنِّي أَظُنُّ ; يَعْنِي كَمَا قَالَ . فَمَا بَرِحْتُ مَقْعَدِي ذَلِكَ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ، وَإِذَا أَوَّلُهُمُ الْأَخْرَمُ الْأَسْدِيُّ ، وَعَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ ، فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ . فَأَنْزِلُ مِنَ الْجَبَلِ فَأَعْتَرِضُ الْأَخْرَمَ فَآخُذُ عِنَانَ فَرَسِهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَخْرَمُ انْذَرِ الْقَوْمَ ؛ يَعْنِي احْذَرْهُمْ ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يُقَطِّعُوكَ ، فَاتَّئِدْ حَتَّى يَلْحَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ . فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ ، قَالَ : فَخَلَّيْتُ عِنَانَ فَرَسِهِ فَيَلْحَقُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَطَعْنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ . وَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ فَيَلْحَقُ أَبُو قَتَادَةَ بِهِ ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ ، فَعَقَرَ بِأَبِي قَتَادَةَ ، وَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ . ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ أَعْدُو فِي أَثَرِ الْقَوْمِ حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ أَصْحَابِي شَيْئًا وَيَعْرِضُونَ قَبْلَ الْمَغِيبِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ ذُو قَرَدٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهُ ، فَأَبْصَرُونِي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ ، فَعَطَفُوا عَنْهُ وَأَسْنَدُوا فِي الثَّنِيَّةِ ، ثَنِيَّةِ ذِي تيرٍ ، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ ، [ ص: 10 ] فَأَلْحَقُ رَجُلًا فَأَرْمِيهِ فَقُلْتُ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ . قَالَ فَقَالَ : يَا ثَكْلَ أُمِّي ، أَكْوَعِيُّ بُكْرَةً ؟ قُلْتُ : نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ ، وَكَانَ الَّذِي رَمَيْتُهُ بُكْرَةً ، فَأَتْبَعْتُهُ سَهْمًا آخَرَ فَعَلِقَ بِهِ سَهْمَانِ . وَيُخَلِّفُونَ فَرَسَيْنِ فَجَبَذْتُهُمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي جَلَيْتُهُمْ عَنْهُ ذُو قَرَدٍ ; فَإِذَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمْسِ مِائَةٍ ، وَإِذَا بِلَالٌ قَدْ نَحَرَ جَزُورًا مِمَّا خَلَّفْتُ ، فَهُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنْ أَصْحَابِكَ مِائَةً وَاحِدَةً فَآخُذُ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْعَشْوَةِ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ . قَالَ : أَكُنْتَ فَاعِلًا يَا سَلَمَةُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ؛ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُمْ يُقْرَوْنَ الْآنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ : مَرُّوا عَلَى فُلَانٍ الْغَطَفَانِيِّ فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا ، فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشُطُونَ جِلْدَهَا رَأَوْا غَبَرَةً ، فَتَرَكُوهَا وَخَرَجُوا هُرَّابًا .

فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ . وَأَعْطَانِي سَهْمَ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ جَمِيعًا . ثُمَّ أَرْدَفَنِي وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ .

فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا قَرِيبًا مِنْ ضَحْوَةٍ ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ لَا يُسْبَقُ فَجَعَلَ يُنَادِي : هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ ؟ وَكَرَّرَ ذَلِكَ . فَقُلْتُ لَهُ : أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي خَلِّنِي فَلَأُسَابِقُهُ . قَالَ : إِنْ شِئْتَ . قُلْتُ : اذْهَبْ إِلَيْكَ . فَطَفَرَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ، وَثَنَيْتُ رِجْلِي فَطَفَرْتُ عَنِ النَّاقَةِ . ثُمَّ إِنِّي رَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ; يَعْنِي اسْتَبْقَيْتُ نَفْسِي ، ثُمَّ إِنِّي عَدَوْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ فَأَصُكَّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِيَدِي . قُلْتُ : سَبَقْتُكُ وَاللَّهِ . فَضَحِكَ وَقَالَ : [ ص: 11 ] إِنْ أَظُنُّ حَتَّى قَدِمْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ .

أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ شَيْخٍ ، عَنْ هَاشِمٍ .

قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْحَرَّانَيِّ بِمِصْرَ ، وَعَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيِّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، وَعَلَى أَبِي سَعِيدٍ سُنْقُرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِحَلَبَ ، وَعَلَى أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَقْدِسِيِّ بِقَاسِيُونَ ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَقِيهُ ، وَأَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ مَحَاسِنٍ ، وَعُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَدِيبُ ، قَالُوا : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ رُوزْبَةَ .

( ح ) وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ الْيُونِينِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ الْعَبَّاسِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَقِيهِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ بَقَاءٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُزَيْزٍ ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ : أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ الزُّبَيْدِيِّ ; قَالَا : أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ السِّجْزِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَمَوَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، قَالَ : خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قُلْتُ : وَيْحَكَ مَا بِكَ ؟ قَالَ : أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : مَنْ أَخَذَهَا ؟ قَالَ : غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرْخَاتٍ أَسْمَعَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا : يَا صَبَاحَاهُ ، يَا صَبَاحَاهُ . ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ وَقَدْ أَخَذُوهَا ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ :


أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ     وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ

فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا . فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا ، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ [ ص: 12 ] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ ، وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سُقْيَهُمْ ، فَابْعَثْ فِي أَثَرِهِمْ . فَقَالَ : يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ ، إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ .


تجربة