يا ليت قادتنا.. مماليك!!

  • كتبه: باسم البابلي
  • شـوهــد: 21
مدة قراءة الترجمة : 5 دقائق .

يا ليت قادتنا.
.

مماليك!

 

في أطروحة الدكتوراه، وفي مجريات التحضير لعصرٍ امتلأ بالعلم والمعرفة، كان لا بد لي من السفر في صفحات التاريخ؛ لأفهم التناقض بين الثقافة الموروثة عن هذا العصر، والآثار الحضارية العظيمة التي خلَّفها، متميزًا عن غيره من العصور.

 

خاصة وأنا في طرابلس لبنان، بل طرابلس طينال، وقلاوون، والظاهر بيبرس، وكثير من المجاهدين.

 

ووجدت العجب العجاب.

 

قادتنا على مدار ثلاثة قرون تقريبًا لم يكونوا عربًا، وبيت الحكم خلا من عروبة الزعامة.

 

كانوا عجمًا أو برابرة، تفشَّى بين أولئك الأعاجم صراع الاستقرار، والسيطرة، والبقاء.

 

ولكن الغريب في ذلك أنه لم يؤثِّر على الحركة العلمية، والإنتاج الحضاري.

 

فمن المعروف أن أي مكان في العالم إذا ساده النزاع والقتل، ترحَّل منه بيوت العلم، ومناراته؛ فالعلم والاستقرار قرينان لا يفترقان.

 

ولذا كان من عادة أعداء الأمة نشر القلاقل، والاضطرابات بين الفَيْنة والأخرى، ليس رغبةً في نصر أو إلحاقٍ لهزيمة، بقدر ما يريدون نشر الفوضى الخلّاقة، وخلق الفوضى البرّاقة.

 

المهم، اخترقتُ النجوم الزاهرة، والدرر الكامنة، وأعيان العصر، والتفتُّ إلى أهل الأندلس، والمغرب الأقصى، فأعادوني إلى بغداد العراق في ديوان الإسلام، وأوصلوني إلى خوارزم قبل تحركات جنكيز خان المدمرة.

 

ووصلت بعدها في طبقات الشافعية، والحنابلة، والمالكية إلى القاهرة؛ حيث تربيةُ المماليك على مناهج، ليت أبناءنا يُنَشَّؤون عليها الآن.

 

واجتُثَّت الفاطمية في قاهرة المعزّ، وبَقِيت تربية المماليك على نفس المنهج: القرآن، والفقه، والسلوك، ثم العسكرية على مراحل، وبدون واسطة؛ حتى تستقر الشخوص في مسؤولياتها بحق.

 

كان المؤدِّب شيخًا جليلاً في نفوس هؤلاء.

 

كان المؤدِّب يحاسب على الصغيرة والكبيرة، ويعاقب مَن يحتاجون إلى تأديب.

 

بعدها جاءت شجرة الدر سلطانة، لم تتمكن من المكوث أكثر من ثمانين يومًا، عز فيها سلطان الإسلام، وهَلَك لويس وجنوده في المنصورة.

 

وحكم الجنس الأبيض بلاد المسلمين، واستطاعوا بزاد الدين وحماية العلماء من قهر التتار ودحرهم، وإدخال كثير منهم في الإسلام.

 

استقر الحكم للمماليك، وعلا صوت السُنَّة من جديد.

 

النتيجة:

كان السلطان المملوكي يقطع الرقاب معاقبًا، وكان يجلد العُصاة، وكان يعتقل ويسجن المارقين والمتآمرين.

 

وكان - رغم كل ذلك - يطأطئ رأسه عند الشيخ المؤدِّب، وينتظر منه التوجيه، والتأنيب، والتأديب.

 

كان يبني المدارس والمستشفيات، ويشارك الناس دروس العلم، بل ويؤلِّف، ويُفتِي، ويحاور، وينْظم الشعر، ويشيد المساجد والصوامع.

 

كان المماليك أحرصَ الناس على نشر المدارس، ورفع قيمة العلماء، والإعلاء من مقامهم.

 

كان العلماء لهم هيبة، كانوا أجلّاء.

 

كان كل الناس يخافون المماليك، وهم لم يكونوا يخشون إلا العلماء الأتقياء.

 

•    •     •

ذكَّرني هذا بحديث دار بيني وبين صديقي حول علماء اليوم، وأردنا تصغير مساحة الحكم على الأشياء؛ حتى لا يخرج كلامنا عن سياقه.

 

فدخلنا الجامعات، ومن فيها من الأساتذة الكبار، وكيف يتعامل معهم أهل السلطان والمال.

 

عندنا في الجامعة في غزة إذا بلغ الأستاذ الكِبَر، والمقام، والعلم، والدرجة، كان يعفى من تكليفات التلامذة ممن صغروا سنًّا وقدرًا، وعلَوا همّة ونشاطًا.

 

عندنا تخفَّف عنه الأعباء؛ ليتفرغ لعظام الأمور، وتفريغ تجربته الزمانية في صفحات التأليف والنشر.

 

كان عيبًا عندنا أن نرى أستاذًا من أساتذتنا يتحرك بين طلاب "البكالوريوس" يبحث فيهم عمن يغش في الامتحان، أو يتلصَّص على ورقة طالب مثله.

 

ووصلني خبر أستاذي - بل قل شيخي- في هذا الزمان، وآه على ذا الزمان!

 

وعذرًا أستاذنا إن رأيناك في هذا المقام، ونعتذر منك؛ لأن القوانين لا تسمح لنا أن نكون بدلاً عنك، لكي نحملك عن ظهر البسيطة بأكف رؤوسنا، ونعمل عنك ما لا يَلِيق بقدرك.

 

ونعتذر منك لأنك زمَّار حي، وإن كنت - والله - تطربنا.

 

عذرًا أستاذنا، أقصد شيخنا.

فلسنا في عصر المماليك!