ذكرى الهجرتين تبشر بالقضاء على المفسدين في الأقصى مرتين

  • كتبه: د. يونس الأسطل
  • شـوهــد: 10
مدة قراءة الترجمة : 9 دقائق .

في رحاب آية

(ذكرى الهجرتين تُبَشِّر بالقضاء على المفسدين في الأقصى مَرَّتَيْن)


﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ[القصص: 5-6].

 

في مستهل العام الهجري تمرُّ بنا ذكرى هجرة سيدنا موسى عليه السلام، كما نتذكر أطياف هجرة السابقين الأولين من المؤمنين، ثم لَحِقَ بهم خاتم النبيين في ربيع الأول، غير أن الأُولى كانت من مصرَ تلقاء فلسطين، والثانية من المسجد الحرام إلى الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، والقاسم بينهما أنهما كانتا انتقالاً بالمؤمنين من الاستضعاف إلى الاستخلاف، ومن الدعوة إلى الدولة، ومن الخوف أن يتخطفهم الناس، إلى الإيواء، والتأييد بالنصر، والرزق من الثمرات؛ لعلهم يشكرون.

 

أما سيدنا موسى عليه السلام فقد أَوْحَى إليه ربُّه ليلة عاشوراء أن أَسْرِ بعبادي، فاضربْ لهم طريقاً في البحر يَبَسَاً، لا تخاف دَرَكاً ولا تخشى، فلما تفطَّن فرعون لخروجهم أرسل في المدائن حاشرين؛ إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون، وقد استمرتِ الملاحقة، والحواجز الطارئة طيلة الليل، حتى إذا تَنَفَّسَ الصبح، وأشرقت الشمس، تراءى الجمعان، فقال أصحاب موسى: إنا لَمُدْرَكون، فأين المفرُّ؟، البحر من أمامهم، والعدوُّ من ورائهم، وقد ضافت فسحة الزمان والمكان؛ وخلال دقائق معدودات يصل فرعون وجنوده، ويقبضون عليهم، فقد أراد أن يستفزَّهم من الأرض، لكنَّ الله عز وجل كان يستدرج الفراعنة من حيث لا يعملون ؛فإن المكر السيِّئ لا يحيق إلا بأهله، لذلك فقد أجاب الكليم قومه: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ[الشعراء: 62].

 

إنه ما كاد سيدنا موسى يضرب بعصاه البحر حتى انفلق، فكان كلُّ فَرِقٍ كالطَّوْدِ العظيم، وقد أتبعهم فرعون وجنوده بَغْياً وعَدْواً، حتى إذا جاوزه بنو إسرائيل إذا بالبحر بعود سيرتَه الأولى، فأغرق الله عز وجل آل فرعون والمؤمنون ينظرون، وقد وَدَّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين؛ إذْ إنه يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفساً إيمانُها، لم تكن آمنتْ من قبلُ، أو كسبتْ في إيمانها خيراً، ولو كانوا يعقلون لأدركوا بآية فَلْقِ البحر، وجَعْلِ الطريق يَبَساً، وتماسك الماء على صورة الجبال، أنهم أمام جبروت اللهِ مولى الذين آمنوا، ولكنْ نحن أمام شرذمةٍ لا يسمعون ولا يعقلون، فهم كالأنعام؛ بل هم أضلًّ سبيلا، وقد أراهم من قبلُ تسعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وما نريهم من آيةٍ إلا هي أكبر من أختها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً، ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً.

 

إن المطلوب من بني إسرائيل وقد أنجاهم الله من عدوهم، وواعدهم جانب الطور الأيمن، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، أن يشكروا نعمة ربهم، وأن يدخلوا الأرض المقدسة فاتحين، وألَّا يخافوا ولا يحزنوا أن فيها قوماً جَبَّارين، فما عليهم إلا أن يدخلوا عليهم الباب، فإذا دخلوه فإنهم غالبون، وَلْيتوكلوا على الله إن كانوا مؤمنين.

 

لكنَّ بني إسرائيل قد أخذهم الوَهْنُ والضَّعف، وأََبَوْا أن يقاتلوا، فجعلها الله جل وعلا مُحَرَّمةً عليهم أربعين سنة، ثم دخلوها فاتحين، فأورث الله القوم الذين كانوا يُسْتَضْعفون مشارق الأرض، ومغاربها التي باركنا فيها، وتَمَّتْ كلمة ربِّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا، ودمَّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون.

 

إن الكلمة الحسنى هنا هي مضمون آية المقال، فقد بَشَّرتْ بأن بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون، فَقَتَّلَ أبناءهم، واستحيى نساءهم، قد تأذنَّ ربُّك ليجعلنَّهم أئمةً، وليجعلنَّهم الوارثين لمثل ملك الفراعنة، ولكنْ في فلسطين، وليمكنَّن لهم في الأرض، وَلَيُرِيَنَّ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.

 

وقد مَنَّ الله على المستضعفين في القريةِ الظالم أهلُها، تلك التي كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغداً من كلِّ مكان، ويُجْبَى إليها ثمرات كلِّ شيئٍ، فكفرت بأنعم الله، وعصت رسوله، واتبعت أمر كلِّ جبارٍ عنيد، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وأخذهم العذاب، وهم ظالمون، ذلك أن هجرة الصحابة إلى المدينة قد مَكَّنتهم، من ملاحقة قوافل قريش، وقتل رجالها واغتنام أموالها، فقد مَنَّ الله تبارك وتعالى بالهجرة على المؤمنين، فانتشلهم من الاستضعاف إلى الاستخلاف، فلطالما دعا نبينا عليه الصلاة والسلام ربَّه ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً[الإسراء: 80] ذلك أنهم كادوا يَسْتَفِزُّونه من الأرض ليخرجوه منها بالقتل، فلما أخرجوه بالمطاردة لم يلبثوا خلافه إلا قليلاً؛ حيث استدرجهم ربهم إلى ساحة، بدر، وأوقعهم في القتل والأسر، وأخذهم بالبطشة الكبرى، ومضتْ فيهم سنة الأولين، فكان مَثَلُهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم، فأخذهم الله بذنوبهم، إن الله قوي شديد العقاب.

 

وقد كان الفرق كبيراً بين الجيل الأول من المؤمنين مع سيدنا موسى، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فالأولون قالوا: اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا؛ إنا ههنا قاعدون، والآخرون قالوا: اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا؛ إنا معكما مقاتلون، فاختصروا بذلك أربعين سنةً عوقِبَ بها ذلك الجيل من بني إسرائيل، يتيهون في الأرض، وخلال تلك الأربعين كان عهد الخلفاء الراشدين، ومع نهايتها كان تنازل الحسن بن علي لمعاوية بن أبي سفيان، عن الخلافة، وأصلح الله جلَّ وعلا بذلك بين المؤمنين، والْتأمَ الشمل، وفيها كانت الفتوحات التي أطاحت بالروم وفارس، وأخضعت كثيراً من الممالك لسلطان الدين، وسيادة الشريعة، رحمةً من الله بالعالمين.

 

إن الحديث عن الهجرة حديث عن الانتصار الكبير من وجوه عديدة، وفي مقدمتها الاستعداد للتضحية بكلِّ شيءٍ ابتغاء رضوان الله، ونصرةً لله ورسوله، فلقد غادر الصحابة الأهل والأوطان، وتركوا النساء والبنين، وضَحَّوْا بالأموال والتجارات، ولم يخافوا في الله لومة لائم، وكان الله ورسوله، والجهاد في سبيله، أحبَّ إليهم من الآباء والأبناء، والإخوان والأزواج والعشيرة، وأموالٍ اقترفوها، وتجارةٍٍ يخشون كسادها، ومساكن يرضونها، فكان أن آواهم بالهجرة، وأيدهم بنصره في بدر، ورزقهم من الطيبات بالغنائم؛ لعلهم يشكرون.

 

ولقد تمت بذلك كلمة ربنا الحسنى علينا بما صبرنا، وأورثنا الجزيرة أولاً، من قبل أن يورثنا مشارق الأرض ومغاربها التي بارك فيها، ومن قبل أن نهبط أرض فارس، وكنا قد روثنا ملك مصر بإسلام حاكمها المقوقس، فصارت الأنهار تجري من تحتنا.

 

ومن وجوه الانتصار كسر الحصار الذي أوشكتْ الدعوة معه أن تصل إلى طريق مسدود، أو أن تصاب بالشلل، حتى هيَّأ الله رجالاً من الأوس والخزرج؛ ليبايعوا على الإسلام في أول عام، ثم ليعاهدوا على النصرة والحرب في عامهم الثاني بين يدي الهجرة، وهذا يُعَدُّ انتصاراً سياسياً وعسكرياً في آنٍ واحدٍ، فقد آوَوْا ونصروا، وكانوا مع المهاجرين بعضهم أولياء بعض، وهم المؤمنون حقاً.

 

وهنا لابد من التساؤل عمَّا إذا كان باب الهجرة لا زال مفتوحاً بعد فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، وانضمامها إلى دار الإسلام؟

وقد أجاب النبي عليه الصلاة والسلام عنه فقال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكنْ جهادٌ ونية، وإذا اسْتُنْفِرتم فانفرواْ"، أيْ لا هجرة من مكة إلى المدينة، ولكن الهجرة باقية في الزحوف الجهادية، وفي الطائفة الذين ينفرون ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ لعلهم يحذرون، أو في الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، أو يتمون الحج والعمرة لله، أو يَصِلُون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب.

 

لذلك فإن صمودنا في وجه عدونا، بل أعدائنا الذين لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، إن هذا الصمود، وتلك المقاومة، هي الهجرة اليوم، فقد اسْتَنْفرنا، فَنَفَرْنا خفافا وثقالاً، وجاهدنا بأموالنا وأنفسنا في سبيل الله، ولن يطيق هذه الهجرة، إلا من هجر ما نهى الله عنه، فتحرر من رقِّ الشهوة، ومن عبودية الدينار والدرهم، أو القطيفة والخميصة، فلم يعد يخطر بباله غير الشهادة والجنة، ثم المغفرة والرضوان.

 

إننا بهذا اللون من الهجرة سنعثر على الأنصار، ونكسر الحصار، ونغدو من الأحرار، ولعلَّ التعاطف الشعبي العربي والإسلامي، وكذا التأييد الظاهر والباطن من المُقْسطين في العالم، هو الذي يبشِّر بحتمية النصر القريب، على فرعون وهامان وجنودهما، إنهم كانوا خاطئين.

 

والحمد لله رب العالمين