ضوء جديد على علاقة بلاد هكار بالدولة المصرية في عهد المماليك البحرية

  • كتبه: أ. د. عماد عبدالسلام رؤوف
  • شـوهــد: 7
مدة قراءة الترجمة : 29 دقائق .

ضوء جديد

على علاقة بلاد هكار بالدولة المصرية في عهد المماليك البحرية

 

مقدمة

يلقي هذا البحث ضوءًا جديدًا على علاقة أمير بلاد هكار، من البلاد الكُردية، بدولة المماليك البحرية في مصر، على عهد السلطان الأشرف خليل (وُلد في عام 666 هـ/1267 م - وتوفي في 12 محرم 693هـ / 31 كانون الأول 1293م (من خلال دراسة وثيقة انفرد بإيراد نصها المؤرخ المصري ابن عبدالظاهر.

 

والقاضي محيي الدين عبدالله بن رشيد الدين عبدالظاهر بن نَشوان الجُذامي السَّعدي الرَّوْحي المصري، مؤرخ كبير متقن من مؤرخي القرن السابع للهجرة، ولد في سنة 620هـ/1223م، وتلقى تعليمًا جيدًا، فمَهَر في الأدب، ودخل في سلك الوظائف الديوانية في دولة المماليك في زمن كل من الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل، فكان واحدًا من ثلاثة كتاب يتولون ما عُرف باسم (كُتّاب الدَّسْت) وهم المسؤولون عن قراءة ما يصل إلى الدولة من رسائل الملوك والأمراء في العالم، والرد عليها بأجوبة مناسبة يوجههم إليها السلطان نفسه، وقال القلقشندي أن ابن عبدالظاهر كان الأرفع درجة بين أولئك الكتاب، مما دلَّ على ذكائه وسعة ثقافته وحُسن تمكنه من الفنون الأدبية.

وحينما أنشأ السلطان المنصور قلاوون منصب (كاتب السِّر) عهد به إلى ابن عبدالظاهر[1]، وكان صاحب هذا المنصب أقرب من الوزير إلى السلطان نفسه، وأكثرهم اطلاعًا على شؤونه.

 

انصرف ابن عبدالظاهر إلى عمله هذا سنوات عمره، وكان - فضلًا عن ذلك - مُحبًّا للتاريخ، فكان يُسجِّل بدقة وقائع عصره، مستفيدًا مما يُتيحه له منصبه من اطلاع مباشر على وثائق الدولة ومراسلاتها.

حتى وفاته في 3 رجب سنة 692هـ/15 تموز 1293، فدفن في تربة له أنشأها بالقرافة الصغرى في القاهرة[2].

 

للمؤرخ ابن عبدالظاهر كتب مهمة في التاريخ وفي خطط القاهرة، أفرد ثلاثة منها لتأريخ عهد سلاطين دولة المماليك في مصر وبلاد الشام، هي:

1- الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر.

تضمَّن سيرة السلطان الظاهر بيبرس (658-676هـ/1260-1277م)، نُشر في الرياض سنة 1976 بتحقيق الدكتور عبدالعزيز الخُوَيطر.

 

2- تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور.

تضمَّن سيرة المنصور قلاوون (678-689ھ/1279-1290م، وقد فقد الجزء الأول منه، والجزء الثاني تناول فيه المدة من 680 إلى 689هـ/1281-1290م، ونُشر في القاهرة سنة 1961 بتحقيق الدكتور مراد كامل.

 

3- الألطاف الخفيَّة من السيرة الشريفة السلطانية المَلَكيّة الأشرفية.

ويتضمن سيرة السلطان الأشرف خليل (666- 693هـ/1267- 1293م) فقد أكثره ووصلنا منه قسم من الجزء الثالث يشتمل على بقية من حوادث سنة 690هـ/1291م وحوادث محرم من السنة التالية، وأشار في آخره إلى جزءٍ رابع.

نسخة بخطِّه في مكتبة ميونيخ، ونشر المستشرق السويدي أكسل موبرج Moberg شطرًا منه في لايبسك سنة 1902، مع ترجمة إلى اللغة الأسوجية.

 

وتبرز أهمية كتاب الألطاف الخفية من وجوه عدة، أولها أنه قدّم تسجيلا تفصيليًا لأعمال السلطان الأشرف خليل، فتحدث عن علاقة السلطان الأشرف بالخليفة العباسي الحاكم بأمر الله، من خلال الخطب المتبادلة بين الرجلين، ومراسم التكريم التي حَظي بها الخليفة، وتكشف هذه الخطب عن دقائق العلاقة بين مؤسَّستي السلطنة والخلافة بعد انهيار الخلافة العباسية في بغداد وانتقال ممثليها إلى القاهرة لتكون رمزًا لوحدة العالم الاسلامي وشرعيته.

كما تناول في الفصول التالية علاقة السلطنة بمصر بملوك الأطراف وزعمائه وغيرهم، ومنهم أمير مكة الشريف نجم الدين أبي نُمَي، ومتملك النوبة، وجمهورية البندقية، وصاحب سيس، وغيرهم، وأخبارًا متفرقة عن تحركات السلطان الأشرف، وعنايته بالأسطول، ووقفه الأوقاف الكثيرة على ما أنشأه من مؤسسات خيرية ذات نفع عام.

 

وثاني أوجه أهمية الكتاب يتمثل في إدراج مؤلفه وثائق عصره كاملة، مما جعله يَرقى إلى مستوى الكتاب الوثائقي منه إلى مجرّد سَرْد شاهدٍ لحوادث العصر، ولا عَجَب في هذا، فابن عبدالظاهر كان كاتب ديوان الرسائل ومن ثم فإن أكثر الرسائل الصادرة عن هذا الديوان كانت من إنشائه هو، فضلا عن كونه مطلعًا على كل ما كان يرد إلى الديوان من رسائل.

وهذه النصوص انفرد بذكرها ابن عبدالظاهر.

 

ومن المؤسف أن المستشرق موبرج نشر القسم الأول الخاص بالحوادث من المخطوط ويشغل الأوراق 1-102، وأغفل - دونما مبرر- القسم الأخير وهو الذي يتضمن نصوص الوقفيات المطولة التي وقفها سلاطين المماليك في مصر وبلاد الشام[3].

ويشغل هذا القسم الأوراق 103-183.

 

والنسخة بخط نسخ جيد، مشكول الحروف، وفي كل صفحة سبعة سطور، وفي كل سطر نحو ثماني كلمات كبيرة، وتفصل بين الفقرات فوارز على شكل دوائر مزهرة.

وواضح أن النسخة خزائنية، ربما كانت نسخة السلطان الأشرف نفسه.

 

سفارة عبدالحميد الهكاري وقضية الفتوة:

ومن النصوص الفريدة التي ضمّها هذا الكتاب نص طويل يشغل الأوراق 92-99 من المخطوط، ويشتمل على أخبار سفارة قام بها من يُدعى الشيخ عبدالحميد مُوفدًا من زعيم بلاد الهكار الذي يدعى (علاء الدين الهكاري) إلى الأمير سَنجَر بن عبدالله الشجاعي الحلبي نائب السلطان الأشرف في دمشق[4]، وكان وصول عبدالحميد إلى دمشق في شهر ربيع الأول من سنة 691هـ/شباط 1292م.

 

وهو يحمل رسالة من علاء الدين الهكاري يطلب فيها من السلطان أن يأذن له في أن يُلبس أمراءه والقبائل وأهل جميع تلك الجبال لباس الفتوة.

وقد بعث نائب الشام بالرسالة إلى السلطان الأشرف في القاهرة، فأجاب الأخير بأن أمر بكتابة رسالة على لسانه رَحّب فيها بالطلب المذكور، وأثنى على صاحبه علاء الدين الهكاري ثناءً جميلًا، فحمل الرسول عبدالحميد هذه الرسالة إلى بلاده.

وهذا الخبر على أهميته سكتت عنه مصادر العصر تمامًا، فلا يبقى بين أيدينا إلاّ الوثيقة نفسها عسى أن تكشف عن الظروف التي أدت إلى هذه السفارة وطبيعة أهدافها.

 

 

فتح عكا:

إن طلب الأمير علاء الدين الهكاري يظهر متواضعًا فهو لا يزيد على أن يسمح له بحمل شارة الفتوة، وهي "سيف وطلعة وسنجق[5] وخاتم ومنديل"، وأن يلبسه السلطان لباس الفتوة، وهو "قميص ولباس وغير ذلك" إلا أن فحوى الأمر كان يعني الولاء الكامل للسلطان الأشرف بصفته الحامي للخليفة العباسي، فقد جرى التقليد منذ أن ركبت الدولة موجة التصوف في عهد الخليفة الناصر لدين الله العباسي أواخر القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد) أن يكون منح ملابس الفتوة لحكام الأطراف نوعًا من التعاقد الاخلاقي بين مؤسسة الخلافة، وبين أولئك الحكام، على أن يلتزموا بمُثل الاسلام العليا[6]، فهو لم يكن خضوعا سياسيا بقدر ما كان إعلانا روحيًا للولاء المطلق للخلافة الإسلامية وبذل النفس في سبيلها.

وإذا كان الناصر قد وظف الفتوة لتكون في خدمة الخلافة، وداعمة لها ضد الأخطار المختلفة التي كانت تحيق بها، فإن هذه الوظيفة استمرت في العهود التالية، وبانتقال الخلافة إلى مصر، أصبحت مرجعية أولئك الحكام هي السلطان المملوكي بصفته الجديدة ممثلًا للخليفة من جهة، والحاكم الفعلي والمدافع عن دار الإسلام تجاه التحديات الخارجية، ومن هنا تأتي خطورة الطلب الذي تقدم به الأمير الهكاري إلى السلطان الأشرف.

 

بلاد هكار:

وبلاد هكار في العصر الذي أرسلت فيه هذه السفارة تشمل رقعة واسعة تمتد من بلاد أذربيجان ايران شرقًا وولاية وان شمالاً، ومنطقة جزيرة ابن عمر (بوتان) من الغرب وولاية الموصل جنوبًا، على أن معظم القسم الجنوبي منها سيعرف في الحقبة القريبة اللاحقة باسم جديد هو (بهدينان) نسبة إلى الأمراء من آل بهاء الدين الذي اتخذوا من العمادية عاصمة لإمارتهم[7].

 

مدينة العمادية

 

ويمكن أن نلاحظ هنا أن المبادرة إلى إلحاق جبال الهكار بالتبعية الروحية للسلطان المملوكي جاءت من الأمير علاء الدين الهكاري، وليست من السلطان، وأن دور الأخير اقتصر على الاستجابة للطلب وإن جاء الأمر كله في صالح الدولة المصرية التي كانت تخوض كفاحًا في اتجاهين معًا، أولهما تحرير بلاد الشام من بقايا الوجود الصليبي في أراضيها، وثانيهما درء الخطر المغولي عن بلاد الشام ومحاولة تدعيم تخومها الشرقية من احتمال أي ٍ مُقبلٍ يُنذِر بتعرّضها إلى خطر جديد.

ومن هنا فإن دخول مصر في تحالف مع أمراء كردستان كان يأتي في سياق تعزيز تحالفاتها في هذا الاتجاه بالذات.

أما بالنسبة للجانب الكردي، ممثلا بأمير بلاد هكار، فإن تحالفه مع مصر المملوكية الصاعدة يعني الحصول على دعم دولة قوية قريبة من بلادهم، ذات تحالفات واسعة في المنطقة، وهو ما يمكن أن يفيدهم في وجه الأخطار التي كانت تحيط بهم، لا سيما خطر الدولة المغولية الإيلخانية التي كانت ما تزال تحكم الموصل وأطرافها وهي مناطق قريبة من بلادها.

 

خارطة توضح توسع دولة المماليك البحرية


وكانت مصر قد بلغت ذروة قوتها حينما نجحت جيوشها، قبل مدة قصيرة من هذا التاريخ، في تحقيق انتصارات باهرة على القوى الصليبية في بلاد الشام، أهمها فتح مدينة عكا، في 17 جمادى الأولى سنة 690هـ/ 18 مايو/أيار 1291م بعد حصار مرير دام نحو أربعين يومًا، واستخدمت فيه كل أسلحة حصار المدن المعروفة في ذلك العصر، ثم مضت لتفتح صُور وصَيدا وبيروت وقلعة الروم وبيسان وعَكار وعَتْليت وحَيفا وجُبَيل والبترون والصَّرْفند وسائر مدن الساحل السوري الواحدة تلو الأخرى.

 

علاء الدين الهكاري:

وتسكت المصادر عن تعيين هوية علاء الدين الهَكاري إلاّ أن مُجرَّد كتابة السلطان المصري له بالخطبة التي سنورد نصها كاملًا بما تضمنته من عبارات التوقير والاحترام يدل على أهميته في بلاده، فهو يبتدئ خطبته بالتحميد، وقد جرت عادة كتاب الإنشاء أن "التحميد في أوائل الكتب لا يكون إلا في الكتب الصادرة عن السلطان"[8]، وهو لا يخاطبه باسمه، وإنما بعبارة "المجلس السامي"، واستعمال لفظ المجلس تقليد في مكاتبة الملوك كان لا يخاطب به في العصر الأيوبي، إلا السلاطين، ثم خوطب به غيرهم "من ذوي الأقدار"[9]، وإضافة لفظ (السامي) اختص به (صاحب قلعة العمادية) وعدد من الأمراء الكرد[10]، ثم هو يُضفي عليه ألقابًا مُفخمّة ذات دلالات عسكرية، فيصفه بـ "الأمير الأجل الكبير" وبلقب " الاسْفهْسَلار"، وهو لفظ فارسي وضَّح معناه القلقشندي بقوله "معناه مُقدَّم العسكر، وهي وظيفة من وظائف أرباب السيوف وعامة الجند، وصاحبها زِمام كل زمام، وإليه أمر الأجناد، وهي كلمة أعجمية معناها قائد الجيش"[11].
ويثني على شجاعته فيقول أنه "المُقدّم المقدام، البطل الضرغام"، وبعد أن يذكر كُنيته "علاء الدين" يعود إلى الى الثناء عليه، فيصفه بأنه "مجد الإسلام، شمس الأنام"، ويشيد بزعامته القوية للقبائل في منطقته فيقول أنه "شرَف القبائل والعشائر"، وبإنجازاته الكبيرة الواضحة بقوله "ذو المفاخر والمآثر"، ولقبه بـ"أمير الفِتيان"، في إشارة إلى أنه يتزعَّم نظام الفتوة في بلاده، وهو نظام له أبعاد أخلاقية - عسكرية، ووصفه بأنه "مُمِير الإخوان والأعوان"، يدل على توليه مهمة تمويل ذلك النظام والانفاق على حلفائه، وقوله أنه "ذخر الملوك والسلاطين" يدل على أنه موضع ثقتهم واعتمادهم، والمقصود سلاطين الدولة المملوكية في مصر تحديدًا، وأما اسمه فهو "أبو الحسن علي الهَكاري".

 

وهذه الأوصاف والكنى والألقاب ترجح كون صاحبها أميرًا حاكما لإحدى الإمارات الكُردية القوية وليس مُجرَّد زعيمًا قبليًا، وإذ كانت بلاد هكاري هو الاسم القديم للمناطق التي تكونت عليها إمارة بهدينان في أول القرن الثامن للهجرة، فيكون هذا الأمير حاكما لها، وإذ كانت الوثيقة تصفه بإمارة الفتيان فالمقصود أن زعامته انبثقت من هذا التنظيم الذي يقوم أصلا على التصوف، وهو الأمر الذي ينطبق على إمارة بهدينان تحديدًا، فنحن نعلم أن أمراءها الأوائل كانوا متصوّفين تنسب لهم الكرامات الباهرة، بل أن هذه الكرامات كانت ركنًا قويًا من أركان إمارتهم، حتى عرف أحد أمرائها، وهو السلطان حسين، بالولي دلالة على شدة ورعه وتقواه، بينما كانت الزعامة القبلية، المتمثلة بتحالف قبائل الزيبار والمَزوري والسِّندي وغيرها، الركن الثاني لها.

ومما يؤكد تلك القاعدة الروحية والأخلاقية التي يستند إليها أهل بلاد الهكار، قول سفيرها الشيخ عبدالحميد "وأهل جميع تلك الجبال بحكم ان لهم في الفتوة ولباسها رغبة عظيمة وأن أحدهم لا يحلف الا وحق الفتوة ولا يكاد أحد منهم يحلف بالفتوة ويكذب أبدًا".

وواضح أن طلب الأمير الهكاري كان يتجاوز مسألة تقليده عهد الفتوة وشعارها إلى اعتراف الدولة المصرية بإمارته، وهذا يعني الاعتراف بشرعيتها بحكم كون هذه الدولة هي الحاضنة للخلافة العباسية.

 

ومن المؤسف أن الوثائق لا تسعفنا بمعلومات كافية عن المرحلة المبكرة من تاريخ إمارة بهدينان، ومن ثم فإننا نعلم إن ثغرات جسيمة تكتنف قائمة أسماء أمرائها الأوائل، ولما كانت إحدى الوثائق التي نشرت أخيرًا[12] تلقي ضوءًا على هذه المرحلة المبكرة، فقد عدنا إليها باحثين عن أمير يكنى علاء الدين، عاش في أواخر القرن السابع للهجرة وأوائل القرن التالي، فوجدنا أن هذه الوثيقة تصرح باسم الأمير (حاجي بن مُجَلي بن علاء الدين) وأنه كان صاحب العمادية سنة 740هـ/1339م وأنه أول من دخل العمادية، عاصمة الإمارة، ومعنى هذا- بحساب الأجيال[13]- أن الزمن الذي عاش فيه علاء الدين أبو مجلي يقع في أواخر القرن السابع تحديدًا.

وفي الوثيقة المسماة (الشجرة الزيوكية) نقرأ أن أول من دخلها هو الملك خليل، وكان قد دخلها في أوائل القرن الثامن للهجرة، وأن له ولدًا يكنى بعلاء الدين، حكم بعده، ثم تولاه بعد الأخير ابنه الأمير مُجَلى[14].

فيكون زمن علاء الدين في تضاعيف النصف الأول من القرن الثامن للهجرة.

وكلا الاسمين يمكن أن يكون صاحبه هو المرسل إليه الرسالة موضوعة البحث، وإن كنا نرجح أن يكون هو المذكور في الوثيقة الأولى، التي تنص على اسم علاء الدين جد حاجي بن مُجَلّي أمير العمادية، لا سيما وأن حاجي هذا كان معروفًا تمامًا لدى الدولة المصرية[15].

 

وفي الرسالة بعد ذلك ثناء شخصي ومديح وافر لعلاء الدين الهكاري، فهو "من اشتهر بالشجاعة التي تقدم بها على قومه"، والمعروف بـ"زرق الأسنة" أي الرماح، وبـ"بيض الصفاح" أي السيوف، وأشاد بصدق العزيمة وكرم شيمته، ونوَّه بحُسن طاعته وبإجابته وقومه إذا دعا داعي الجهاد.

ولذلك فإنه "جعله رأس أحزاب الجُموع الذين بتلك البلاد سهلا وجَبَلًا، وصَرَفه في اختبارهم قولا وعملا"، ومعنى هذا أنه اعترف رسميًا بإمارته.

 

كذلك سكتت المصادر نفسها عن تعيين هوية حامل الرسالة الشيخ عبدالحميد، لكننا نستطيع أن نقول أنه كان من فئة العلماء، أو من الصوفية، فاطلاق وصف شيخ عليه لا يحمل إلاّ على هذا المَحمَل، وكان من المعتاد أن يتولى أمثال هؤلاء السفارات بين ملوك ذلك العصر.

ومن المؤكد أن السفارة كانت تضم أشخاصًا آخرين فضلا عن الشيخ عبدالحميد، فهذا هو المعتاد في مثل هذه السفارات التي ترد من مناطق بعيدة، إلا أن الوثيقة تسكت عنهم.

 

استجاب السلطان للسفارة فورًا، وأمربكتابة "خُطبة"، وهي رسالة صيغت بأسلوب عال من البلاغة المتعارف عليها في الرسائل السُّلطانية عصر ذاك، إلى علاء الدين الهكاري، يُحيّيه فيها، ويُعلمه بترحيبه بطاعته، ويثني عليه وعلى شجاعته ثناء مطولًا استغرق معظم الرسالة.

 

نص الوثيقة:

ويذكر ابن عبدالظاهر في مقدمة هذه الرسالة خبر السفارة وغايتها فيقول:

"وفي شهر ربيع الأول ورد كتاب الأمير علم الدين نائب الشام يذكر ورود الشيخ عبدالحميد من جهة علاء الدين الهَكاري يسأل لباس الفتوة من مولانا السلطان، وأن يأذن له مولانا السلطان في أنه يُلبس أمَراءَه والقبائل وأهل جميع تلك الجبال بحُكم أن لهم في الفتوة ولِباسها رغبة عظيمة، وأن أحدهم لا يَحِلف إلاّ وحق الفتوة، ولا يكاد أحد منهم يحلف بالفتوة ويكذب أبدًا، وإذا كتب بالفتوة يسير لهم لباسها وهو قميص ولباس وغير ذلك، ورسم فعمل في صندوق بقفل فضة في أطلس[16] وعنبر ومسك وتكة حرير، واذن لعبدالحميد في تلبيسه، وسَيَّر صُحبته سيف وطلعة وسنجق وخاتم ومنديل.

ومقام علاء الدين في جبل هكار، فرسم مولانا السلطان بذلك خطبة وهي:

الحمد لله الذي جَعَل أنساب الفُتوَّة، متصلة بأشرف أسباب النبوّة، وأفضل من أمَدَّه منه بكل حَيْل وقوّة، وأسعد من سما فكان عاليًا على كل من سام عُلوّه، نحمده حمدًا تغدو الأفواه به مَملوَّة، ونشكره على مواهبه بآيات الشكر المَتلوَّة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من جعل إلى منهج التوحيد رَواحه وغُدُوَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله الذي شد الله أزره بخير من أفتى وفتّى[17] فنال كل بنوي من الفتيان به شرف الأبوة والنبوة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نصروا وليّه وخذلوا عدوه، صلاة موصلة الى نيل الأماني المرجوة.

 

وبعد فإن خير من اتّصَلَ به رجاء الرِّجال الأجواد، وطوى البعيد الى تحصيل مََرامه كل طَوْدٍ من الأطواد، وأماط به عن مكارم الأخلاق لثلم كل جٌود وامتطى ظهر خير جََواد، واستمسك من ملابس العِزِّ بما يؤمِّن ويؤمِّل، وما يغني ويُموِّل، وما يُتبرّك منه بلباس التقوى، وما يؤيِّد به عزيمته فتقوى، وما يتقدم به على رؤوس الأحزاب، وما يتنزّل به عليه أحسن آية من هذا الكتاب، مَن اشتهر بالشجاعة التي تقدَّم بها على قومه، وحَمَد اسمها في يومه، وبالشهامة التي لها ما للسهام من تفويق، ولزَرْق الأسِنّة من تحديق، ولبيض الصِّفاح من حِدّة مُتون، وللسَّمهريّة[18] من ازدحام إذا ازدحمت المَنون، ومن صدق العزيمة، ما يشهد بها كرم الشيمة، ومن شدة الباس ما يجتمع على طاعته كثير من الناس، ومن صدق اللهجة واللسان، ما اتصف عفافه منه بأشرف ما يتصف به الإنسان، ومن طهارة النفس ما يتنافس على مثله المتنافسون، ويستضيء بأنواره القابسُون، ويَرْفَل في حُلل نعمائه اللابسون، ومن الذين أبانوا عن حُسْن الطاعة وأنابوا، واذا دعوا الى استنفار جهاد واجتهاد آبُوا وأجابوا، والذين لا يلوون ألسنتهم عن الصدق، ولا يُوَلّون وجوههم عن الحق، والذين لا يقعدهم عن بلوغ الأوطار مع إيمانهم حب الأوطان، واذا نفذوا في حزب حرب الأعداء لا ينفذون إلاّ بسلطان.

 

وكان المجلس السامي الأمير الأجل الكبير الأسفهسلار المقدم المقدام، البطل الضرغام، علاء الدين مجد الأسلام، شمس الأنام، شرف القبائل والعشائر، ذو المفاخر والمآثر، أمير الفتيان، مُمير الإخوان والأعوان، ذخر الملوك والسلاطين، أبو الحسن علي الهكاري هو صاحب هذا الحفل المعقود، والممدوح بهذا المقال المحمود، والممنوح بهذا المقام المشهود، والثناء الذي سُرّ باله لمّا سَرْبَله[19] أثواب العز والفخار، الذي استخير الله في اصطفائه واجتبائه في ذلك الفخار، اقتضى الرأي الشريف العالي المَولَوي السلطاني الملكي الأشرفي الصلاحي كثَّر الله أنصاره، وأعلى مناره، أن يجيب وسائل مَن وقف في محفل هذا القصد وقفة سائل، لينال بذلك نائل كل إحسان وإحسان كل نائل، ودعا الى الكرم العام بالإنعام، وادعي لسلطان يدعى له ويدعو كل الأنام، فقال: أسأل الله واسأل سلطان الأرض ملك البسيطة إمام العصر، رافع لواء النصر، ناصر المِّلة المحمدية، محيي الدولة العباسية، فاتح البلاد والقلاع والأمصار، قاهر الكفار، مُبيد الفرنج والأرمَن والتتار، سلطان الزمان، خسروان إيران، شاهنشاه العالي، سلطان العالم وارث المُلك، سلطان العرب والعجم والترك، الذي انتمى اليه عن أمير المؤمنين الأمام الأوّاب المِغوار، علي ابن أبي طالب ذي الفخار، شرف الفتوة اتصال الأنساب والأحساب[20]، أن يقبَلني قبُول المُجيب الوهاب، وألزم شروط الفتوة وأحكامها، وحفظ عقدها ونظامها.

وشهدت له أوصافه بأنه أهلٌ لذلك، وانه قد وهب نفسه لخير مليك ومالك، فقبله خلد الله سلطانه وفتّاه، بعد أن كشف عن سيرته وسريرته فأفتى فيه بكل خير من استفتاه، فعند ذلك ألبسة لباس التقوى والقوة والباس، وغرسه في دوحة أوليائه ليكون زاكي الغِراس، وجعله رأس أحزاب الجُموع الذين بتلك البلاد سهلا وجَبَلًا، وصرفه في اختبارهم قولا وعملا، يفتّى من تجتمع فيه أوصاف الجميل، ويسلك بهم في ذلك سواء السبيل، ويحفظ في نفسه وفيهم مَصُون هذا الكرم والكرامات، صيانة يفخر بها الأحياء والأموات، فيجعل جمع الكلمة على الجهاد في سبيل الله من أجمل مساعيه، وأحمد دواعيه، وأجلّ شيء يُراعيه، حتى يكثر بذلك عدده، ويتغزر مدده، وينضح الى منهج العلياء جدده، أمده الله بعونه، وكلاه بصونه".

 

خاتمة

كشفت الوثيقة التي نقل نصها المؤرخ ابن عبدالظاهر عن جملة من الحقائق المخفية، أولها أن أميرًا كرديًا قويًا يدعى علاء الدين علي الهكاري كان أميرًا على منطقة الهكار في أواخر القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد، وقد رجحنا أن يكون هذا الأمير هو أحد الأجداد الأوائل لأمراء بهدينان، التي نشأت على الشطر الجنوبي من بلاد الهكار، كما أوضحت الوثيقة رغبة هذه الإمارة في التحالف مع مصر، وترحيب الأخيرة بهذه الرغبة، وذلك لإقامة حلف قوي يمكن أن يتصدى لأي انهيار في الدفاعات الإسلامية أمام غزو مغولي جديد.





[1] القلقشندي: صبح الأعشى، بيروت 1987، ج1 ص104.

[2] تنظر مصادر ترجمته في ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، القاهرة 1970، ج8 ص38، وكتابه: المنهل الصافي، القاهرة 1984، ج7 ص98 والصقاعي: تالي كتاب وفيات الأعيان، دمشق 1974، ص118، والنويري: نهاية الأرب ج31، القاهرة 1992، ص156 والذهبي: العِبَر في خبر من غبََر، بيروت 1985، ج5 ص376 وابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، بيروت 1975، ج2 ص13 ص334 والمقريزي: السلوك، القاهرة 1934، ج1 ص787 والسيوطي: حسن المحاضرة، القاهرة 1967، ج1 ص570 وابن إياس: بدائع الزهور ج1، القاهرة 1961، ص372 وابن العماد: شذرات الذهب، القاهرة 1950، ج 5 ص372 ومقدمة مراد كامل لكتابه (تشريف الأيام والعصور) ومقدمة عبدالعزيز الخُوَيْطِر لكتابه (الروض الزاهر) ومقدمة أيمن فؤاد سيِّد لكتابه (الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة).

وما أشاروا إليه من مصادر أخرى.

[3] نعد طبعة كاملة محققة من هذا الكتاب إن شاء الله.

[4] لقب بالأمير الكبير، وكان أحد الموصوفين بالشجاعة والإقدام، وشهد عدة حروب، وتوفي سنة 692هـ تنظر في ترجمته في ابن الداودار: كنز الدرر وجامع الغرر، الجزء الثامن المسمى الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية، ص693.

النجوم الزاهرة ج8 ص45 وتاريخ ابن خلدون، بيروت 1979 ج5 ص405 واليافعي: مراة الجنان بيروت 1997، ج4 ص166وابن العماد: شذرات الذهب ج5 ص423

[5] السنجق: العلم.

[6] يؤكد ابن المعمار البغدادي على أهمية قيم الفتيان وأخلاقهم، ويجعل من المروءة شرطًا أساسًا للفتوة، ويذكر مائتي خصلة يندب الفتى لفعلها، ونقل عن الجنيد البغدادي التعريف الآتي" الفتوة كف الأذى، وفعل الندى، وترك الشكوى" (كتاب الفتوة، تحقيق مصطفى جواد وآخرون، بغداد 1958، ص153 و256-261)، وهذه الأخلاق هي التي دفعت بعض الباحثين، مثل Hammer إلى القول بأن نظام الفروسية الأوربي مقتبس من هذا النظام.

ينظر Leuis B.
, The Emergence of Modern Turkey, Oxford 1962.
p.
30
ويرى تشنر أن حركة الفتوة بدأت حركة فروسية أرستقراطية، ثم تحولت فصارت حركة الطبقة المتوسطة في القرن الثالث عشر للميلاد، وأخيرًا هبطت في القرن الخامس عشر لتصبح حركة العوام، وهكذا اندمج الفتيان بأصناف الحرف.

عبدالعزيز الدوري: الأصناف والحرف الإسلامية، مجلة القضاء 10(بغداد 1952) ص12، ولاشك في أن مبعث هذا الرأي هو الأخلاق الرفيعة التي كان يتحلى بها أعضاء هذا التنظيم، وتشابهها مع أخلاق الفروسية في أركانها ومراسمها، وذلك قبل أن يغلب عليها طابع الصناعة، بانضمام "صبيان" أرباب الحرف غليها.

ينظر محمد فؤاد كوبرلي: قيام الدولة العثمانية، ترجمة أحمد السعيد سليمان، القاهرة 1967، ص110-111.

[7] درويش يوسف حسن هروري: بلاد هكاري، دهوك 2005، ص19.

[8] صبح الأعشى ج7 ص19.

[9] صبح الأعشى ج7 ص19.

[10] صبح الأعشى ج7 ص309.

[11] صبح الأعشى ج3 ص479.

[12] محمد أمين دوسكي: وثيقة تاريخية هامة يكشف عنها النقاب لأول مرة، مجلة (مه تين)، عدد 2، 1996، ص149.

[13] يتفق النسّابون على أن الجيل بالمصطلح النَسَبي يقدر بثلاثين أو أربعين سنة.

[14] الشجرة الزيوكية، وثيقة نسب أمراء بهدينان وتاريخهم، بتحقيقنا، أربيل 2009 ص52-53.

[15] أشار إليه القلقشندي: صبح الأعشى ج7 ص309 باسم (الحاجي بن عمر).

وينظر عنه كتابنا: المعجم التاريخي لإمارة بهدينان، أربيل 2011، ص370.

[16] ضرب من قماش رقيق ثمين، يعرف اليوم باسم (ساتان).

[17] فتى: جعله فتى، أو أقر بفتوته.

[18] رمح صلب العود

[19] سربله البسه السربال، وهو القميص والدرع.

[20] تنسب الفتوة إلى الإمام علي بن أبي طالب.