يوسف بن تاشفين بطل الحروب الصليبية في الأندلس

  • كتبه: د. أحمد الخاني
  • شـوهــد: 19
مدة قراءة الترجمة : 7 دقائق .

يوسف بن تاشفين

بطل الحروب الصليبية في الأندلس

 

أمة تنجب العظماء:

يوسف صلاح الدين الأيوبي، بطل الحروب الصليبية، في المشرق الإسلامي.

 

ويوسف بن تاشفين، بطل الحروب الصليبية في المغرب الإسلامي.


رعي الجمال، خير من رعي الخنازير:

كان المعتمد بن عباد حاكم الأندلس، أضعف من أن يرد غارات النصارى، فاستنجد ببطل الإسلام في المغرب الإفريقي يوسف بن تاشفين، ولكن بعض ملوك الطوائف في الأندلس وجه اللوم إلى المعتمد لأنه استنجد بابن تاشفين، فقال قولته الشهيرة:

رعي الجمال خير من رعي الخنازير.

 

الجمال في الأندلس:

لم تكن الأندلس كلها قد رأت جملاً واحداً، ولما أنهى يوسف استعداداته الحربية أمر بعبور الجمال لتشارك في المعارك، فهي أعلى من الخيل، وأصبر منها، ولها ميزات أخرى، فضخامتها تخيف الخيل، ولم تكن الأندلس قد رأت الجمال وخيولها ما رأت الجمال، خيول المسلمين تألف الجمال، وتشارك معها في حياتها، بينما خيول الأندلس ليست كذلك، وحينما عبرت الجمال بالسفن تعجب أهل الجزيرة، وقد غصت المنطقة بها وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، وكان رأي يوسف غاية في الذكاء والبداهة العسكرية.

 

عناق الأبطال:

وبعد وصول القائد يوسف، كان في استقباله القائد المعتمد، وكان لقاء تاريخياً، فللإسلام أهله، وهم يد واحدة على أعدائهم وإن تباعدت الديار، فكان اللقاء حاراً حميمياً، استعداداً وتعاوناً على لقاء مصيري مع أعداء الإسلام الصليبيين الذين يقتطعون من الأندلس حصناً بعد حصن وبلداً بعد بلد.
.
.


وكان يوسف يعرف أن له أعداء في صفوف المعتمد، سيفوت عليهم جشعهم وسعيهم لمكاسبهم الشخصية ولو على حساب الأمة ومصيرها، وهم الذين وجهوا اللوم للمعتمد لأنه استعان بيوسف، فلا هم قادرون على الدفاع عن الأوطان، ولا هم راضون عمن يدافع عنهم، أمر غريب، وشأن عجيب.


ولما تم اللقاء، انصرف كل قائد إلى معسكره الذي أُعد له.


الفونسو قائد جيش الصليبيين:

ولما سمع ملك الفرنجة ألفونسو بخبر يوسف أنه جاء إلى نجدة إخوانه المسلمين في الجزيرة الخضراء، زاد من استعداداته للحرب، وعبأ ما استطاع من الجيش والسلاح، ثم نظر إلى جيشه وقد تملكه الغرور، وأخذ منه مأخذه فقال: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس والملائكة.

 

وكتب رسالة إلى يوسف بن تاشفين يتهدده ويتوعده، فلما وصلت الرسالة إلى يوسف قال لكاتبه: اكتب الرد على ألفونسو.


الذي يكون ستراه:

راح الكاتب يدبج رسالة يتهدد فيها ألفونسو باسم يوسف بن تاشفين، وقد استعمل فيها العبارات البليغة بعد أن أسهب وأطال في الجواب، ثم جاء يقول: أنجزت الجواب يا مولاي.

قال يوسف: اقرأ علي، فبدأ يقرأ:

بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المجاهدين وعلى آله وصحبه أما بعد: من أمير المؤمنين يوسف ابن تاشفين إلى ألفونسو.
.
.

قطع عليه قراءته وقال: بارك الله بك، خطابك بليغ في صفحات عديدة، أين الخطاب الذي بعث به ألفونسو إلينا؟

قال الكاتب: ها هو ذا الخطاب يا أمير المؤمنين.

 

قال يوسف: اكتب على ظهره:

(الذي يكون، ستراه) وبعث يه إلى ألفونسو، فلما وصله، وترجم له، اهتزت الأرض من تحته وارتعدت فرائصه وأوصاله وقال: هذا رجل لا كالرجال.

 

استعد كل فريق إلى لقاء خصمه، وكان اللقاء في منطقة سميت الزلاقة.

 

الشعر في المعركة:

خرج ألفونسو بجيشه، وخرج المسلمون؛ المعتمد بجيشه ويوسف بجيشه فقال المعتمد وهو القائد الشاعر:

لا بد من فرَج قريبْ يأتيك بالعجب العجيب غزوٌ، عليك مبار سيعود بالفتح القريب لله سعدك، إنه نكس على دين الصليب لابد من يوم يكو ن، له أخاً، يوم القليب


ويتفاءل ابن عباد بيوم القليب، أي؛ يوم بدر، حيث نصر الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة، وهي بشارة شحذت عزمه وعزم جيشه.

 

الحيلة:

ولما انهزمت نفس ألفونسو وضعفت معنوياته، أراد أن يُعمل الحيلة، بأن يخدع المسلمين، فبعث وفداً إلى المعتمد يقول له: غداً يوم جمعة وهو عيدكم، ويوم الأحد عيدنا، ويجب ألا نتقاتل في الأعياد، فليكن لقاؤنا يوم السبت.


عرف المعتمد أنها حيلة نصارى، وأخبر بها يوسف.


المعركة:

هجم ألفونسو فجر يوم الجمعة، وكان المعتمد على استعداد، ولكن ألفونسو صدمه صدمة قطعت آماله، وصبر لها المعتمد، فهاجت الحرب وحمي الوطيس واستمر القتل في أصحاب ابن عباد، وصبر صبراً لم يعهد مثله لأحد في عصره، وعضته الحرب، واشتد عليه الكرب، وازداد عليه وعلى من معه البلاء، وانكشف بعض أصحابه وفيهم ابنه عبد الله، وأُثخن المعتمد جراحاً وعقرت تحته ثلاثة أفراس، وهو يضرب يميناً وشمالاً، وبلغت القلوب الحناجر وزاغت الأبصار.
.
.

 

في تلك اللحظة، ظهر يوسف بجيشه، فتنفس ابن عباد الصعداء، حيث اتجه بجيشه إلى ألفونسو فصدمه صدمة أشد من صدمته لابن عباد، والجمال وعليها الرجال المقاتلون الاشداء أبناء الصحراء، بأيديهم الرماح الطويلة تغرس في صدور النصارى وقلوبهم، وهم لا يستطيعون حيلة على خيولهم بسيوفهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً .


ورغاء الجمال كأنها البعبع يخيف خيل الصليب، وطبول الحرب تقرع في آذانهم وقلوبهم، فكان لا يُسمع إلا تكبير المسلمين، وإلا صراخ الصليبيين يستغيثون بالعذراء والقسيسين، فانكشف الطاغية ألفونسو، ومر هارباً مهزوماً وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي يشكو منها طيلة حياته، وبدأ جنوده بالفرار فولوا ظهورهم، وأعطوا أعناقهم للسيوف تنحرهم والرماح تطعنهم، وأدى بهم فرارهم إلى أرض زلقة علقوا بها فسهل قتلهم فيها، وبلغ عدد القتلى من الإفرنج قريباً من مئة وخمسين ألفاً وعدد الأسرى ثلاثين ألف أسير.


ثم وزع السلطان الغنائم على المجاهدين.

 

عتاب التاريخ:

بعد هذه المعركة، انطلقت قوات المسلمين إلى الشمال، حتى وصلت إلى طليطلة فحاصرتها وقذفتها بالمجانيق، وهدم السلطان يوسف أسوارها، فخرجت والدة ألفونسو إلى السلطان ومعها نساؤه وبناته فبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد لهن، فرق لهن قلبه ووهب لهن من الأموال والجواهر الشيء الكثير وردهن مكرمات، وعاد إلى قرطبة، وجاءته رسل ألفونسو يطلبون الصلح فصالحه.

 

بقي الشمال مصدر خطر يهدد المسلمين، وكان بإمكان يوسف أن يصفي كل الشمال حتى لا يبقى مركز للعدو يتحصن به، ولكن يوسف لم يفعل، وأصبح الشمال مركز العمليات للقضاء على المسلمين إلى أن سقطت الأندلس كلها.

عاد يوسف إلى أفريقيا، وهو البالغ من العمر حوالي ثمانين عاماً فتوفي رحمه الله دون أن يكمل مهمته.

 

فيا شبل الإسلام، أنت الأمل في استعادة القدس والأندلس وكل شبر سلب من ديار الإسلام.