الوقف في العصر الحديث في بلاد الحرمين (1)

  • كتبه: الطاهر زياني
  • شـوهــد: 4
مدة قراءة الترجمة : 5 دقائق .

الوقف في العصر الحديث في بلاد الحرمين:

نماذجه وكيفية استثماره (1)

 

قال طارق بن عبد الله حجار في تاريخ المدارس الوقفية في المدينة المنورة (473): "بعدما أتم الله الحكم للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- رحمه الله - وبعدما وحد الدولة وأقام حدود الله وشرعه على العباد، ومن أوّل ما اهتم به هو القضاء، والاهتمام بالحرمين الشريفين والأوقاف، وكان ذلك حين أصدر مرسوماً ملكياً كريماً في 27/ 12/ 1354هـ يربط إدارات الأوقاف وفروعها بمدير عام مقره مكة المكرمة، وتلا ذلك تنظيمات كثيرة كلها ترميإلى الإصلاح من وضع الأوقاف في البلاد حتى تتم الفائدة المنشودة".

 

وقد انتشر الوقف في المملكة العربية السعودية وتنوع تنوعًا كبيرًا شمل مختلف مجالات الحياة، واستفاد منه القاصي والداني ومختلف قطاعات المجتمع، وقد ذكرتُ سابقا بعض النماذج الاستغلالية والاستثمارية التي رأيتها بالمملكة لما كنت طالب علم هناك:

نماذج من الوقف في المجال الديني:

لقد استمر العمل الوقفيُّ على خطى السلف في عصر الدولة السعودية خدمةً للجانب الديني، بدءًا من طباعة المصاحف الشريفة إلى بناء المساجد، والتوسعات المتوالية على الحرمين الشريفين وسائر المشاعر المقدسة ومرافقها، وكذا العمل بالوقف الاستثماري الذي تعود غلته على تلكم الأمور، فبُنِيت لذلك الفنادق والمؤسسات، وشيدت المصانع والجمعيات، وكثرت المعاملات التي تعود غلتها والكثير من أسهمها على خدمة دين الله وبيوته، وأجرة العاملين في هذا المجال.

 

ومن أبرز الأمثلة على ذلك:

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة الذي افتتحه الملك فهد – رحمه الله – في السادس من صفر سنة 1405هـ (1984م)، وله هدفان عامان:

أولهما: خدمة القرآن الكريم طباعةً وتسجيلا وترجمةً بما في ذلك من قرأت وعلوم مختصة بالقرآن الكريم.

 

والثاني: العناية بالسنة وعلومها من سيرة نبوية وبحوث ودراسات إسلامية.

 

وأما عن طريقة عمله: فقد زرنا هذا المجمع لما كنا طلبة بالجامعة الإسلامية هناك، فوجدنا فيه ما هو استغلالي بحيث يتصدق المجمع بالمصاحف على بعض الجهات، وفيه ما هو استثماري بأن تُباع تلكم المصاحف أو التسجيلات ونحوها ثم تُصرف غلتها في تنمية المجمع ومرافقه.

 

ومن أمثلة ذلك أيضًا: تأسيس جمعيات تحفيظ القرآن الكريم الوقفية:

وقد أسسوا لها أوقافًا استثمارية تعود غلاتها عليها، من عقارات وفنادق وأسهم، كما ذكر عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان في كتابه عناية المسلمين بالوقف خدمة للقرآن الكريم (39.
.
.
)
، وقد انبثقت هذه الفكرة من مكة المكرمة عام 1382هـ، واعتمدت في تمويل نفقاتها ونشاطاتها على الأوقاف والتبرعات من ولاة الأمر والمواطنين.

 

وقال عبد الوهاب أيضًا في الكتاب المذكور (ص 13):

"تطورَ الاهتمام بالقرآن الكريم والعناية به في العصر الحديث من النشاط المحدود الذي يقتصر على تأسيس مدرسة محدودة المكان، محدودة الإمكانات والموارد، محدودة الطلاب والأساتذة، إلى نشاط أوسع من حيث أماكن التدريس، وبإمكانات مادية، ووقفية من مصادر متعددة، وأعداد متزايدة للطلاب، والمدرسين، والمشرفين، وبأجهزة إدارية كاملة تعليمية، ومحاسبية، وإشراف، لها أنظمتها وقوانينها، وبأهداف وطموحات غير مسبوقة في مناهج المدارس القرآنية القديمة "، ثم قال:" إن فكرة إنشاء الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة كانت في شهر شعبان سنة 1382هـ عندما وصل من الباكستان فضيلة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني رحمه الله، حيث طرح هذه الفكرة على أعيان مكة المكرمة وعلمائها فلقيت منهم ارتياحاً واستحساناً ثم رفعوا هذه الفكرة إلى المسؤولين في هذه البلاد المباركة، فشجعوا العمل النبيل، والمشروع الحسن، وكان على رأسهم معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف آنذاك رحمه الله، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي آنذاك رحمه الله، ومعالي الشيخ محمد سيتي الذي كان يتحمل ثلث رواتب المدرسين بالجمعية.
.
.

ثم تتابعت بعد هذا جمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية"، وذكر منها:

أولاً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة المدينة المنورة، وتأسست عام 1383هـ ويتبع الجمعية فرعان أحدهما في العلا، والآخر في محافظة ينبع.

 

ثانياً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الرياض، أسست عام 1386هـ، ولهذه الجمعية فرعان: فرع محافظة المجمعة، وفرع تمير وتوابعها، ثم ذكر الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة القصيم، وعسير، والمنطقة الشرقية، وتبوك، وحائل والحدود الشمالية".