يوم الهزيمة

  • كتبه: د. محمد بن لطفي الصباغ
  • شـوهــد: 546
مدة قراءة الترجمة : 6 دقائق .

يوم الهزيمة[1]


مضت سنوات على عملي أستاذًا في الجامعة في مدينة الرياض في جامعة الإمام ثم جامعة الرياض، نعم في مدينة الرياض التي ما غادرتها إلا للحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي.

 

وكنت أرغَبُ في زيارة المنطقة الشرقية: الدمام والظهران والخبر، ولم يتيسر لي ذلك حتى زارني أخٌ حبيب هو الأستاذ حمد الصليفيح رحمه الله، وعرض عليَّ زيارة تلك المنطقة فوافقت.

 

وتواعدنا على أن يكون السفر بعد أن أنتهيَ من أعمالي الجامعية وكنا في آخر السنة الدراسية، وتواعدنا على أن يكون السفر يوم الاثنين 27 صفر سنة 1387هـ الموافق لـ 5 حزيران سنة 1967م بعد آخر الدوام.

 

وذهبت في الصباح إلى كلية الآداب في الملزّ.
.

وكان من نظام الجامعة أن للأساتذة الذين سلَّموا نتائج السنوات التي يدرِّسون طلابَها أن يسافروا لقضاء العطلة الصيفية إن أرادوا.

 

وما إن جلستُ في مكتبي قليلاً حتى بدأ الأساتذة الزملاء يترددون على غرفتي؛ ينقلون أخبار حرب قامت اليوم بين العرب واليهود، وكانوا متحمسين جدًّا، وعلمت أن أكثر الأساتذة موجودون في غرفة العميد الدكتور عزة النعي فذهبت إليها، فوجدتُ هناك جهازَ راديو يذيع أخبار الانتصار الوهمية التي يحرزها العرب، وكان صوت المذيع يُلعلِعُ مخبرًا بإسقاط مئات الطائرات الإسرائيلية، وكان المذيع يقول: إن نهاية اليهود قد أزفت! ويؤسفني أن أقول: إن معظم الأساتذة كانوا يصدِّقون هذا الكذب، ولم أكن أستطيع أن أقول شيئًا.

 

عدتُ إلى البيت، فوجدت زوجتي أم لطفي أمام المذياع مشدودة الأعصاب فَرِحةً بأنباء الانتصارات الوهمية الكاذبة التي ترددها الإذاعات، فقلتُ لها: يا أم لطفي، إن هذه مؤامرة ليسلِّموا اليهودَ الضِّفةَ الغربية وسيناء والجولان.

 

قالت: يا أبا لطفي، أنا أصدقك في كل ما تقول، ولكنني اليوم لا يمكن أن أقبل هذا الكلام.

 

قلت: ستشهد الأيام المقبلة بصحة مقولتي، وسترين وسنرى جميعًا.

 

وبعد العصر جاء الأستاذ حمد حسب الموعد، وقال: هل سمعت يا شيخ نبأ الحرب؟ قلت: قد سمعتُ.

قال: وما رأيك في السفر في هذه الظروف؟ قلت: أنا مستعد للسفر، فإن كنت أنت تريد البقاء فكما تريد.

 

فاستحيا أن يقول: إنه يريد البقاء - وإن كان في ظني يريد البقاء في الرياض ويريد أن يكون الاعتذار مني.

 

وتركت الزوجة والأطفال في البيت ومضيت، وركبنا واتجهت بنا السيارة إلى المنطقة الشرقية، وراديو السيارة يحدثنا عن أنباء الحرب وعن إسقاط الجيوش المصرية طائرات العدو، حتى ليظنَّ السامع أنه لم يبقَ عندهم طائرة، وزُرْنا الظهران والدمام والخبر ورأس تنورة.

 

وكنا نرى في كل بقعة نزورها غَلَيان الشعب وفرحهم واستبشارهم بالنصر، وكان المذيع أحمد سعيد يَعِدُ الناس بأن يسمعوا أمَّ كلثوم تهنئُ بنفسها في تل أبيب - يضحك على الناس، وهو مذيع حقير، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

 

ونزلنا يومًا في دار صديقنا د.

سيد دسوقي الذي كان أستاذًا في الجامعة هناك، ووجدته مأخوذًا بما يسمع، فذكرت له رأيي بأنها مؤامرة لتسليم الضفة وسيناء والجولان فاستوعب الرأي، وذهب إلى الطلاب يناقشهم بوجهة النظر هذه، ولكنهم لم يقنعوا وبقينا في المنطقة الشرقية يوم الثلاثاء والأربعاء، وعزمت على السفر إلى الرياض يوم الخميس، أما صاحبي فقد تأخر لإصلاح سيارته، ورجعت أنا بسيارة أجرة يوم الخميس.

 

وكان الناس جميعًا مرابطين أمام المذياع يسمعون الأنباء الكاذبة، وكنا نسمع المذياع في السيارة يقول: إن اليهود احتلوا الضفة الغربية والجولان وسيناء، وأصدر مجلس الأمن قرارًا يطلب فيه وقف إطلاق النار، فسارعت الأردن إلى إعلانها قبولَ وقف إطلاق النار، ثم قبلت مصر عبد الناصر قرارَ وقف إطلاق النار، ثم قبلت سوريا ذاك القرار.

 

ورجعتُ إلى الرياض مساء الخميس وقد انتهت الحرب، وضاعت فلسطين كلها وسيناء والجولان، وا أسفاه!

 

وقام جمال عبد الناصر بمسرحية الاستقالة فألقى خطابًا اعترف فيه بالهزيمة، وقال: كنا نحسب أنهم سيأتون من جهة كذا ولكنهم جاؤوا من منطقة أخرى، وأعلن أنه يقدم استقالته، ثم أخرج المباحثَ والجواسيس والأوباش يطلبون بقاءه، وعاد إلى الحكم - وهو لم يخرج منه - ينكِّل بالأحرار، وينشر الفساد في الأرض، عليه من الله ما يستحق!

 

وقام الخونة بعد ذلك بالتمكين لليهود، وا أسفاه! فأعلن فريق من الفلسطينيِّين المطالبةَ بأن تفكَّ الحكومة الأردنية الوحدة بين الضفتين، وذهبوا إلى أوسلو واعترفوا بإسرائيل، واعترفت مصر والأردن بإسرائيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وا أسفاه! وا أسفاه! والآن ليس لنا إلا الرجوع إلى الله والعمل بشريعته، وفضح الخونة والبعد عن المعاصي، وعلينا الإعداد بما نستطيع عملاً بقول الله عز وجل: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[الأنفال: 60] ومن الإعداد تربية الأجيال المقبلة على ما أمر الله ورسوله، اللهم، هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.





[1] حلقة من ذكرياتي، الرياض في 13/ 1/ 1436 - 6/ 11/ 2014.